الدرس في شرح كتاب تطهير الإعتقاد 7، الدرس السابع : فيه ( الرسل مبعوثون للدعوة إلى إفراد الله بالعبادة ... أن لا تعبدوا إلا الله ,اعبدوا الله مالكم من إله غيره ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
دعوة الرسل كانت إلى إفراد الله بالعبادة، وليس فقط إثبات وجوده أو ربوبيته. المشركون كانوا يعبدون الله ولكن يخلطون العبادة بعبادة غيره.
الفرق بين المشركين الأصليين ومن يدعي الإسلام ويشرك هو عدم الدخول الحقيقي في الإسلام. العبادة الخالصة لله هي الفارق الحقيقي بين المسلم والمشرك.
الشرك يحبط الأعمال الصالحة، وعبادة غير الله تبطل عبادة الله. الرسل دعوا إلى توحيد العبادة وإفراد الله بالعبادة دون غيره.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام العلامة الصنعاني رحمه الله تعالى: قال الرسل، مبعوثون للدعوة إلى إفراد الله بالعبادة. وإذا تقررت هذه الأمور، فاعلم أن الله تعالى بعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم يدعون إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، لا إلى إثبات أنه خلقهم ونحوه، إذ هم مقرون بذلك كما قررناه وكررناه. وإذا قالوا: أجئتنا لنعبد الله وحده، أي لنكرمه بالعبادة ونخصه بها من دون آلهتنا، فلم ينكروا إلا طلب الرسل منهم إفراد العبادة لله، ولم ينكروا الله تعالى، ولا قالوا: إنه لا يعبد، بل أقروا بأنه يعبد، وأنكروا كونه يفرد بالعبادة، فعبدوا مع الله غيره وأشركوا معه سواه، واتخذوا معه أندادا، كما قال تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾، أي وأنتم تعلمون أنه لا ند له. وكانوا يقولون في تلبيتهم للحج: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وملك. وكان يسمعهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند قولهم: لا شريك لك، ويقول: قد أفردوه جل جلاله لو تركوا قولهم: إلا شريكا هو لك. قال: فنفس شركهم بالله تعالى إقرار به تعالى. وقال تعالى: ﴿أين شركاءكم الذين كنتم تزعمون﴾. وقال: ﴿قل ادعوا شركاءكم ثم كيدوني فلا تنظرون﴾. قال: فنفس اتخاذ الشركاء إقرار بالله تعالى. ولم يعبدوا الأنداد بالخضوع لهم والتقرب بالنذور والنحر لهم إلا لاعتقادهم أنها تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم لديه. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل في بيان أن الرسل إنما بعثوا في دعوتهم إلى إفراد الله جل وعلا بالعبادة، لأن أكثر شرك الأمم كان في الألوهية. وليس معنا أنه لم يوجد شرك في الربوبية، وجد لكنه قليل نادر، والغالب لعم أنهم كانوا يشركون في الألوهية. وعند ذلك كانت الرسل تدعوهم إلى إفراد الله جل وعلا في عبادة الله سبحانه، وهو توحيد الألوهية. ثم أورد رحمه الله تعالى ها هنا أولا مبينا أن الرسل عليهم الصلاة والسلام جاءوا ليجعل الناس إلى توحيد الله عز وجل في عبوديته. ولذلك ذكر هذه الآية في قول من بعد فيهم الرسل، كما قال تعالى عنهم: ﴿أجئتنا لنعبد الله وحده﴾، يعني أجئتنا لنجعل العبودية لله وحده. إذن هم علموا أن الرسل بعث لعبودية الله سبحانه وإفراده سبحانه بذلك. وهذا هو حقيقة الشرك الذي وقعت فيه الأمم، وهو بعينه الشرك الذي وقعت فيه بعض الطوائف ممن تنتسب إلى الإسلام في زمن المؤلف رحمه الله، وهكذا في زمننا هذا. لأنهم في الحقيقة لم يفقهوا ولم يفهموا أن حقيقة التوحيد لله هو بإفراده