الدرس في القواعد والأصول الجامعة 100، الدرس المائة : من : (وأما إذا أقر المكلف الرشيد على نفسه بمال ... ما خلفه من أعيان وديون وحقوق ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تحدث الشيخ عن شروط الإقرار وذكر ستة شروط لها، ثم شرح ترتيب المقتضى على إقرار المكلف الرشيد. كما أشار إلى خلاف حول جواز التراجع عن الإقرار مستدلًا بقصة ماعز.
إذا كان الإقرار يتعلق بحقوق شخصية خاصة أو حق لله تعالى، فإن التراجع عنه مقبول. أما إذا كان يتعلق بحقوق الآخرين، فلا يقبل التراجع إلا إذا كان هناك مبرر صحيح مثل الإكراه أو الخطأ في الفهم.
الوارث ينتقل إليه مال مورثه ويتحمل ديونه وحقوقه، وتثبت له حقوق مورثه المالية وغير المالية. يمكن للورثة أخذ حق مورثهم أو العفو عنه، مع تفاوت آراء أهل العلم في بعض التفاصيل.
يشرح المقطع تفاوت أحكام الحدود والقصاص في حالة العفو، حيث يبقى حد القذف على من لم يعفوا إذا عفا أحدهم، بينما يسقط القصاص في القتل بعفو أحدهم وتخيير الباقين بين العفو والدية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. طيب، وقفنا بالأمس فيما قرأنا فيه من قاعدة «لا عذر لمن أقر»، وكان مما أخذناه أن الإقرار من أقوى البينات، ومع ذلك ليس ما ذكره المؤلف رحمه الله من القاعدة في الإقرار «لا عذر لمن أقر» على إطلاقه. ولهذا ذكر العلماء لإقرار شروطًا، وإن كان بعضها فيه خلاف، لكن الصحيح أنها لها وجه، ولو في بعض الصور. وقد مرت معنا ستة شروط. من يذكر بعض هذه الشروط؟ نعم، من يذكر بعضها؟ ما تيسر. آتي، يا نعيم. العقل، البلوغ، عدم الإكراه، أن يكون ما أقر به ليس مبهمًا، معينًا، أن يقر على شيء معين يبين هذا الشيء، ما يكون فيه لبس، فربما يقر بالزنا وهو ما زنى. نعم، ما يفهم ما معنى الزنا في الشرع. نعم، أن لا يكون محجورًا عليه. السادس: عدم التهمة. نعم، عدم التهمة، فإن كان هناك مظنة التهمة فلا يؤخذ بهذا الإقرار. طيب، قال رحمه الله تعالى: «وذلك أن الإقرار أقوى البينات، وكل بينة غيره، فإنه يحتمل خطأها، وسبق توضيح ذلك». قال: «وأما إذا قرر المكلف الرشيد على نفسه بمال أو حق من الحقوق، فقوله... إذا قرر المكلف ذكر في هذا شرط العقل والبلوغ، وقوله الرشيد خرج بذلك كل ما ينافي الرشد من معنى المحجور عليه والمكره والمجبور، وهكذا كذلك من تصرف على وجه التهمة، أو كان كذلك في شيء مبهم لا يعرف حقيقته». وكان بكلام المؤلف، وليس بصريح، لكن معنى الشروط الستة. قال: «وأما إذا قرر المكلف الرشيد على نفسه بمال أو حق من الحقوق، ترتب على إقراره مقتضى، فإن كان مالًا لزمه ذاك المال، وإن كان كذلك قذف أو أي شيء آخر يوجب حدًا أو قصاصًا فيلزمه ذلك». قال: «ترتب على إقراره مقتضى»، يعني ما يلزم، حتى ولو قال: «كذبت أو نسيت أو غلطت»، يعني لا يقبل منه بعد ذلك؛ لأن الإنسان قد يكذب نفسه فيما بعد حين يرى عقوبة، وكذلك شدة ما يترتب على اعترافه. وهذه المسألة فيها خلاف، ومبنى الخلاف ما ورد من أجلة في هذا الباب. فثبت في بعض الروايات قصة ماعز أنه رجع، أراد أن يرجع بعد أن حس بألم رمي الحجارة، فما تركه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقتلوه، رموه بالحجارة حتى قتل. