شرح كتاب تطهير الإعتقاد 2

شرح كتاب تطهير الإعتقاد 2

الدرس في شرح كتاب تطهير الإعتقاد 2، الدرس الثاني : فيه ( وبعد فهذا تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد وجب علي ... وفي أنه لا يتم ايمان أحد حتى يعلمه ويحققه ) . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مسائل الاعتقاد والعذر بالجهل

يتحدث عن مسائل الاعتقاد والعذر بالجهل فيها وتفاوت الناس في العلم والإيمان. يبين حال الناس في الشرك في زمن المؤلف وخطورة اعتقادهم في أولياء يشاركون الله في الربوبية والألوهية.

أهمية أصول الدين ودور القرآن

يتناول تحليل الشرك عند المتأخرين وأهمية القرآن كأصل من أصول الدين. يؤكد أن كل ما في القرآن حق ولا يتم الإيمان إلا بالإقرار بذلك.

توحيد العبادة وتحقيق كلمة التوحيد

يشرح أهمية توحيد العبادة ودعوة الرسل إليه. يبين أن كلمة التوحيد لا تكفي مجرد قولها بل يجب تحقيقها بالعمل ويحذر من الشرك بالله وعبادة غيره.

دعوة الرسل إلى توحيد الإلهية

يشرح أن دعوة الرسل كانت إلى توحيد الله جل وعلا ويوضح أن المراد بالتوحيد هو توحيد الإلهية أو العبادة. يؤكد على أهمية هذا الأصل في فهم الدعوة الرسولية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. علينا عمّن سوى الناس، ولا يكتب عن الله، وعند الله لك، وعلى الله لك ذلك أن تتنعّم علما، والجمع والله، والإيمان بسم الله، والذي يكون العلم الذي أنزله الله يُنجيه بالإيمان والإيمان بسم الله، ويُنجيه محتجّ الله، ويُنجيه بسم الله. من أعظم العلم ما نتعلق بعقيدة المسلمين، وفي هذا الوقت أن الجميع على الأرض لا يُنجيه عليهم، ومن أولئك الجاهل الذي يحتاج إلى أن يُعلم، وهذا ظاهر من قوله رحمه الله: «وَتَعَيَّنَ عَلَيَّ تَرْصِيفُهُ وَجَبَ عَلَيَّ تَأْلِيفُهُ وَتَعَيَّنَ عَلَيَّ تَرْصِيفُهُ»، وَقَوْلِهِ: «فَوَجَبَ عَلَيَّ أَنْ أُنْكِرُ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ إِنْكَارُهُ»، فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ النَّاسَ بِهَذَا لَا يَسْتَوُونَ، فَمِنْهُمْ الْجَاهِلُ الَّذِي يَحْتَاجُ أَنْ يُعَلَّمُ. وتضمن ذلك العذر بالجهل في مسائل الاعتقاد، وأن مسائل العقيدة كغيرها من المسائل يُعذر فيها بالجهل إذا تحقق الجهل، ولم يكن الجهل جهل إعراض، فإنه يقع فيه العذر بالجهل، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، والله عز وجل لا يعذب أمة إلا وقد أرسل إليها رسوله ونذيره، ولم يبعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت، وإن من أمة إلا خلا فيها نذير، فهذه سنة الله جل وعلا، والحديث في السنة كثيرة في هذا المعنى. وتضمنت هذه الجمل كذلك بيان حال الناس في الشرك في زمن المؤلف رحمه الله، وأن شركهم كان على قسمين: شرك مع الأموات من أهل القبور، وشرك مع الأحياء. فأما الشرك الذي مع أهل القبور فسيأتي بيانه إن شاء الله، من صرف العبادة لها والتقرب عندها بالذبح والنذر والوقف وغير ذلك. وأما مع الأحياء فباعتقاد العلم بالمغيبات وملك النفع والضر وإمكان كشف الغيب ونحو ذلك مما لا يملك إلا الله جل وعلا. وفيه كذلك، بهذه العبارة، بيان أن شرك المشركين في زمن المؤلف رحمه الله أشد من شرك المشركين الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد نبه العلماء أن ذلك من ثلاثة أوجه. الوجه الأول: أن شرك المشركين الأولين كان في الرخاء، وأما في الشدة فإنهم كانوا يرجعون إلى الله جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. أما مشركو الأزمنة المتأخرة فإنهم يشركون في الشدة وفي الرخاء، يشركون بالله جل وعلا في الشدة والرخاء. تجد المرأة التي تتألم بألم المخاض بدل أن تقول: يا الله فرج كربتي، يا الله نفس وهون علي مصيبتي، تجدها تنادي غير الله جل وعلا، هذه تنادي بن علوان، وتلك تنادي المحضار، وأخرى تنادي العيدة الروس، وثالثة السيدة زينب، وهكذا. وهذا إن دل على شيء دل على أن شركهم أشد من شرك المشركين الأولين. وهكذا كذلك كان شرك المشركين الأولين في أناس صالحين وفي جمادات لا تعصي الله عز وجل، جعلوا الوسائط أناس