تفسير سورة الواقعة من تفسير الجلالين 9

تفسير سورة الواقعة من تفسير الجلالين 9

الدرس في تفسير سورة الواقعة من تفسير الجلالين 9، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وصف عذاب أهل النار وطعامهم

يصف عذاب أهل النار وطعامهم من شجرة الزقوم، ويشرح معنى الضالين المكذبين وأسباب عذابهم. يُوضح أن شجرة الزقوم من أخبث الأشجار في النار وطعام لأهلها.

شرح تفاصيل طعام أهل النار

شرح معنى الزقوم وطعام أهل النار، حيث يأكلون من شجرة الزقوم الخبيثة ويشربون الحميم لتلطيف حر هذا الطعام، مما يزيد في عذابهم. يفسر قوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ ومعناها.

تفسير آيات العذاب وخاتمة

يفسر قوله تعالى: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ بأن النزل هو الضيافة المقدمة لأهل النار يوم القيامة. يشير إلى أن الله تعالى هو الأعلم ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾. قال المفسر رحمه الله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ﴾، «الضالون المكذبون» المراد بالضالين أصحاب الشمال، فإن من أسباب كونهم في النار وكونهم من أهل الشمال أنهم كانوا على صفاتٍ كثيرة تستوجب دخول النار، ومن هذه الصفات الضلال في أعمالهم وعقائدهم وأقوالهم وسائر ما كانوا عليه، والمكذبون هو من الضلال، ولكنه من عطفي الخاص على العام تنبيهًا إلى أهميته، فهو مثل «حافظوا على الصلاة والصلاة الوسطى»، فالتكذيب من الضلال، ولكن خصه الله عز وجل بالذكر لعظيم جرمه وكذلك أثره؛ لأنهم لم يضلوا فقط، بل كذبوا وعاندوا وآذوا، كل هذا يستوجب عذابًا عظيمًا، ولهذا جاء هذا العذاب الأخص الذي هو ليس لكل أهل النار -على الصحيح- ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾. ذكر الله عز وجل هذه الشجرة في عدة مواضع في القرآن، ولكن لمن تأمل الآيات التي ذكرت فيها هذه الشجرة فإنه يجد أنها لأخص أهل النار عذابًا وعقابًا، وهم الذين يكونون في قعرها، فأصل هذه الشجرة كما جاء في آيات أخرى تنبت في أصل الجحيم، ومعناه أنها لمنزلت أشد الناس عذابًا وعقابًا. ووصف الله عز وجل هذه الشجرة في أوصافه، من ذلك أن رؤوسها كأنه رؤوس الشياطين، فهي قبيحة المنظر، قبيحة المنبت، والنار -على ما فيها من أصناف العذاب والعقاب وأصناف كذلك النيران والجحيم- إلا أن الله عز وجل جعل فيها أنهارًا وأشجارًا، هي من خصائص النار، فالنار لا يوجد مثلها في الدنيا، الدنيا لا تكون النار إلا محرقة، ولا يبقى فيها شيء حي، وأما نار الآخرة فالله عز وجل جعل -بعظيم قدرته- فيها من الأنهار والأشجار ما ينبت ويكبر ويكون طعامًا وشرابًا لأهل النار، أعاذنا الله وإياكم والسامعين من عذابها ونارها. ومن ذلك هذه الشجرة العظيمة التي وصفت بعدة أوصاف، وهي -كما جاء عن ابن عباس- «الشجرة الملعونة في القرآن»، فهي أخبث الشجرة في النار، وهي التي توعد بها أبا جهل، والزقوم هذا وصف للشجرة، ومعناه أن هناك أشجار كثيرة؛ لأن «شجر» نكرة في سياق الإثبات، وهذا يدل على وجود أنواع من الأشجار في نار جهنم، ومن أخبثها وأشدها شجر الزقوم الذي سمعنا بعض وصفها. وأصل معنى الزقوم هو ما يؤكل من الطعام مختلطًا، ولهذا جاء عن ابن عباس بإسناد صحيح أن أبا جهل -لما نزلت هذه الآيات في ذكر الشجرة الملعونة وشجرة الزقوم وأنها طعام الأثيم- قال لظئرانه: «يؤتون بتمر وزبد نتزقمه»، زعم محمد أن نطعم من شجر الزقوم. ومعناه أن لفظ التزقم هو الطعام المختلط يابسه برطبه، إذا اختلط الطعام اليابس والرطب، سمي تزقمًا، وتشبهه عبارة عندنا إذا أكل الإنسان الخبز بالإدام، إيش نقول؟ «سكع سكع»، يعني تأخذ من الرطب مع اليابس، وهكذا الزقوم، التزقم هو أخذ اليابس بالرطب. ولهذا جاء عن أبي جهل أنه قال: «يؤتون بالزبد وتمر نتزقمه»، يعني يأخذ الزبد -وتعرفون الزبد الذي يخرج من الحليب قبل أو في أحد مراحله- يخرج الحليب، ويخرج السمن، ويخرج الزبد، ويخرج كذلك من الزبد أو في أحد مراحله الأقط، قبل أن يجفف، فالأقط قبل أن يجفف هو الزبد المختلط ببعض البقايا بعد إخراج السمن، هذا الزبد كان العرب -ولا يزالون إلى اليوم في البادية- يأكلونه مع التمر، يأخذون التمر ويغرفون من هذا الزبد فيرطبون شدة التمر بهذا الزبد. وهذا معناه أن شجر الزقوم شجر يختلط فيه اليابس والرطب، ولهذا جاء أنه يختلط فيه من عصارة أهل النار، فهو طعام خبيث، وشجرة خبيثة، وأصلها في أصل الجحيم، وجعلها الله عز وجل لأخبث أهل النار عذابًا وعقابًا. ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾، أي من هذا الشجر البطون، وجاء في وصفهم في آيات أخرى، وهكذا ما صحت به السنة، أنهم يأكلون ولا يشبعون، ويجعل الله عز وجل لهم جوعًا عظيمًا، حتى أنهم لا يصبرون حتى عن أكل النار -مع علمهم أنهم يعذبون به-. قد يقول القائل: كيف يمكن هذا؟ الجواب: هذا ممكن، ويوجد نظيره في الدنيا، في الدنيا إذا جاع الإنسان أو عطش العطش الشديد ربما أكل أخبث الأشياء، واسألوا من جرب حياة الضرورة، يضطر الإنسان أن يشرب بوله، كيف يشرب البول؟ يتجرعه تجرعًا؛ لأنه في عطش شديد يكاد يموت من شدة العطش، فلا يجد بدًا أن يشرب أي شيء ولو كان ماذا؟ بولًا، ولو كان بولًا يشرب البول فيتجرعه تجرعًا ليطفئ العطش الذي به. وهكذا من شدة الجوع قد يأكل الإنسان لحاء الشجر، كما وقع للصحابة من شدة الجوع، ما يجد الإنسان ما يسكت جوعه إلا أن يأكل ما هو أمامه، ولهذا في وقت الضرورة يستطيع الإنسان أن يأكل الميتة، لكن في غير الضرورة ما يستطيع، لو اقترب من الميتة تهوع، وماذا؟ وانسدت نفسه في الأكل. وهكذا الشجر، من يتصور أنه يستطيع أوراق الشجر يأكلها أو لحاء الشجر؟ ما يتصور، لكن مع شدة الجوع اضطر الإنسان أن يأكل لحاء الشجر وأوراق الشجر، بل يأكل الإنسان التراب من شدة الجوع، قد يأكل الإنسان التراب. وهكذا أهل النار -عاذنا الله وإياكم والسامعين منها ومن عذابها- فمن شدة الجوع الذي يصابون به يأكلون من هذه النار فتحرق جوفهم ويعادون من جديد، وهكذا يستمر العذاب. وقوله سبحانه: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾، هذه الشجرة شجرة خبيثة، ومن شدة خبثها أنهم حين يأكلون منها يعذبون بهذا الأكل، فيضطرون أن يبلوا ريقهم بشيء يشربون، مع شدة العطش، فيبللون أكلهم بالحميم، وهو عصارة أهل النار، فيشربون لأجل هذا الأكل ولأجل العطش الشديد الذي معهم، فلا يزدادون إلا ماذا؟ عذابًا فوق عذابهم، عاذنا الله وإياكم والسامعين من ذلك. وقوله: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾، وفي قراءة سبعية -كما ترون في كتب التفسير- قراءة عن الكسائي وابن كثير وابن عامر بالفتح، وبقية السبعة في الضم، فقرئ: «فشاربون شُرْب الهيم» وقرئ: «فشاربون شَرْب الهيم»، والفرق بين الفتح والضم أن الضم للفعل، والشرب بالفتح للمفعول، فيكون هذا وصف للمشروب، وصف كذلك للشرب، «فشاربون شرب الهيم» أي يشربون كما يشرب الهيم. وما هو الهيم؟ قال المفسر رحمه الله: «الإبل العطاش جمع هيمان للذكر وهيمانة للأنثى، كعطشان وعطشة»، والصحيح أن الهيم الإبل العطشة المريضة، ليست الإبل العطشة فقط. وأصل شرب الإبل هو عبء يعبأ عبءًا، يعني يشرب بشراهة، وغير تنفس، أصل شرب الإبل شرب عظيم، لو أتيت بالبرميل تشربه الناقة في لحظات، هو بنفس واحد، بنفس واحد، لو عندك يعني إناء زجاجيًا تنظر كيف تشرب الإبل، ادع لها إناء مرتفعًا وانظر من أسفل وانظر إلى فمها إذا دخل في الإناء كيف تشرب، الفم مفتوح ولا ينغلق، فقط تحركه وهو مفتوح وتعبأ الماء دون نفس. وإذا كانت عطشة فتزداد شراهتها في شرب الماء، وإذا كانت مريضة بداء الهيم -أي داء الإبل العطشة- أشد العطش إذا أصيبت الإبل بهذا الداء فإنها تشرب ولا تنقطع حتى تموت، فيكون نهايتها الموت، ولذلك يمنعونها من الماء حتى لا تموت، فالهيم هو داء يصيب الإبل، والسبب أنها تصاب بنوع من العطش يجعلها تشرب شربًا عظيمًا بوصف خاص تقتل نفسها به. وهذا هو الوصف الذي وصف الله عز وجل به شرب أهل النار، أعاذنا الله وإياكم والسامعين من ذلك، فمعناه أنهم من شدة عطشهم وما يصابون من أكل الزقوم يشربون شرب الإبل المريضة بهذا الداء شربًا عظيمًا، ومعناه حالة ووصف وصور الإبل، تعرفون بلاغة القرآن. وعلى القراءة الأخرى بالفتح «شَرْب الهيم» يعني المشروب يكون كثيرًا عظيمًا كمشروب الهيم الذي تشربه، فهذا لكمية وعظمة المشروب، وذاك لكيفيته وصفته، وكلاهما متعلق بالهيم وهي الإبل العطشة المريضة، والإبل العطشة المريضة -كما تقدم- تشرب ماء كثيرًا عظيمًا حتى تقتل نفسها به. وقوله سبحانه: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾، قال رحمه الله: «ما أعد لهم»، النزل هو الضيافة، ومعناه هذه هي ضيافة أهل النار، هذا الطعام وهذا الشراب، أعاذنا الله وإياكم والسامعين من ذلك، يوم الدين أي يوم القيامة، فهذا يوم عظيم يجعل الله عز وجل فيه أمورًا عظيمة، ومن ذلك هذا الذي هو قليل من كثير مما وصف الله عز وجل به أهل النار، أعاذنا الله وإياكم والسامعين من ذلك. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فما زلنا في هذه الآيات العظيمات من هذه السورة -سورة الواقعة- وفي ذكر الصنف الثالث وحالهم، وهم أهل النار، أهل الشمال، أعاذنا الله وإياكم منها والسامعين. والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.