الدرس في شرح كتاب تطهير الإعتقاد 18، الدرس الثامن عشر : فيه (فإن قلت:هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه ... فقد أباح الله منه ما أباح لرسوله من المشركين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع مفهوم العذر بالجهل ويفصل بين المسائل الضرورية والمسائل الخفية في الدين. يُبين أن الجهل بالمسائل الضرورية لا يعذر به إذا كان الفرد يعيش بين المسلمين.
يناقش المقطع مفهوم الكفر الأصلي وحدود التكفير، ويفرق بين من لم يعرف الإسلام أصلاً ومن ارتد بعد إسلامه. يُوضح أن إقامة الحجة ضرورية قبل الحكم بالكفر.
يشرح المقطع كلام المؤلف حول كفر المرتدين وضرورة إقامة الحجة عليهم. يُبين أن الجهل يعذر به في بعض الحالات، وأن إقامة الحجة ضرورية قبل الجهاد أو الحكم بالكفر.
يناقش المقطع حكم من ينكر معلوما من الدين بالضرورة، ويشير إلى أن مثل هذا الفعل يعتبر كفرا إذا كان الفاعل يعلم به. يُبين أن الأصل في مثل هذه الحالات هو الكفر مع وجود استثناءات لبعض الحالات الخاصة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه "تطهير الاعتقاد": قال: إن قلت: هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه، قلت: قد صرح الفقهاء في كتب الفقه في باب الردة أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر وإن لم يقصد معناها. وهذا مما يحمل من كلام المؤلف رحمه الله تعالى على أنهم علموا بالتحريم، ولكن لم يقصدوا ولم يريدوا الكفر، ولم يدروا أن مآل فعلهم إلى الكفر، فيكون فعلهم كفرا. ولو كانوا لم يريدوا الكفر ولم يقصدوا الكفر ولم يدروا أنه يؤدي إلى الكفر، فإن ذلك ليس له اعتبار في الشرع. فما دام علموا أن هذا لا يجوز، فيترتب على ذلك حكمه. هذا هو الذي ينبغي أن يحمل من كلام المؤلف رحمه الله. فإن الأدل الدالة على إعذار الجاهلين كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. فإن من تلفظ بالكفر أو فعل الكفر وهو جاهل يُعذر، يُعذر أو مُخطئ فكذلك يُعذر. وأدلت ذلك كثيرة. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. وفي حديثي أبي هريرة في الصحيحين قصة الرجل الذي أمر أبناءه أن يحرقوه إذا هو مات وينتن بعضه في البر وبعضه في البحر في يوم ريح. فلما جمعه الله جل وعلا سأله عن ذلك، فقال: خشيتك يا رب. فقد قال في أول الحديث: لئن قدر علي ربي ليُعذبني عذابا لا يُعذب أحدا من العالمين. فهو شك في قدرة الله سبحانه وتعالى، والشك في قدرة الله كفر. فكيف أدخله الله جل وعلا الجنة؟ أجاب العلماء عن ذلك بأن هذا حمل أنه قال ذلك جهلا. وأجاب بعضهم بأن هذا مما لا يقع فيه الجهل، لكنه أخطأ من شدة الخوف، كما أن الرجل في حديث أنس في الصحيح أخطأ من شدة الفرح. قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. وهذه الكلمة كفر، لكنه قالها أخطأ من شدة الفرح، أخطأ من شدة الفرح حين رجعت ناقته التي عليها الطعام والشراب بعد أن ذهبت عنه ورأى الموت فإلى به يستفيق من نومه والناق فوق رأسه. فأخطأ من شدة الفرح فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. فتجاوز الله عنه في مثل هذا للخطأ. وكذلك ذاك للخطأ، أخطأ من شدة الخوف فغفل عن شيء ما يجهل مثله. فالخلاصة أن العذر بالجهل في المسائل الشرعية تنقسم إلى قسمين: شيء معلوم من الدين بالضرورة، فما كان معلوما من الدين بالضرورة لا يُعدر