شرح كتاب تطهير الإعتقاد 17

شرح كتاب تطهير الإعتقاد 17

الدرس في شرح كتاب تطهير الإعتقاد 17، الدرس السابع عشر : فيه (فإن قلت:أفيصير هؤلاء الذين يعتقدون في القبور ... نحن لا نشرك بالله شيئاً لأن فعلهم أكذب قولهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الشرك في اعتقاد القبور والأولياء ومقارنته بالشرك الأصلي

يناقش المقطع الشرك في اعتقاد القبور والأولياء، ويقارن بين شرك المشركين الأوائل وشرك عباد القبور، ويبين أن عباد القبور زادوا على المشركين الأوائل في الاعتقاد والانقياد والاستعباد. كما يرد على شبهة عباد القبور الذين يدعون أنهم لا يشركون بالله.

تحليل الشرك وعبادة غير الله وتوضيح مفهوم العبادة

يناقش المقطع مفهوم الشرك وعبادة غير الله، ويوضح أن الالتجاء إلى الأولياء والاعتقاد فيهم يعد شركًا، وأن التعظيم والذبح لغير الله هو أيضًا شرك. العبادة تتضمن التعظيم والخضوع والذل والمحبة.

توحيد الأسماء والصفات والإقرار به وأثره على التوحيد

المشركون كانوا يقرون ببعض أسماء الله وصفاته، لكن هذا الإقرار لم يكن كاملًا ولا يستلزم توحيدهم في الألوهية. أقسام التوحيد الثلاثة متلازمة ولا يمكن الفصل بينها.