بالعبادة، لا تصرف العبادة لغير الله. لا معنى أنه يعبد الله لا، لأن المشركين كانوا يعبدون الله. كانوا يعبدون الله ويعبدون غير الله، فجاءت الرسل للنهي عن عبادة غير الله، وأن تكون العبادة لله وحده. وهذه مسألة دقيقة، والمؤلف رحمه الله يتدرج في المسائل. بيّن فيما سبق أولاً أن المشركين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وبيّن فيما سبق أن الرسل بُعِثوا بتوحيد الألوهية، ثم الآن بيّن رحمه الله أن المشركين ليسوا فقط دعوا إلى توحيد الألوهية وهم لم يأتوا بها لا، بل هم أتوا ببعض العبادة لله، ولكنهم عبدوا مع الله من غيره. عبدوا مع الله غيره، إذن لا فرق بين المشركين الذين بعد فيهم الرسل، كما قال سبحانه: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾. ليس معنى الآية: أن اعبدوا الله أي لماذا لا تعبدون الله فاعبدوه لا، لكن معنى أن اعبدوا الله أي أفردوه بالعبادة. لأن المشركين كانوا يعبدون الله، عندهم عبادة لله، لكن الذي وقع منهم وأبطل عليهم هذه العبادة هو ماذا؟ هو أنهم كانوا يعبدون مع الله غيره. فالآية وغيرها من الآيات التي فيها دعوة الرسل إلى عبادة الله وحده ليس معناها فقط إثبات العبودية لله عز وجل، إذ كانوا ينفونها لا، بل الكثير منهم ما كان ينفي العبودية لله. الكثير منهم كان يعبد الله، هم حين يتصدقون يريدون بهذه الصدقة ما عند الله، ولكن يخلطون شيء لله وشيء آخر لآلهتهم. وحين يذبحون وينذرون ويطوقون ويبنون البيت الحرام ويفعلون أنواع البر والصلة يريدون ما عند الله ويخلطون معه ما ليس لله. فهم حين دعوا إلى عبادة الله ليس لأنهم كانوا لا يعبدون الله، ولكن كانوا يعبدون الله ويعبدون ماذا؟ ويعبدون غيره. وهذه نقطة مهمة لا يعرفها من فتن بعبادة القبور، يظنون أن المشركين في زمن الأنبياء والرسل ما كانت لهم عبادات لله، ولا كانوا يعرفون العبادة لله. وهذا خطأ، بل الكثير منهم كانوا يعرفون العبادة لله، ولكنهم خلطوا مع عبادة الله عبادة غير الله. إذن إذا تكرر هذا المفهوم، فما هو الفرق بين مسلم يدعي الإسلام يعبد الله ويعبد غير الله، وبين مشرك لم يدع الإسلام؟ عرف أنه لو قال: لا إله إلا الله بلسانه وبقي على عبادته لتلك الأصنام والأحجار والأشجار والقبور والملائكة والأنبياء، أنه ما دخل في دين الإسلام. فأقر على نفسه أنه كافر، ولا يزال يعبد الله ويعبد غير الله. وآخر يدعي الإسلام وهو يعبد الله ويعبد غير الله، ما الفرق بينهما؟ الجواب: لا فرق بينهما، كلاهما مشرك بالله، ما دام أنه عبد الله وعبد غير الله. ننتبه لهذا الملحظ، فالمؤلف رحمه الله يتدرج تدرجا دقيقا في الوصول إلى المقصود الذي به يبرهن لمن وقع في الشرك في زمانه أن شركهم لا فرق بينه وبين شرك المشركين في زمن الأنبياء والمرسلين من قبل. قال رحمه الله تعالى: ولذا قالوا: أجئتنا لنعبد الله وحده، أي لنفرده بالعبادة ونخصه بها من دون آلهتنا. فلم ينكروا إلا قرب الرسل منهم إفراد العبادة لله، ولم ينكروا الله تعالى، ولا قالوا: إنه لا يعبد، بل أقروا بأنه يعبد. بل أعظم من ذلك، منهم من كان يعبد الله كما سيأتي. وقال: وأنكروا كونه يفرد بالعبادة، فعبدوا مع الله غيره وأشركوا معه سواه. إذا كانوا هم يعبدون الله ويعبدون مع الله من غير الله، فلهذا كانوا من المشركين. فإذا كان كذلك، فمن عبد الله وعبد معه غيره، فهو لم يختلف عن المشركين قديما. قال رحمه الله تعالى: واتخذوا معه أندادا، كما قال تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾، أي وأنتم تعلمون أنه لا ند له. وهذه الآية هل فيها في الحقيقة نفي أن المشركين كانوا يعبدون الله؟ الجواب: لا، بل فيها إثبات عبادة المشركين لله، لكن مع هذه العبادة ماذا؟ أنهم يعبدون مع الله غيره. وهذا ملحظ دقيق، كما قلنا لم يلتفت ولم ينتبه له عباد القبور. قال: وكانوا يقولون في تلبيتهم للحج: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. والحديث أصله بصحيح مسلم من حديث عبد الله بن عباس، ولكن بغير هذا اللفظ. فأصل الحديث صحيح. فانظر إلى عبارة المشركين الآن، هم يعبدون الله في هذا الحج، ولكن عبادتهم فيها شرك، لأنهم عبدوا الله وعبدوا من دون الله. فهم يلبون لمن يلبون لله: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. فأثبتوا العبودية لله، ومع ذلك أثبتوا العبودية لغير الله، فكان هذا من شركهم. وهذا مثال واحد في التلبية وفي الحج، وهكذا كذلك في سائر الأعمال الأخرى. إذن هم يعبدون الله، ليس لا يعبدون الله. فلو قال القائل في هذا الزمان: كيف تحكمون علينا بأننا فعلنا الشرك وأننا نقع في الشرك، ونحن نقول: لا إله إلا الله، ونحن نصلي، ونحن نصوم، ونحن نزكي، ونحن نحج؟ فيقال لهم: كذلك كان المشركون، كان المشركون يقولون: لا إله إلا الله، منهم من يقول: لا إله إلا الله، لكنه لم يطبقها. أي معنى ليس لفظ لا إله إلا الله، لكن معناه مثل هذه اللفظة: لبيك لا شريك لك، فلا شريك لك في الحقيقة لو نفذوها وطبقوها، فهي معنى لا إله إلا الله. هي معنى لا إله إلا الله، لكنهم ما أتوا بحقيقتها. وكذلك أنتم قلتم: لا إله إلا الله، ولم تأتوا بحقيقتها، وأنتم تصلون، وكان من المشركين من يصلي، أنتم تصومون، كان من المشركين من يصوم، أنتم تحجون، كان من المشركين من يحج، ولكن كانت هذه الصلوات وهذا الصيام وذلكم الحج فيه شرك، عبادة لله وعبادة لغير الله. وأنتم كذلك تخلطون هذه العبادات بعبادة لغير الله، فوقعتم في الشرك. فإذا ليس الشأن كل الشأن أن يعبد المرء ربه جل وعلا فقط دون النظر أنه عبد غير الله، لكن الشأن كل الشأن أن تعبد الله وحده، تفرده بالعبادة، هذا الذي ينفع. أما إذا عبدت الله وعبدت معه غيره، أفسد عليك عبادتك لغير الله، عبادتك لله حبطت هذه العبادة، كما قال سبحانه: ﴿ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾. إذن أثبت الله عز وجل لهم عمل، أو لم يثبت لهم عمل؟ أثبت لهم عمل، وأثبت لهم عبادة، ولكن أحبطها الله بسبب الشرك. قال رحمه الله تعالى: وكان يسمعهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعني ينكر عليهم هذه اللفظة. وفي لفظ المسلم: ويلكم قدي قدي، يعني قد قلتم شيئا شنيعا ينافي حقيقة التلبية. قال تعالى: ﴿أين شركاءكم الذين كنتم تزعمون﴾. وقال تعالى: ﴿قل ادعوا شركاءكم ثم كيدوني فلا تنظرون﴾. وهاتين الآيتين كما قال المؤلف: فنفس اتخاذ الشركاء إقرار بالله تعالى. ولم يعبدوا الأنداد بالخضوع لهم والتقرب بالنذور والنحر لهم إلا لاعتقادهم أنها تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم لديه. إذن شركهم كان من نوع شرك الوسائط، وهذا نوع من أنواع الشرك، ما كانوا يعتقدون أن هذه التي يعبدونها من دون الله أنها تملك التدبير وتملك الأمر وتعلم الغيب وتنفع وتضر، لا، بل كانوا يعتقدون أنها واسطة بينهم وبين الله. فيعبدون الله ويعبدون هذه الأصنام، وبهذا بطلت عبادتهم لله. كانت لهم عبادة لله، فبطلت. فإذن ينبغي أن يحذر المسلم أن يبطل عبادته لله بوقوعه بالشرك، لا يغتر لا يغتر بعبادته لله عز وجل، لأن هذه العبادة لله تبطل. وما يبطلها يبطلها الشرك بالله سبحانه، إذا أشرك بالله بطلت هذه العبادة، بطلت هذه العبادة وضاعت. وقدمنا إلى ما عملوا من عمل، أثبت الله عز وجل لهم ماذا؟ لهم عمل، فجعله هباء منثورا. يجعله الله عز وجل هباء منثورا، ما يستفيدون من عملهم شيء بسبب ماذا؟ بسبب الشرك. قال: فأرسل الله الرسل تأمر بترك عبادة كل ما سواه، وتبين أن هذا الاعتقاد الذي يعتقدونه في الأنداد باطل، وأن التقرب إليهم باطل، وأن ذلك لا يكون إلا لله وحده. وهذا هو توحيد العبادة. فقد كانوا مقررين كما عرفت في الأصل الرابع بتوحيد الربوبية، وهو أن الله هو الخالق وحده والرازق وحده. ومن هذا تعرف أن التوحيد الذي دعاكم إليه الرسل من أولهم وهو نوح عليه الصلاة والسلام إلى آخرهم وهو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فنوحا أول الرسل كما جاء وصح من حديث بن عباس أن أول الرحسل نوح عليه الصلاة والسلام. قال: إلى آخرهم هو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال تعالى: ﴿وخاتم النبيين﴾. قال: هو توحيد العبادة. ولذا تقول لهم الرسل: أن لا تعبدوا إلا الله، أن لا تعبدوا إلا الله، وتضمنت هذه الآية كغيرها من الآيات مسألتين: المسألة الأولى أن يعبد الله، والمسألة الثانية أن يفرد بالعبادة، ليس فقط أن يعبد، ولكن يعبد وماذا؟ ويفرد بالعبادة. ليس يعبد ويعبد معه غيره، لو عبد وعبد معه غيره، بطلة هذه العبادة. وهذا الذي فعله أكثر المشركين، فإن أكثر المشركين كانوا ممن يعبدون الله، ولكن عبدوا معه غيره، مثل قوم نوح، فإن قوم نوح إنما عبدوا: يغوث ويعوق ونسرا، لأنهم ظنوا أنهم يقربونهم إلى الله زلفا. كما جاء في أثر بن عباس الذي ذكره الإمام البخاري بصحيحه، وهو صحيح بمجموع طرقه، أن هؤلاء كانوا أناسا صالحين، فلما ماتوا، قال من في زمنهم: لو أنا صورنا صورهم، فننشط على العبادة. فلما مر الزمان، جاء من بعدهم، وزين لهم الشيطان أنهم ما صوروا هذه التصاوير إلا أنهم ينفعون ويقربون إلى الله. فعبدوهم من دون الله عز وجل، عبدوهم مع الله عز وجل. إذن هؤلاء قوم نوح كانوا يعبدون الله، كانوا يعبدون الله، ولكن لما عبدوا مع الله غيره، صاروا من المشركين. لما عبدوا مع الله غيره، صاروا من المشركين. فبالله علينا جميعا: ما هو الفرق بين من يعبد الصالحين ويجعلهم وسائط، وبين من يعبد القبور ويجعلها وسائط؟ اختلفت المسميات، والحقائق واحدة. اختلفت المسميات، والحقائق واحدة. فالحقيقة أن أولئك رجوا من تلك الصور وتلك المعبودات ما كان سببا لشركهم وكفرهم. وهكذا من أتى بعد هؤلاء إلى زماننا هذا، ممن اعتقد في القبور ما اعتقده أولئك في هؤلاء، فلا فرق بين أولئك وهؤلاء. قال رحمه الله تعالى: ولذا تقول لهم الرسل: أن لا تعبدوا إلا الله، اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. أي أن الله عز وجل أمر بذلك الرسل. وفي هاتين الآيتين إثبات أولا كما قلنا: عبادة الله، وثانيا أن يفرد الله بالعبادة، لا يعبد معه غيره. لأنه إذا وقع ذلك، فإن العبادة لغير الله تبطل عبادة الله. نكتب بهذا القدر، ونكتفي في درس اليوم، والحمد لله رب العالمين.