صاحبه به. ما كان معلوما من الدين بالضرورة لا يحتاج إلى إقامة حجة. فمن بلغه القرآن وبلغته سنة النبي عليه الصلاة والسلام ودين الله جل وعلا، فإنه قد قامت عليه الحجة. فلا يجوز لأحد أن يُنكر شرعية الصلاة ويقول مثلا بعد الدعوة إلى الاستتابة: أنا ما علمت أن هذا إنكاره كفر. فيقال: يكفي أن تعرف أن هذا من دين الإسلام وبلغك. ولا يصح من أحد أن يقول: أنا ما أعرف ولا أدري أن الصلاة مما أمر به، لأن هذا مما علم بالإضطرار. ما يجهل هذا أحد، أو أنكر أحد سورة الفاتحة، وهذا مما لا ينكره أحد إلا رجل حديث عهد بإسلام أو جاهل في بادية بعيدة. أما رجل يعيش بين أوساط المسلمين، فمثل هذا مما هو معلوم من الدين بالضرورة، لا يعدر صاحبه بجهل. وصنف آخر من المسائل ما قد يخفى حكمها على أصحابها، فمثل هذا تقام الحج فيه على أصحابه. من وقع منه الكفر سمي فعله كفرا، ولا يسمى الفاعل كافرا. سمي فعله كفرا وشركا وردة، لكن الفاعل لا يقال أنه كافر ولا مشرك ولا مرتد حتى تقوم عليه الحجة. وفعل هؤلاء الذي يفعلونه عباد القبور الذين عشار إليهم مؤلف رحمه الله، منه ما هو من القسم الأول، أي ما هو معلوم من الدين بالضرورة. فيكون بلوغ القرآن في مثله كافي في إقامة الحجة. ومنه ما هو من القسم الثاني، فيكون بذلك يحتاج إلى إقامة الحجة. وأكثر المسائل من القسم الثاني هي من الخفي، فيحمل كلامه على أحد هذين المعنيين الصحيحين. ويؤكده ما سيأتي من كلام مما يدل أن المؤلف رحمه الله تعالى يعذر بالجهل ويرى إقامة الحجة. لكن يحمل ذلك أن إقامة الحجة فيما يحتاج إلى إقامة حجة. فلو قال قائل: أن الولي الفلاني يحيي ويميت ويخلق ويرزق وهو الذي أرسل جبال وشق الأنهار وأجر البحار. فهل يحتاج مثل هذا أن تقام عليه الحجة؟ فيقال له: اتق الله، إنما يفعل ذلك الله سبحانه وتعالى وحده. الجواب: لا، مسلم عرف الإسلام قال هذه الكلمة فهو كافر مرتد، لأن هذا معلوم من الدين بالضرورة، ما يحتاج إلى إقامة حجة. الذي يقول مثل هذا ما يحتاج أن تقام عليه الحجة، هذا كافر مرتد، لا تصح صلاته ولا ذبيحته ولا نكاحه، وهو مرتد من المرتدين. أما من تلبس التبس عليه أمر في مسائل الدعاء أو الاستغاثة أو الشفاعة أو غير ذلك من المسائل الأخرى. فمثل هذا يحتاج أن تقوم عليه الحجة، وأن تبين له حكم هذه المسائل، وأنها من الشرك، ويميز له الصواب من الخطأ، والسنة من البدعة، والشرك من التوحيد. فأنا ننتبه لهذا. وأمر آخر سبق التنبيه عليه، وهو أن من علم بتحريم الشيء من علم بتحريم الشيء فوقع فيه، فإنه يقع في الكفر وإن لم يقصد الكفر. فلو علم إنسان أن السجود لغير الله لا يجوز، لكن ما علم أنه يؤدي إلى الكفر، فسجد لغير الله. وعلم أن الذبح لغير الله لا يجوز، ولا يدري أنه يدري أنه يؤدي إلى الكفر، فذبح لغير الله. فهنا نقول له: تب إلى الله، قد وقع منك ما هو كفر، قد وقع منك ما هو كفر. فكما قال المؤلف: أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر وإن لم يقصد معناها. يحمل إن لم يقصد الكفر، هو ما قصد الكفر لكن وقع في الكفر، ما دامت الكلمة كفر وهو يعلم تحريمها. بقي هل يكفر؟ الجواب: إن كانت من المسائل التي يكفي ما كان معلوم من الدين بالضرورة، ويكفي بلوغ الشرع بذلك في حكمه، فإن مثل ذلك يكفر به. وما كان من المسائل صفيا ويحتاج إلى قامة حجة، فإنه تقام عليه الحجة. هذا خلاصة ما يذكر في هذه العبارة الملتبسة التي اشتبهت على كثير من الناس، وصار الناس فيها طرفان ووسط. فربا بعضهم نسب الشيخ إلى أنه مفرط في التكفير، وهذا خطأ، والصواب التفصيل. وهذا الضم بمثل هذا الإمام رحمه الله. قال: وهذا دال على أنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام ولا ما هي التوحيد، وصاروا حينئذ كفارا كفرا أصليا. وهذا يؤكد أن كلامه رحمه الله يحمل على من فعل الكفر المعلوم من الدين بالضرورة أنه كفر، لأن فاعله أحد رجلين. فاعله أحد رجلين: إما رفعه ما عرف دين الإسلام ولا عرف الله ورسوله، فهو لم يدخل بدين الإسلام أصلا. ومثاله: رجل كان كافرا يظن أن هذه المخلوقات ليس لها مخلوق، ليس لها خالق، بل خلقت نفسها. كحال بعض الماديين الماديين العلمانيين في هذا الزمان، وهم من الدهرية الذين قد سبقوا بأمثالهم. أو رجل كان يعبد غير الله من الحجر أو البقر، ويظن أن تلك المخلوقات هي التي خلقت هذا العالم. ثم دخل في دين الإسلام، ولكن دخوله بدين الإسلام ما كان على معنى صحيح. فلم يبقى في ذهنه ولا في عقيدته أن الله وحده هو الخالق، هو الرازق، هو المدبر، هو الذي خلق المخلوقات جميعا، وهو الذي يستحق العبادة وحده. ما جاء هذا عنده. بل ربما بقي أن هذه المخلوقات خلقها الله وخلقها غير الله. خلقها الله وخلقها غير الله. هل هذا دخل في دين الإسلام؟ الجواب: هذا ما دخل في دين الإسلام. ولهذا قال: وصار حينئذ كفارا كفرا أصليا. لماذا؟ لأنه كما قال: على أنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام ولا ماهية التوحيد. ما عرفوا حقيقة الإسلام. من كان عندهم مثل هذا الاعتقاد، ولا ماهية التوحيد. وهم وإن دخلوا في الإسلام باللفظ، لكنهم لم يدخلوا به في الحقيقة. لم يدخلوا به في الحقيقة. وهنا تأتي مسألة وهي مسألة دقيقة خفية: هل يكفي في دخول الإسلام التلفظ بالشهادتين؟ أم لابد تصحيح العقيدة وتصحيح القول والعمل؟ الجواب: ابتداءا يصح للدخول في الإسلام التلفظ بالشهادتين، للأحاديث الكثيرة التي دلت على ذلك. كحديث أسامة في الصحيحين: أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله. وهذا يدل على أن التلفظ بلا إله إلا الله يدخل في دين الإسلام. يدخل في دين الإسلام. ثم بعد ذلك ينظر: إن كان هذا الذي تلفظ بلا إله إلا الله وشهادة أن محمد رسول الله، إن كان هذا الذي تلفظ بالشهادتين أتى بما يوافق الشهادتين قولا وفعلا واعتقادا، فهو المسلم المؤمن. وإن أتى ما ينافي ذلك، فهنا تقام عليه الحجة، ويبين له دين الإسلام الحق. فإن آمن وإلا فهو مرتد. فإن رجع وتاب وإلا فهو مرتد بعد ذلك. فإذا قول المؤلف رحمه الله: فصاروا حينئذ كفارا كفرا أصليا، باعتبار حقيقتهم، باعتبار حقيقتهم لا باعتبار ظاهرهم. ولكن باعتبار الحقيقة والأصل. والأمر الآخر أنهم قد يكونوا دخلوا بالإسلام وخرجوا منه بردة. ومثاله كما سبق المثال السابق: عرفوا معنى الإسلام تماما، فدخلوا فيه موحدين توحيد ربوبية وألوهية وأسماء وصفات، مقرين بألسنتهم وعقيدتهم وأفئدتهم وجوارحهم بما دل عليه معنى كلمتي التوحيد أو كلمة التوحيد الشهادتين. ثم بعد ذلك ضل منهم ما ينافي ذلك. لأن بعض الناس قد يدخله الشك بعد اليقين، وقد يدخله الشرك بعد التوحيد، وقد تأتي الردة بعد الإيمان. مثل الإنسان كان كما قلنا على أحد ذلك الحالين، ثم بعد ذلك لما دخل في دين الإسلام ضعف شيئا فشيئا بمخالطته أهل دينه الأول. وربما