خاتمة الدرس والإشارة إلى انتهاء الموضوع

المقطع يشير إلى انتهاء الحديث حول موضوع معين، مع الإشارة إلى أن العلم الكامل عند الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. قال الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه "تطهير الاعتقاد": فإن قلت: أفيصير هؤلاء الذين يعتقدون في القبور والأولياء والفساق مشركين كالذين يعتقدون في الأصنام؟ قلت: نعم، قد حصل فيهم ما حصل في أولئك، وساووهم في ذلك، بل زادوا عليهم في الاعتقاد والانقياد والاستعداد، فلا فرق بينهم. وأظن مر معنا الكلام على هذا المعنى، وعلمنا فيما سبق وجه المساواة ووجه الزيادة. فالمساواة أن أولئك كانوا يشركون في الرخاء، وهؤلاء يشركون في الرخاء. عباد القبور يشركون في الرخاء، وأولئك كان عباد الأصنام، ومن يعبد كذلك مشاهد بعض الموتى، لأن بعض الموتى جعلت لهم مشاهد، وجعلت لهم قبور. المشهد يعني العلامة، علامة مثلًا. فقد جاء في تفسيره أنه رجل صالح كان يلت السويق للحجاج، فلما مات عبدوه من دون الله سبحانه. فهذا كان موجودًا عند المشركين، وهو بعينه موجود عند عباد القبور. فأولئك يدعونهم من دون الله، وهؤلاء يدعونهم. أولئك يذبحون، وهؤلاء يذبحون. أولئك ينذرون، وهؤلاء ينذرون. أولئك يستغيثون، وهؤلاء يستغيثون. أولئك كذلك يعملون الزيارات والأعياد حولها، وهؤلاء يعملون الزيارات والأعياد حولها. ما في فرق، لا فرق بين شركهم وشركهم. وزاد هؤلاء -قال- بل زادوا عليهم في الاعتقاد والانقياد والاستعباد، فلا فرق بينهم. ومر معنا وجه الزيادة في الاعتقاد والانقياد والاستعباد. يعني حصل عندهم من الاعتقاد فيهم ما هو أعظم من أولئك. مثاله أنهم توجهوا إليهم في الشدة، وأولئك كانوا في الشدة يرجعون إلى الله سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: ﴿إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. وهؤلاء في الشدة يدعون غير الله، هذا يقول: "يا ابن علوان"، وذاك: "يا عيد روس"، وذاك: "يا جيلاني"، ونحو ذلك. وهكذا في الانقياد والاستعباد، مر معنا أن بعضهم جعل بعض خصائص الربوبية لبعض أولئك الذين هم من أصحاب القبور، فعبدوهم من دون الله، وجعلوا لهم بعض صفات الربوبية. بينما أولئك الذين هم المشركون الأولون، قال الله عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. فهم أقروا لله بالربوبية، وإن أشركوا في الألوهية، ولازمه الشرك كذلك في الربوبية. لكن المراد أنهم أقروا بأن الله هو الخالق، وهو الرازق، وهو المدبر. وأما عباد القبور فلا، صار عندهم من الاستعباد والانقياد. وكذلك سوء الظن بربهم، أن ظنوا أن الله جل وعلا له شريك في تدبير ملكه. ولهذا هم يؤمنون بالأقطاب، ومن هو القطب؟ القطب عندهم من يقوم بتدبير أمر الخلائق. ثم قسموا هذا التدبير، ثم اختلفوا في هؤلاء الأقطاب، من هؤلاء الأقطاب الذين يقومون بالتدبير. وهذا كله شرك يفوق شرك المشركين الأولين، ويزيد عليه. قال رحمه الله: فإن قلت: هؤلاء القبوريون يقولون: نحن لا نشرك بالله عز وجل، ولا نجعل له ندًا، والالتجاء إلى الأولياء والاعتقاد فيهم ليس بشرك. قلت: هذه شبهة يرددها بعض عباد القبور، يقولون: نحن لا نشرك بالله، ولا نجعل له ندًا، والالتجاء إلى الأولياء والاعتقاد فيهم ليس بشرك. قال قلت: نعم، يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، يعني ينطقون باللسان ما ليس في القلب. وما مثله إلا كمثل الكاذبين، وما أكثر الكاذبين. "سرقت يا هلان؟" ربما يقول: "والله ما سرقت"، ثم بعد ذلك يثبت أنه سارق. وهكذا كذلك من يسمي الشيء بغير اسمه. كما مر معنا: "شربت الخمر؟" قال: "لا، ما شربت الخمر، شربت مشروبات روحية". "مشروبات روحية". تعاملت بالربا؟ قال: "لا، ما تعاملت بالربا، استغفر الله، الربا حرام، ما يجوز". وماذا الذي فعلت؟ قال: "أخذنا فوائد بنكية". طيب، إيش هو الفوائد البنكية؟ هو الربا. والمشروبات الروحية هذه هو الخمر. فكذلك هؤلاء قالوا: "نحن ما وقعنا في الشرك". ماذا فعلتم؟ قالوا: "التجأنا إلى الأولياء، واعتقدنا في الأولياء، وهذا ليس بشرك". فيقال لهم: هذا هو عين الشرك. الالتجاء يكون إلى الله سبحانه وتعالى وحده، والاعتقاد يكون في الله سبحانه وتعالى وحده، فهو الذي ينفع، وهو الذي يضر، وهو الذي يملك كشف الضر سبحانه وتعالى، فلا يلتجأ إلا له سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: لكن هذا جهل منهم بمعنى الشرك. فإن تعظيمهم الأولياء، ونحر النحائر لهم شرك. ومر معنا أن التعظيم هو معنى من معاني المحبة، من معاني العبادة. فالتعظيم والمحبة والخضوع والذل هو معنى العبادة. لو قيل للإنسان: فسر لي ما معنى العبادة التي يتعبد بها الإنسان ربه، ما معناها؟ ليس أعمالها وأفعالها، لكن ما معناها؟ الجواب: معناها الذي تفرق به العادة من العبادة، أنما خرج على معنى التعظيم والخضوع والذل والمحبة. فهذا هو العبادة، كما قال ابن القيم: "عبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده، هما قطباني مع ذل عابده". هذا هو معنى العبادة، غاية الحب، وغاية الذل، وتضمن التعظيم والخضوع. فمن أتى إلى خشبة، واحتاج أن يمس هذه الخشبة، إما متعجب من شكلها، أو كذلك يقلبها، ينظرها، يريد شراءها. ما قلنا شيء، هذه عادة في البيع والشراء، وفي التعجب من الأشياء الجديدة الغريبة. لكن من جاء إلى خشبة يقلبها على وجه التعظيم والخضوع والذل والمحبة، صار هذا التقليب والمسح عبادة. وهكذا كذلك من وضع رأسه على الأرض، ربما الإنسان يضع رأسه على الأرض من التعب، يوجع رأسه، وهو مقعي جالس جلسة لقاء، فينكس رأسه، واضعًا رأسه على ركبته. هذه من بعض عوائد الناس أن الإنسان ينكس رأسه عند التعب. لكن آخر نكس رأسه، وأراد بهذا التنكيس التوجه إلى شيء معين على وجه الخضوع والذل والمحبة والتعظيم، صار هذا التنكيس عبادة، وسجود لغير الله سبحانه وتعالى. فإذا التعظيم إذا وقع على هذا الوجه صار عبادة. وهكذا نحر النحائر، كما مر معنا وسبق أن الذبح لغير الله بذكري أو بقصدي غير الله أعظم من الذبح باسم غير الله، وكلاهما شرك. كونك تذبح وتقول باسم المسيح، ليس هو في الجرم مثل أن تذبح وتقصد به المسيح، لأنك لو ذبحت أو سميت المسيح، وقصدت الله سبحانه وتعالى، كان شركك ليس في القصد. بخلاف ما إذا ذبحت وقصدت المسيح، فإذا كان شرك المشركين من النصارى يختلف، فكذلك شرك المشركين من ينتسب إلى الإسلام. ولا فرق، فليس بين الله وبين خلقه نسبًا ولا صهرًا، ما في محاباة. ليس يوجد في النصارى مشركين، ولا يوجد في المسلمين مشركين. لا يوجد، فمن أشرك من المسلمين فهو مشرك، ولو قال: "أنا مسلم". كما أن من أشرك من النصارى فهو مشرك، ولو قال: "أنا على دين المسيح"، ولو كان ذلك قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام. وأما بعد مبعث النبي عليه الصلاة والسلام، فحتى لو كان موحدًا، ما يكفيه توحيده حتى يتابع النبي عليه الصلاة والسلام، ويؤمن به. قال رحمه الله تعالى: والله تعالى يقول: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. وسبق الكلام على هذا. قال: أي لا لغيره، أي لا تنحر لغيره. قال: كما يفيده تقديم الظرف، أي الجار والمجرور. والقاعدة عند أهل العربية أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. الأصل: "فصل وانحر لربك"، لكن لما قال: "فصل لربك وانحر"، علم أن ذلك لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى وحده. ولاحظ، وهذه لفتة لطيفة. لاحظ أن الحصر حصل في النحر، ولم يحصل في الصلاة. قال بعض أهل العلم: لأن الصلاة لا يتوقع غالبًا حصول الشرك فيها، وأما النحر والذبح فيحصل الشرك فيه كثيرًا. فلهذا جاء بأسلوب الحصر "فصل لربك وانحر"، وإلا الأصل "فصل لربك وانحر لربك"، هكذا الأصل، لكن قدم ما حقه التأخير إفادة الحصر. قال: أي لا لغيري، كما يفيد تقديم الظرف. ويقول تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. أي لا أحد. وأحد نكرة في سياق النفي، فيفيد العموم. النكرة في سياق النفي تفيد العموم. لا أحد، لا ولي ولا نبي ولا ملك ولا صغير ولا كبير. قال: وقد عرفت بما قدمنا قريبًا أنه قد سمي الرياء شركًا، فكيف بما ذكرناه؟ إذا كان الرياء سمي شركًا، وحذر منه، فكيف بهذا الذي يفعل هؤلاء؟ قال: فهذا الذي يفعلونه هو عين ما فعله المشركون، وصاروا به مشركين. لأن المشركين من شركهم الذبح لغير الله، كما قال الله عز وجل عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهو إمام الموحدين: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. معناه ماذا؟ الظاهر أن الله جل وعلا وحد بهذه الأعمال والأفعال. ومعناه كذلك أن في ملة إبراهيم، وفي أهل إبراهيم، وقوم إبراهيم، من كان يشرك في صلاته، ومن كان يشرك في نسكه. فأمر الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يدعو أمته إلى توحيده في ذلك، توحيده سبحانه وحده. وهكذا كذلك في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام: «لعن الله من ذبح لغير الله». حديث صحيح، مسلم. وهذه الآية: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قال: فهذا الذي يفعلونه لأولياء، وعين ما فعله المشركون، وصاروا به مشركين. ولا ينفعه قوله: "أنا لا أشرك بالله شيئًا"، لأن فعله أكذب قوله. كذب الفعل القول. وكما مر معنا قريبًا: العذر بالحقائق لا بالإدعاء. نعم، إلى هنا والله تعالى أعلم. هذا سائل يقول: قول الله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ﴾. هل في هذه الآية دليل على أن المشركين كانوا يقرون بتوحيد الأسماء والصفات إذا قل؟ طيب، نعم، يقرون ببعض الأسماء والصفات. وانتبه لهذه اللفتة الدقيقة التي نبها لها عدد من أهل العلم، وهي أنه ينبغي أن تفرق بين قولك: "يقرون"، وبين قولك: "يوحدون". فهم يقرون، ولم يوحدوا، لأن التوحيد بأنواعه الثلاثة وأقسامه متلازم. أقسام التوحيد الثلاثة متلازمة، لا يمكن أن يكون إنسان موحدًا في الربوبية، وهو مشرك في الألوهية، أو موحد في الربوبية ومشرك في الألوهية، أو موحد بالأسماء والصفات ومشرك في الربوبية أو الألوهية. لماذا؟ لأن أقسام التوحيد الثلاثة متلازمة، يعني كل واحد يستلزم الآخر. لا يمكن أن يقع شرك في باب إلا وهو يستلزم وقوع الشرك في الأبواب الأخرى. فمثلًا كونهم يقرون أن الله هو الخالق والرازق، ويعبدوا غير الله، ويتوجهوا إلى غير الله، هذا منافي لإقرارهم. فحصل الشرك فيما وقع منهم فيه الشرك، وهو توحيد الألوهية، وفيما ظهر منهم الإقرار، فصار قولًا باللسان ليس له برهان في الواقع. والله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾. ومعنى: لأنه خلقكم، فاعبدوه، لا تعبدوا غيره. فإذن لا يكفي أن يقول الإنسان بلسانه: "الله هو الخالق"، ثم بفعله يتوجه بالعبادة لغير الله. لأن توجهه بالعبادة لغير الله ينافي إقراره بأن الله هو الخالق. ولهذا صارت أقسام التوحيد الثلاثة المتلازمة، كما نص عليها غير واحد من أهل العلم. وارجع إلى رسالة حافظ حكمي رحمه الله "مئتي سؤال في العقيدة"، فقد نص على هذه المسألة، وغيره من أهل العلم، وفي مواضع كثيرة للشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي هذا المعنى. طيب، فإذن من الخطأ أن تقول: إن المشركين وحدوا الله في الأسماء والصفات، لكن قل: أقروا في الأسماء والصفات، وليس كاملًا. لماذا؟ لأنهم أنكروا بعض مباحث الأسماء والصفات، كما مر معنا قريبًا في حديث صلح الحديبية، فإنهم أبوا على النبي عليه الصلاة والسلام أن يكتب "بسم الله الرحمن الرحيم"، فهم أنكروا هذه الأسماء، وقالوا: "نكتب باسمك اللهم". فهل هم إذن أقروا بجميع الأسماء والصفات؟ الجواب: لا. طيب، يقول السؤال الثاني: هل نقول في الطعام "بسم الله الرحمن الرحيم"؟ لا، الصواب أن تقول: "بسم الله" كما ورد به الدليل. طيب، إلى هنا والله تعالى أعلم.