الدرس في القواعد والأصول الجامعة 84، الدرس الثالث والثمانون : من : ( القاعدة الخامسة والأربعون ... وكذلك العتيق والموقوف عليه والله أعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
القاعدة تنص على جواز أخذ الحق من مال الغير بدون إذنه إذا كان سبب الحق ظاهرا وامتنع أو تعذر استئذانه. يشرح الشيخ عبد الله بن عمر هذه القاعدة مستندا إلى قول الشيخ السعدي ويضرب أمثلة عليها.
يشرح المقطع حالات يجوز فيها أخذ المال بالمعروف مثل نفقة الزوجة والأبناء وإكرام الضيف. التأكيد على أن هذا الأخذ يكون بالمعروف وبحسب العرف الشرعي والعرفي.
لا يجوز لصاحب الحق أخذ مال المدين بغير إذنه إذا امتنع المدين من الوفاء لأن ذلك يعتبر خيانة. يجب على صاحب الحق الرجوع إلى القضاء لاسترداد حقه.
يدل على أن أصول الشريعة تتضمن تفصيلا وتفريقا بين الصور المختلفة وأن الأدلة الشرعية تفسر هذا التفريق. ينتقل بعدها إلى درس آخر.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ أبي عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: القاعدة السادسة والأربعون. قال: «من له الحق على الغير وكان سبب الحق ظاهرا فله الأخذ من ماله بقدر حقه إذا امتنع أو تعذر استئذانه، وإن كان السبب خفيا فليس له ذلك». أقرأ الكلام. طيب، هذه زيادة في نسخة أخرى، تتمة للقاعدة التي قبلها، القاعدة هذه وهي القاعدة الخامسة والأربعون. طيب، الزيادة وهي قوله بعد قوله: «وكذلك الوقف». قال: «والفرق بين الوقف والهبة، حيث يشترط بالهبة القبول من الموهوب له، لأن الهبة تبرع لشخص معين، والوقف يعم؛ لأنه وإن كان وقفا على معين فإنه يعمه ويعم من يأتي من بعده من البطون أو الجهاد». وللشفيع الأخذ بالشفعة ولو لم يرض المشتري. ويعلم هذا معنى الذي ذكرناه ومر معنا. ويريد أن يقول: إن الوقف والهبة بينهما فرق؛ فالهبة يشترط فيها القبول من الموهوب له، لأن الهبة تبرع لشخص معين، وأما الوقف فهو عام؛ إذا لم يرض هذا الفقير، فعندنا فقير آخر. هذا الفرق، كأنه يقول: هذا عطاء لإنسان مخصص وذات عطاء لوصف، إن رفض زيد فهناك عمر وخالد وصالح أو زيد آخر ونحو ذلك. طيب، قلنا إن هذه القاعدة السادسة والأربعون ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى ليبين رحمه الله الفرق بين أخذ الحقوق؛ لأنه لما ذكر في القاعدة التي قبلها الرضا وعدمه في الفسخ، ناسب كذلك أن يذكر الرضا وعدمه في مسألة الأخذ. فلما كان هنا كذلك ينظر فيه إلى الرضا، ناسب أن يذكر هذه القاعدة مع هذه القاعدة أو بعدها. قال رحمه الله: «من له الحق على الغير وكان سبب الحق ظاهرا فله الأخذ من ماله بقدر حقه إذا امتنع». والأصل في هذا هو قصة امرأة أبي سفيان، فإنها شكت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قلة نفقتها من زوجها، فأمرها أن تأخذ ما يكفيها وولدها بالمعروف، والحديث مشهور. فصار هذا الحديث أصل على القاعدة: أن الشرع لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع؛ فما كان حلالا يلحقه ما كان مثله فهو حلال، وما كان حراما فيلحقه مثله فهو كذلك حرام؛ فالطيب يلحق بالطيب والخبيث يلحق بالخبيث وهكذا. قال رحمه الله تعالى: قال للأول أمثلة منها. ومعنى للأول هذا الذي ذكرناه الآن. قال: منها إذا امتنع الزوج من النفقة الواجبة على زوجته، فلها الأخذ من ماله بمقدار نفقتها ونفقة أولادها الصغار، وهذا الذي ورد به الدليل. وكذلك من وجبت عليه نفقة قريبه كذلك؛ وجبت نفقة على قريب، ولا أحد ينفق عليه إلا ذلك القريب، فله أن يأخذ ما يكفيه بالمعروف، مثل ولد يتيم عند عمه مثلا لا ينفق عليه هذا العم، فيسأل: هل لي أن آخذ ما يكفيني من طعام بدون إذن؟ نعم. أو ابنه ضعيفة عند عمها يتيمة أو غير يتيمة، ولا يوجد من يقوم عليها إلا هذا العم، فلها أن تأخذ ما يكفيها بالمعروف. والمعروف المراد به العرف الشرعي من عدم الظلم والإسراف والتبذير، والعرف العرفي الذي يدخل فيه الحد والقدر الذي به تكون النفقة. فمثلا امرأة عندها أبناء وزوجها عنده مال ويقصر في نفقة الأبناء، فهي لها أن تأخذ ما يكفيها مع ولدها بالمعروف. كم هذا الذي يكفيها مع ولدها بالمعروف؟ مثلا تنظر إلى عرف هذه الأسرة، كم تكون نفقة الأسرة تقريبا؟ مثلا كم تعطى للأولاد كما يقال للعصرية؟ نفقة الأسرة مثلا لا تزيد عن خمسين ريالا، فإذا كان كذلك فهي لا تزيد عن هذا حول الخمسين، تعطي كذلك بقدر كم تأخذ ما يكفيها وولدها في نفقتها في الطعام والشراب. تستطيع أن تأخذ كثيرا على حساب ماذا؟ هذا الحديث: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». إذن كل يوم لحم وكل يوم تفاح وأنواع الفواكه وعصيرات من أغلى العصيرات، هل هذا يصح؟ «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»، لا كذلك. إذا تقشفت زيادة بأن لم تأخذ ما كان من عرف هذه الأسرة، فهو تقصير في حق ولدها. فالوسط أن تأخذ ما هو في عرف هذه الأسرة؛ كان في عرف هذه الأسرة أن اللحم يؤكل مرة في الأسبوع، إذن هي تأخذ اللحم مرة في الأسبوع. كان في عرف هذه الأسرة أن السمك هو المعتاد، إذن السمك يكون هو المعتاد وهكذا. «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». قال رحمه الله تعالى: ونفقة أولادها الصغار كذلك. الزوجة إذا كان عندها أبناء صغار لا ينفق عليهم الزوج. بعض الأزواج ربما يكون عنده ظلم، إما ظلم في ميل لأحد الزوجات أو عنده غفلة، وكذلك انشغال بنفسه، إما أنه مفتون بدنيا أو نحو ذلك، فهي تأخذ ما يكفيها وأبنائها بالمعروف. قال: وكذلك من وجبت عليه نفقة قريبه. وكذلك الضيف لم ينع من نزل به من قراه؛ يعني من يجب أن يضيفه ويكرمه، فله الأخذ من ماله بمقدار حقه. ضيف نزل على قوم فقصروا معه، ما أعطوه شيء. لو كان غنيا يستعفف ويذهب ويطعم نفسه من أي مكان. فإن كان فقيرا وجاء عند هؤلاء وهو يظن أن هؤلاء سيكرمونه لما بينه وبينهم من حق ومعرفة، فله أن يأخذ ما يكفيه بالمعروف، يأخذ ما يكفيه بالمعروف لا يزيد. كما أنه له الحق ألا يبخص نفسه. قال: «فله الأخذ من ماله بمقدار حقه»، وجبة عشاء وجبة غداء أو نحو ذلك. قال: لأن أخذهم في هذه الأحوال لا ينسبوا إلى خيانة. لماذا لا ينسب إلى خيانة؟ لأن هذا واجب، واجب شرعا وعرفا؛ واجب شرعا وعرفا. شرعا أوجب الله عز وجل على الزوج أن ينفق على زوجته وأبنائه، وهكذا كذلك أمر الشرع بإكرام الضيف. وعرفا كذلك العرف يقضي بتأدية هذه الحقوق. فإذا فعل أحد هؤلاء كالزوجة تأخذ من مال زوجها، ما يكون عليك ذلك بأس لا في الشرع ولا في العرف، ويتوصف بخيانة. وهكذا كذلك الضيف الذي يأتي ويترك ويهمل، وليس عنده ما ينفق على نفسه، فوجد طعاما أكل منه بغير استئذان ومشى، أو دخل المزرعة وأكل ما يكفيه ومشى، لا ينسب إلى خيانة أبدا لا في الشرع ولا في العرف. قال: ومثال الثاني -يعني إذا كان الحق خفيا فإنه لا يجوز له أن يأخذ- قال: ومثال الثاني من له دين على آخر من قرض أو ثمن مبيع أو قيمة متلف أو غيرها من الحقوق التي تخفى. ومعنى تخفى أي تخفى على الناس، تخفى على الناس وممكن يحصل به التكاذب، كل منهما يكذب الآخر، وكل منهما كذلك يجحد الآخر. فما دام الأمر فيه خفاء، فلا يجوز له أن يأخذ بغير إذن. قال: فهذا إذا امتنع المطلوب من الوفاء، فليس لصاحب الحق الأخذ من ماله بغير إذنه؛ لأنه وإن كان له حق لكنه في هذه الحال ينسب إلى خيانة. من أخذ مال ممن لم يسدد الدين بغير إذنه فإنه سيتهم بالسرقة، ولا يمكن أن يعدر بأن يقال: أن يقول للناس أو يقال للناس: هذا عليه دين ولم يسدد، ونحن أتينا في الليل وقفزنا إلى بيته وأخذنا من ماله ومشينا، هل يصح مثل هذا؟ ما يصح. أو كذلك يأخذ من ماله خفية بحضوره أو بغيابه، فكل ذلك من الخيانة التي قد يتهم بها، فهو خفي حقه خفي، فلا يجوز له أن يأخذ إلا بالطريق الصحيح. فإن لم يسدد فليس له إلا القضاء، يرجع إلى القضاء. قال: فهذا إذا امتنع المطلوب من الوفاء، فليس لصاحب الحق الأخذ من ماله بغير إذنه. لماذا؟ لأنه خرج بإذن، إذن يرجع بإذن. كيف خرج منه المال لما استدان منه؟ خرج بماذا؟ بإذن. إذن يرجع المال بإذن، يرجع المال بإذن. كيف خرج ثمن المبيع؟ بإذن. إذن يرجع المال كذلك بإذن. وهكذا كذلك سائر ما هو بهذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: لأنه وإن كان له حق لكنه في هذه الحال ينسى بالخيانة. وفيه أيضا سد لباب الشر والفساد كما هو معروف. وباب الشر والفساد هو تنابز الناس بالتهم، وفتح باب كذلك أن يتسلط الناس بعضهم على بعض بهذا الادعاء. قد يأتي القوي ويأخذ من الضعيف المال، فإذا قيل له: مالك؟ قال: لي عنده دين. أو كذلك يدعي أن له ثمن مبيع قبل كذا كذا سنة لم يسدد. وهذا كله من الادعاء، وفتح هذا الباب فتح باب شر. قال رحمه الله تعالى: لحديث: «أدّي الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». والحديث رواه أبو داود والترمذي والحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهو حديث حسن. «أدّي الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك»: من عملت بخيانة فلا تعامله أنت كذلك بخيانة. فمثلا أخذ إنسان منك دين ثم لم يرد هذا الدين، لا تقل: أنا سأستوفي منه بطريقة أخرى بأن يأخذ منه بسرقة أو بحيلة أو نحو ذلك، لا، لا يجوز. خذها منه بإذنه كما أخذ منك بإذنك. ومن هذا الباب ما يفعله بعض الناس من التحايل على الحكومات بزعم منهم أن الحكومة ظالمته، فهذا يتحايل في الكهرباء، وهذا يتحايل في الماء، وهذا يتحايل في العقار وغير ذلك من أنواع الحيل، وهذا لا يجوز. يدخل في عموم قوله عليه الصلاة والسلام: «ولا تخن من خانك». لو قدر أنك ظلمت، فليس معنى ذلك أن تأخذه بهذه الطريق، فإن هذا يوضعك وينزلك منزلة الخائن. قال: وهذا القول المتوسط بين قول من أجاز ذلك مطلقا -يعني في الصورتين- ومن منع مطلقا -يعني في الصورتين- قال: هو مذهب الإمام أحمد -يعني التوسط على هذا التفصيل- قال: وهو أصح الأقوال، وهو الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة الموافقة لأصول الشريعة وحكمها. فأصول الشريعة وحكمها تدل على مثل هذا التفصيل وهذا التفريق؛ فالدليل الأول والدليل الثاني لا يفسر تفريق بين صورتيهما إلا على هذا التفصيل. والله تعالى أعلم. في شيء بهذا. طيب ننتقل إلى الدرس الآخر ما تيسر.