صالحين من الأنبياء أو الملائكة أو أناس صالحين كاللات الذي كان يلد السويق، أو أشجار وأحجار ما عملت ذنوبا ولا معاصي. وأما مشركو الزمان المتأخر فإنهم عبدوا الصالحين والطالحين، بل عبادتهم للسحرة والمشعوذين والكهنة والعرافين وتاركي الصلاة والفجار الفساق أكثر من عبادتهم وشركهم في الصالحين. كما قال المؤلف رحمه الله: «وهو من أهل الفجور لا يحضر للمسلمين مسجدا ولا يرى لله راكعا ولا ساجدا ولا يعرف السنة ولا الكتاب ولا يهاب البعث ولا الحساب». لو تأملت في أحوال هؤلاء الذين يزعمون أنهم أولياء ويعبدونهم من دون الله، وجدت أكثرهم من أفجر الفجار، ما يصلي ولا يركع لله ركعة، ممن يتعامل بالسحر، ممن ينهب أموال الناس ويأخذها بالباطل، ممن يحتال على الناس في أعراضهم وأموالهم وأنفسهم، ممن يسفك الدماء، ممن يثير الفتن، ممن يمشي بالنميمة، ممن خلقه الكذب والخيانة والمكر، وغير ذلك من السوء والشر والفساد. وبعد هذا يزعم أن هذا ولي من أولياء الله يُعبد من دون الله عز وجل، والعياذ بالله. والخصلة الثالثة: أن المشركين الأولين كما نبه المؤلف في أول هذه المقدمة كانوا يقرون لله بالربوبية، وأما هؤلاء المتأخرون فشركهم في الربوبية وفي الألوهية، لم يكن شركهم في الألوهية فقط -يعني في العبادة- بل شركهم حتى في الربوبية، زعموا أن هناك من يسير الكون مع الله جل وعلا. يوجد في المسلمين -والعياذ بالله- من يعتقد أن هناك أربع أقطاب يساعدون الله في تسير هذا الكون، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. بل ربما بعضهم من يجعل لله ندا مضاهيا لله سبحانه في صفاته وأفعاله، وهذا شرك في ماذا؟ شرك في الربوبية، شرك في الربوبية. يوجد في بعض غلاة الرافضة من يعتقد أن علي هو الله، تعالى الله عن قولهم. ويوجد فيهم من يعتقد أنه هو الذي شق الأنهار ونصب الجبال وخلق جميع المخلوقات. هل هذا الشرك قد وقع فيه مشركو العرب والمشركون في زمن النبي عليه الصلاة والسلام؟ ما أحد منهم بلغ من الكفر والشرك هذا المبلغ، ما كان أحد منهم يقول أن اللات والعزة شقّت الأنهار وخلقت البحار ونصبت الجبال أو أنها هي الله، ما أحد قال هذا. لكن المشركون المتأخرون وجد فيهم من يقول هذا. قال رحمه الله: «فاعلم أنها هنا أصولا هي من قواعد الدين ومن أهم ما تجب معرفته على الموحدين». وهذا بيان من المؤلف رحمه الله أن هذا الدين قد دل بما فيه من أدلة على أصول وقواعد هي من أهم ما تجب معرفته على من طلب التوحيد. وسيدكر رحمه الله تعالى في هذه الأصول الآتية شيء من ذلك. قال رحمه الله تعالى: «الأصل الأول: كل ما في القرآن حق». قال: إنه قد علم من ضرورة الدين أن كل ما في القرآن فهو حق لا باطل، وصدق لا كذب، وهدى لا ضلالة، وعلم لا جهالة، ويقين لا شك فيه. فهذا الأصل أصل لا يتم إسلام أحد ولا إيمانه إلا بالإقرار به، وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه. ويريد بذلك رحمه الله أن يبين أن هذا القرآن فيه ما يحتاجه الناس في دينهم ودنياهم، وأن ما ذكر فيه فهو الحق، وما حذر منه فهو الباطل. والقرآن دل على السنة، فليس المقصود القرآن حسب، بل القرآن وما دل عليه، فالقرآن دل على السنة كما قال ربنا جل وعلا عن نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، فكما أن القرآن حق فالسنة كذلك حق بنص القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾. وأما القرآن فأدلة الأمر بالالتزام بما فيه كثيرة، «إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم»، «يا أيها الناس قد جاءكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين»، ونحو ذلك من الآيات الكثيرة التي فيها هذا المعنى. فإذا تكرر هذا الأصل تكرر المصدر الذي به يعرف الحق من الباطل. فأراد المؤلف رحمه الله أن يوحد مصدر التلقي، والتلقي لأنه إذا استقر هذا في فؤاد المسلم، عند ذلك يسهل معرفة الحق من الباطل. وأما إذا صار هناك مصدر آخر غير القرآن يضاد به القرآن، فعند ذلك تلتبس الحقائق. مثل عباد القبور إذا أتيتهم بآية من كتاب الله عارضوك بأقوال أئمتهم وكتب مذهبهم، مع أن هذا لا يتحمل معارضة القرآن، ولا يتحمل كذلك أن يكون مضادا للقرآن، فكيف إذا علم أن ما فيه من الباطل موجب لتركه والتحذير منه؟ قال رحمه الله تعالى: «الأصل الثاني: الرسل بعثوا للدعوة إلى توحيد الله بتوحيد العبادة». يقول: إن رسل الله وأنبياءهم من أولهم إلى آخرهم بعثوا لدعوة العباد إلى توحيد الله بتوحيد العبادة، فكل رسول أول ما يقرع به: «لا تعبدوا إلا الله»، «أن يعبدوا الله واتقوه وأطيعون»، وهذا هو الذي تضمنه قول «لا إله إلا الله»، فإنما دعت الرسل أممها إلى قول هذه الكلمة واعتقاد معناها، لا مجرد قولها باللسان. وهذا الذي جهله الكثير من المتأخرين، فوقعوا بالشرك، ظنوا أن قول المسلم «لا إله إلا الله» يغنيه من الشرك، مع أن المقصود ليس القول فقط، المقصود هو القول والعمل معا. قال: «فإنما دعمت الرسل أممها إلى قول هذه الكلمة واعتقاد معناها، لا مجرد قولها باللسان»، ومعناها هو إفراد الله بالإلهية والعبادة، إذ معن «لا إله إلا الله»: أي لا معبود بحق إلا الله. قال: «والنفي لما يُعبد من دونه، والبراءة منه». وهذا الأصل لا مرية فيما تضمنه، ولا شك فيه، وفي أنه لا يتم إيمان أحد حتى يعلمه ويحققه. هذا الواجب: أن الإنسان يجتهد في تحقيق هذه الكلمة، أي: لا معبود بحق إلا الله، يحقق ذلك بجوارحه كلها، ظاهره وباطنه، وكل ما كان معنا من معاني العبادة يُصرف لله عز وجل، ولا يُصرف لغيره، يُصرف لله، ولا يُصرف لغيره. ولما تهم هذه الكلمة المشركون، أبوا أن يستجيبوا للأنبياء والرسل، ولو كانوا يعلمون ما ظنه المتأخرون من أن المقصود من الكلمة هو قول اللسان، لما بالوا ولقالوها، لأن ذلك لا يضرهم. لكن علموا أن معناها ترك ما هم عليه، كما قال سبحانه عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. ولهذا تعجب من المتأخرين كيف يقولون «لا إله إلا الله»، ثم بعد ذلك يصرفون العبادة لغير الله، إذا كان يعتقد أنه لا إله أي لا معبود بحق إلا الله، فلماذا يأتي إلى القبر ويطلب منه الشفاء، ويطلب منه العافية، ويطلب منه المدد بحصول الخير أو دفع السوء والمكروه؟ أليست هذه العبادة؟ أليس هذا الشرك الذي حذر ربنا جل وعلا، والذي كان يفعله المشركون في زمن النبي عليه الصلاة والسلام؟ فإن المشركين في زمن النبي عليه الصلاة والسلام ما كانوا يعبدون الأصنام فقط، بل كانوا يعبدون الأصنام، وكانوا يعبدون الأشجار، وكانوا يعبدون القبور، قبور الأنبياء والصالحين، من ذلك قبر رجل كان يلد السويق لأهل مكة. وحذرنا ربنا جل وعلا من ذلك، وزجرهم ونهاهم عن ذلك، «أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى»، فأنكر ربنا جل وعلا عليهم فعل ذلك. كان منهم من يعبد الأنبياء، من يعبد الأنبياء، «وقالت اليهود عزير بن الله»، «وقالت النصارى المسيح بن الله»، كانوا يعبدون الأنبياء، كانوا يعبدون الصالحين، كانوا يعبدون الأشجار والأحجار. فإذا لا فرق بين عبادة أولئك للأنبياء والصالحين والأشجار والأحجار والشمس والقمر، وبين عبادة من عبد القبور من المتأخرين. فإن قال قائل: أولئك كانوا يسجدون، وهؤلاء ما يسجدون؟ فالجواب: العبادة لا تنحصر في السجود، مع أن أولئك منهم من كان يسجد، ومنهم من كان لا يسجد، كما أن هؤلاء المتأخرين منهم من يسجد لهذه القبور، ومنهم من لا يسجد. وليست العبادة محصورة في السجود، بل العبادة كما مر معنا: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. فالحب والخوف من العبادة، والذبح والنذر من العبادة، والدعاء من العبادة. وهذا يفعل في هذا الزمان، في زمن المؤلف رحمه الله، مع هذه القبور التي تعبد من دون الله، وهو يفعل كذلك مع تلك القبور التي كانت تعبد من دون الله، إذن لا فرق في ذلك. فأراد المؤلف رحمه الله في هذا الأصل الثاني أن يبين أن دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام كانت إلى توحيد الله جل وعلا، والمراد بالتوحيد ليس توحيد ربوبية، وإن كان هو من التوحيد، ولكن المراد بالتوحيد توحيد الإلهية، توحيد العبادة، وهذا هو الذي حصل فيه الافتراق بين الرسل وبين أممهم الذين خالفوهم. طيب نكتفي بهذا الأصل، ونتم إن شاء الله في درس اللاحق، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.