التبس عليه الأمر مرة أخرى، فمرض قلبه، فصار يشك. كحال بعض الفرس الذين ربما أسلموا ودخلوا بدين الإسلام، وعلموا أن دين الإسلام يدعو إلى توحيد الله وحده في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. فينفون معاني الربوبية والألوهية عن كل مخلوق، ويثبتونها لله جل وعلا وحده. فإذا خالطوا بعض أهل البدع والأهواء من غلاة الرافضة، دخل في قلوبهم تعظيم غير الله من آل البيت وأئمة الثنى عشرية. فصار في قلوبهم بعد ذلك لوثة، فرجع ما كان من عقيدتهم الفاسدة مرة أخرى. فصاروا ربما يثبتون لبعض المخلوقين ما هو لله، فيظنون أن غير الله يستطيع أن يخلق أو يرزق أو يحيي أو يميت أو غير ذلك. فمثل هذا ردة، مثل هذا ردة وكفر. وعلى كل الأمرين، فينبغي أن يحمل كلام المؤلف رحمه الله: أن هذا فيمن لم يعلم معنى هذه الكلمة من أصلها، فهو لم يدخل في دين الإسلام على المعنى الصحيح. وإن نقل بلسانه. أو يحمل على من علمها ثم تراجع عنها. بماذا؟ بفساد عقيدته بعد سلامتها. ولما كان كلام المؤلف رحمه الله مشتبه، نبه العلماء على هذه الكلمة، وأن ظاهره ليس بصحيح. ومن ذلك ما أجاب به الشيخ عبد اللطيف من عبد الرحمن آل الشيخ في رسالته "مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام". ويريد من اتهم الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله بأنه يكفر عموم المسلمين، كما هو معلق عندكم. فلأهمية ذلك ننبه عليه، ولأجل أن نعلق عليه بما يناسب. فقال رحمه الله: أما قوله: وجعل بلاد المسلمين كفارا أصليين، يعني أن شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب جعل بلاد المسلمين بلاد كفر. قال: فهذا كذب وبهد ما صدر، ولا قيل ولا أعرفه عن أحد من المسلمين، فضلا عن أهل العلم. بل كلهم مجمعون على أن بلاد المسلمين لها حكم الإسلام في كل زمان ومكان. وإنما تكلم الناس في بلاده المشركين الذين يعبدون الأنبياء والملائكة والصالحين. ويجعلونهم أندادا لله رب العالمين، أو يسندون إليهم التصرف والتدبير. كغلات القبوريين. فهؤلاء يعني الذين صدر منهم ما ينافي ما علم من الدين بالضرورة. قال: فهؤلاء تكلم الناس في كفرهم وشركهم وظلالهم. والمعروف المتفق عليه عند أهل العلم: أن من فعل ذلك ممن يأتي بالشهادتين، يحكم عليه بعد بلوغ الحجة بالكفر والردة. فإذا بلغته الحجة وأبى، فإنه يكفر. قال: ولم يجعلوا كافرا أصليا، يعني أنه لم يدخل بدين الإسلام. قال: وما رأيت ذلك لأحد سوى محمد بن إسماعيل في رسالته في تجريد التوحيد المسمى بـ "تطهير الاعتقاد". وعلل هذا القول. ويريد هذه العبارة التي مرت معنا حين قال: على أنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام ولا ما هي التوحيد، فصاروا حينئذ كفارا كفرا أصليا. قال: وما رأيت ذلك لأحد سوى محمد بن إسماعيل في رسالته بتجريد التوحيد المسمى بـ "تطهير الاعتقاد". وعلل هذا القول بأنهم لم يعرفوا ما دلت عليه كلمة الإخلاص، فلم يدخلوا بها في الإسلام، ما عدم العلم بمدلولها. وشيخنا محمد بن عبد الوهاب النجدي لا يوافقه على ذلك. انتهى كلامه رحمه الله. وهذا الكلام كما قلنا: لو كان على ظاهره لكان صحيحا، من أنه لا يوافق على هذه الكلمة، إذ لا يكون من وقع في الكفر كافرا كفرا أصليا، بل هو بعد إقامة الحجة يكون مرتدا. لكن كما قلنا: يحمل كلامه رحمه الله على أحد معنيين. ما هذان المعنيان؟ ها عند من؟ ها يا موسى. لا نريد هذا الأخير. فصاروا حينئذ كفارا كفرا أصليا. السؤال: قلنا أن كلام المؤلف رحمه الله ظاهره ليس بصحيح، أي أن من وقع منه ما هو كفر أو شرك يكون كفره كفرا أصليا. لكن يحمل على معنى صحيح بأحد وجهين. الوجه الأول: ماذا؟ لم يعرفوا حقيقة الإسلام، فهم دخلوا بلسانهم وما دخلوا على معنى الإسلام الصحيح. تلفظوا بالشهادتين ولم يكونوا على عقيدة الإسلام الصحيح. طيب وهل على هذا من تلفظ بالشهادتين يكون مرتدا وليس بمسلم حتى يكون على حقيقة الإسلام؟ نعم. إذن نقول: يكفي بدخوله بالإسلام التلفظ بالشهادتين، ولكن يطالب بعد تلفظه بالشهادتين بسائر خصال الإسلام الذي بها يصح أن يكون مسلما. فيكون كلام المؤلف رحمه الله باعتبار حقيقة الأمر لا باعتبار اللفظ الذي تلفظوا به، أي بالشهادة. واضح. فكفرهم كفر أصلي باعتبار حقيقة الأمر، أنهم ما دخلوا بدين الإسلام بقول صحيح، باعتبار حقيقة الأمر لا باعتبار ماذا؟ لا باعتبار ما تلفظوا به. وإلا في الشرع ما نكفرهم إلا بعد إقامة الحجة. وهذا الذي سيأتي بيانه فيما بعد من كلامه. طيب والوجه الثاني: هتيا أبو عبد الله. نعم. نعم. طيب الوجه الثاني: عند من أبو عبد الله. الوجه الثاني: أنهم دخلوا في الإسلام وعرفوا معنى الشهادتين، ثم ارتدوا. فيكون قوله: كفرهم كفرا أصليا، يعني كالكفر الأصلي. على ما كان عليه قبل كفره كفر أصلي. كالأصلي، يعني باعتبار أنه وقع بمثل كفر الكفار الأصليين. مثل غلاة الرافضة والباطنية. غلاة الرافضة والباطنية كفرهم شبه كفر الكفار الأصليين، وإن كان هو ردة، لكنه لأنه خرج إلى المسائل المعلومة من الدين بالضرورة، فشابه كفرهم كفر الكفار الأصليين. فيكون معناه على أحد هذه المعنيين. قال رحمه الله تعالى: فإن الله تعالى قد فرض على عباده إفراده بالعبادة، ألا تعبدوا إلا الله، وإخلاصها. وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين. ومعناه: المسلم المؤمن الذي يقرأ القرآن وبلغه دين الإسلام يعرف أن الله جل وعلا من أصول هذا الدين أمر بأن الله جل وعلا يوحد ويفرد بالعبادة. وهذا شيء مستفر عند كل من دخل بدين الإسلام. قال: ومن ناد الله ليلا أو نهارا أو سرا أو جهارا أو خوفا أو طمعا، ثم ناد معه غيره، فقد أشرك في العبادة. فإن الدعاء من العبادة، وقد سماه الله تعالى عبادة في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ بعد قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. أي هذا يدل على أن هذا النوع كفر، هذا التلفظ بهذا كفر، لأنه يجب أن تصرف العبادة ومنه الدعاء لله جل وعلا وحده. لكن مثل هذا قد يخفى على كثير من الناس، فليس كل من وقع في هذا النوع من الشرك يكون كافرا ومرتدا ومشركا بمجرد وقوعه. فنحن نفرق بين الفعل والفاعل. فالفعل كفر وشرك وردة، والفاعل لا يكون كافرا ومشركا ومرتدا حتى تقام عليه الحجة. قال رحمه الله: فإن قلت: فإذا كانوا مشركين وجب جهادهم، والسلوك فيهم ما سلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المشركين. يعني إذا ثبت أنهم مرتدين وأنهم كفار، فإذا يجب أن يجاهدوا. فأجاب رحمه الله ما معناه: أن نعم، لكن بعد أمور. قال: قلت إلى هذا ذهب طائفة من إمة العلم، يعني إلى هذا المعنى أنهم يجاهدوا، لكن بعد أمور. قال: فقالوا: يجب أولا دعاؤهم إلى التوحيد، وإبانة أن ما يعتقدونه لا ينفع ولا يضر ولا يغني عنهم من الله شيئا، وأنهم