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «لو أنكم تركتموه». فاستدل بعض أهل العلم بهذه اللغة أن للمقر له التراجع عن إقراره. وهكذا كذلك يسقط عنه ما يترتب على هذا الإقرار. ولكن هذا ليس بصريح، وإنما قد يستفاد منه أن الحقوق التي لا يترتب عليها اعتداء على الآخرين -يعني الحقوق الشخصية الخاصة- وما كان فيه من حق لله، إذا تراجع المقر فيه فإنه يقبل منه تراجعه. وما كان فيه من حق عليه للآخرين -للمخلوقين- فإنه لا يقبل منه تراجعه، ما دام أن هناك لم يكن هناك ما يبرر هذا التراجع. وبهذا التفصيل يكون الجمع بين الأدلة، والله تعالى أعلم. فإذا كان إنسان اعترف على نفسه بشيء من الذنوب والمعاصي الذي توجد حدًا أو تعزيرًا، وليس فيه حق من حقوق المخلوقين، فلو تراجع فأمره إلى الله سبحانه وتعالى. تراجع في إقراره أمره إلى الله سبحانه وتعالى، ولم يشهد عليه أحد، جاء فأقر بنفسه، فتراجع عن إقراره له ذلك. وأما إذا كان في حق من حقوق المخلوقين، فاعترف على نفسه، فلا يجوز تراجعه، إلا أن يأتي بمبرر صحيح. من هذا المبرر أن يقول: «أنا ما أقررت إلا بإكراه، أنا ما أقررت من قرارة نفسي، أقررت بإكراه، أكرهت على هذا الإقرار»، فيقبل منه التراجع بهذا الإقرار. أو كذلك يقول: «غلطت، ظننت أن معنى الزنا كذا، فما فهمت أن معنى الزنا على المعنى الذي ذكرتموه»، ونحو ذلك. قال رحمه الله تعالى: «لأنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما أقضي بنحو مما أسمع»، والحديث مشهور، حديث أم سلمة في الصحيحين». ووجه الدلالة منه أراد أن يستدل به رحمه الله تعالى بأن النبي صلى الله عليه وسلم يقضي بما يسمع، ومعنى أن من أقر فهو مما سمع منه، فيقضى عليه بما سمع منه. وهذا دليل عام. ورد في الدليل الخاص ما يدل على التفصيل الذي سمعنا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «لو أنكم تركتموه» -يعني حين أراد أن يرجع وطلب أن يترك في ذلك- ويكون الجواب عن هذا التفصيل الذي سمعنا، والله تعالى أعلم. قال رحمه الله: «ومسائل الإقرار الكثيرة ترجع إلى هذا الأصل». وقوله: «مسائل الإقرار الكثيرة»، يعني من الإقرار فيما يتعلق بحقوق المخلوقين، أو فيما يتعلق بحقوق النفس، أو بما يتعلق بحق من حق الله، أو غير ذلك من الأبواب، سواء أكان في البيوع، أو كان في كذلك النكاح، أو كان في القصاص أو الحدود، أو غير ذلك، أو الجنايات، أو غير ذلك من الأبواب الكثيرة. فما كان من إقرار، فالأصل فيه هذا: أن الإقرار أقوى البينات، الإقرار أقوى البينات، لكن بالشروط التي سمعنا. طيب، في شيء في هذا؟ طيب، نأخذ من القاعدة التي بعدها ما تيسر. قال رحمه الله تعالى: «القاعدة السادسة والخمسون». قال: «يقوم الوارث مقام مورثه في كل شيء». وقيام الوارث مقام مورثه في كل شيء؛ لأنه مالك، والمالك جعل الشرع له حق التصرف والانتفاع، وهكذا كذلك؛ لأنه منتفع، وله مثل الذي عليه، فعليه مثل الذي له، كما أنه ينتفع بالمال، فكذلك يتحمل ما كان على الميت من ديون ونحوها، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى. وأدلة ذلك عمومات الأدلة، وكل مسألة لها دليلها الخاص، إما بشيء من العموم، أو بدليل خاص في عين المسألة. قال رحمه الله تعالى: «لأنه لما مات الميت وانتقل ماله إلى ورثته، وهو ما خلفه من أعيان أو ديون أو حقوق، فالوارث يترك لمن بعده من ورثته، إما أعيان». وهذه الأعيان مثل عقار وأملاك، دواب ونحوها، أو سيارات، أو ديون يترك ديونًا. وهذه الديون إما له، وإما عليه، كما أن الأعيان إما له، وإما عليه. وهكذا حقوق، إما له، وإما عليه. وبعضهم يقول: الحقوق بالنسبة للميت تنقسم إلى قسمين: حق له، وحق عليه. فأما الحق الذي هو له، فهو ينقسم كذلك إلى قسمين: إما حقوق مالية، أو ما كان بمعناها، وإما حقوق ليست مالية. فأما الحقوق التي ليست بمالية، فهي كذلك تنقسم إلى قسمين: منها ما هو من حقوق المالكين، وليست في نفسها حقوقًا مالية، كالقصاص والقذف وما كان بمعناه. فالأصل العموم، فتثبت للورثة -يعني هو حق للورثة- حق للورثة. هذا بالنسبة للميت كان يقذف الميت، فالورثة حكمهم كحكم الميت. الميت إذا كان حي له الحق أن يعفو، وله الحق أن يأخذ بحقه بحكم الشرع فيمن قذفه إذا ثبتت البينة على هذا القادر، أو كذلك إن كان اعتدي على الميت بنوع من اعتداء يوجب التعزير أو القصاص، فهو بالخيار إما أن يأخذ حقه، وإما أن يعفو. فكذلك الورثة من بعده لهم الحق أن يأخذوا بحق ميتهم، كأن يكون رجل مثلا اعتدي عليه -إما بقذف أو بضرب مثلا- ثم حصل له ما كان به الوفاء بغير تلك القضية، فينتقل الحق من الميت إلى ورثته، كما أن الميت مخير بين العفو وبين أخذ حقه، فكذلك الورثة من بعده. وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، وسيأتي إن شاء الله ذكر ذلك، لكن لما كان ذكرها منثورًا ذكر على هذا التنسيق لأجل أن يضبط ويحفظ. فتنقسم الحقوق -قلنا- إلى قسمين: حقوق للميت، وحقوق على الميت. وهذه الحقوق التي للميت منها ما هي حقوق مالية، أو ما كان بمعناها، أو حقوق ليست بمالية. فالحقوق التي ليست بمالية منها ما كان من حقوق المالكين -يعني جميعًا- ما يدخله للجميع، مثل القصاص والقدف ونحوه. وهذا الذي يدخله للجميع منه ما يكون إسقاط البعض لا يسقط الحق، بل يبقى الحق للآخرين. ومنه ما يكون إسقاط البعض يسقط الحق وينتقل إلى غيره. فمثلًا في مسألة القذف وما كان بمعناه -كما ذكر- فهو حق ثبت لجميع الورثة، فإن عفى بعض الورثة ثبت الحق للباقين. مثلا عنده ثلاثة أبناء، ليس له ورثة إلا هم، فعفا أحد الأبناء الثلاثة في حد القذف، ولم يعفُ البقية، فيبقى الحد يبقى الحد على القول الصحيح. بخلاف القتل -القصاص في القتل- لو عفى أحد هؤلاء الثلاثة لم يجب القصاص في القتل، بل يبقى البقية لو عفى واحد يبقى الاثنان: إما العفو، وإما الدية. وسيأتي إن شاء الله الإشارة إليها فيما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى. طيب، نقل هنا، ونكمل إن شاء الله الباقي في درس اللاحق، والله تعالى أعلم.