وأمثالهم، وأن هذا الاعتقاد منهم فيهم شرك، لا يتم الإيمان بمجاك فيه الرسل إلا بتركه والتوبة منه. وإفراد التوحيد اعتقادا وعملا لله تعالى. وفي هذا دلال صريحة ظاهرة واضحة أن المؤلف رحمه الله يُعذر بالجهل، فالمؤلف يُعذر بالجهل ويرى أنه لابد من إقامة الحجة. لابد من إقامة الحجة. ولهذا كان التفسير بما سبق لعباراته المشتبهة. وهكذا ينبغي أن يكون من علم عنه كلام مستقيم محكم، يعني واضح بين لا يحتمل غيره. وأُذر عنه كلمة أخرى مشتبهة تحتمل المعنى الصحيح ولو بشيء من التكلف وتحتمل المعنى الفاسد. فهنا ينبغي أن نحمله على المعنى الحسن الصحيح. وهذا من فضل الاستقامة. ولهذا صارت القاعدة: أن أهل الحق يحسن الضم بعباراتهم، وأهل الباطل يساء الضم بعباراتهم. قال رحمه الله: وهذا واجب على العلماء بيان أن ذلك الاعتقاد الذي تفرعت عنه النذور والنحائر والطواف بالقبور شرك محرم. وهذا تأكيد إلى أنه لابد من إقامة الحجة، وأن العلماء لابد عليهم أن يبينوا ذلك. قال: وأنه عين ما كان يفعله المشركون لأصنامهم. فإذا أبانته العلماء للأمة والملوك، وجب على الأمة والملوك بعد دعاة إلى إخلاص التوحيد. يعني بعد إقامة الحجة وانتشارها وبث العلم في المجتمع، فعند ذلك يبين للأمة والملوك أن مثل هذا مخالفته شرك. قال: فمن رجع وأقر، يعني بعد ما وقع منه من شرك، حقن عليه دمه وماله وذراره. ومن أصر، فقد أباح الله منه ما أباحه لرسوله صلى الله عليه وسلم من المشركين. وهذا كذلك تأكيد ثالث يدل أن المؤلف رحمه الله يرى إقامة الحجة على من وقع في الشرك، وأنه لا يكون مشركا إلا بعد إقامة الحجة وإصراره على ذلك. مشرك بل أعظم من ذلك، أن إصراره عليه ولو بالقتال، فمن أصر على الشرك ولو أن يقاتل عليه فهو مشرك. طيب نكتفي بهذا والله تعالى أعلم. طيب هذا يسأل: هل الجهل هو سبب الفتنة؟ أم أن الفتنة تطرى على العالم والجاهل؟ وهل تأتي الفتنة من قبل العالم أو من قبل الجاهل؟ تأتي من الاثنين. العالم إذا لم يبين أتت الفتنة وحصل الجهل. والجاهل إذا لم يتعلم ولم يسأل وأعرض عن العلم أتته كذلك الفتنة. ولهذا كان من أنواع الكفر كفر الإعراض. من أنواع الكفر كفر الإعراض، من يعرض عن تعلم دين الإسلام وعن سماع الحجة. يقول: ما بال الذي يسب الدين ويسب الرب؟ هل يحتاج أن تقام عليه الحجة؟ أم يكفر على ذلك مباشرة؟ يختلف. فإن كان جرى على لسانه من غير قصد لأنه كان رجلا سفيها سافلا ساقطا مرتدا يتلفظ بهذه الكلمة في جاهليته، ثم تاب الله عليه، ففي حالة غضب تلفظ بهذه الكلمة ولم يقصدها، فهذا لا يكفر. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: من حلف بالله والعزة فليقل: لا إله إلا الله. مع أن الحلف بالله والعزة كفر وردة. من حلف بالله والعزة لفظا ومعنا ظاهرا وباطنا كفر وارتد. لكن من حلف بها بلفظه لا بقلبه، خرجت بلسانه غلطا وسبق لسان وعلى عادة لسانه من قبل، فهنا علم النبي عليه الصلاة والسلام أن يقول: لا إله إلا الله. فكذلك من صدر منه ذلك من غير عقد في قلبه، فهو يقول: لا إله إلا الله. وأما من خرج من قلبه، فهو يكفر. فمثل هذا مما لا يخفى إلا أن يكون رجل بعيد في بادية بعيدة أو حديث عهد بإسلام أو نحو ذلك، فممكن مثل هذا يُعذر. والأصل أن مثل هذا معلوم من الدين بالضرورة، وفاعله مع العلم به يكفر. والله تعالى أعلم. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله.