تفسير سورة الواقعة من تفسير الجلالين 7

تفسير سورة الواقعة من تفسير الجلالين 7

الدرس في تفسير سورة الواقعة من تفسير الجلالين 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحوال أصحاب الشمال يوم القيامة وتوصيف عذابهم

يصف أحوال أصحاب الشمال يوم القيامة وعذابهم في النار، حيث يأخذون كتابهم بشمالهم ويعانون من سموم وحميم وظل من يحموم. كانوا في الدنيا مترفين ويصرون على الذنوب العظيمة.

تفاصيل عذاب نار الآخرة وظلها

يشرح تفاصيل عذاب نار الآخرة وظلها، حيث تكون النار أشد حرارة بسبعين ضعفًا من نار الدنيا، وظلها دخان شديد السواد والحرارة لا يبعث على البرودة أو الراحة.

معنى الترف والإصرار على الذنوب وعقوبتهما

يفسر معنى الترف والإصرار على الذنوب في القرآن الكريم، ويبين أن كفران النعمة والبطر بها هو سبب العقوبة، وأن الإصرار على الذنوب العظيمة هو سمة الكفار والفجار.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأصحاب الشمال، ما أصحاب الشمال؟ في سموم وحميم، وظل من يحموم، لا بارد ولا كريم. إنهم كانوا قبل ذلك مترفين، وكانوا يصرون على الحنث العظيم. قال المفسر رحمه الله: وأصحاب الشمال، ما أصحاب الشمال؟ في سموم ريح حارة من النار تنفذ في المسام، وحميم ماء شديد الحرارة، وظل من يحموم دخان شديد السواد، لا بارد كغيره من الظلال، ولا كريم حسن المنظر. إنهم كانوا قبل ذلك في الدنيا مترفين منعّمين، لا يتعبون في الطاعة، وكانوا يصرون على الحنث الذنب العظيم، أي الشر. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. هذه آيات كذلك في هذه السورة العظيمة عن أحوال الناس يوم القيامة، وعن القسم الثالث من الأقسام الثلاثة الذين ذكرهم الله عز وجل في هذه السورة، وهم أصحاب الشمال. وقد تقدم معنا أنهم سموا بهذا الوصف لأجل كونهم يأخذون كتابهم بشمالهم، وهكذا كذلك ما سبق من صفاتهم. وقوله سبحانه: «ما أصحاب الشمال؟» تقدم معنا أنه استفهام فيه معنى التخويف، وكذلك التهديد، كأنه يقول سبحانه: وما أدراك ما يلاقونه يوم القيامة؟ ثم ذكر بعض أحوالهم كما ذكر البعض الآخر في مواضع أخرى في هذه السورة، وفي غيرها من السور الأخرى. فقال: «في سموم»، قال المفسر ورحمه الله: ريح حارة من النار تنفذ من المسام. وهذان معنيان في معنى السموم. وقد ذكر المفسرون معاني كثيرة، أشهرها ما ذكر هنا من هذين المعنيين. سميت سمومًا لشدة حرارتها، فإنها تسم الجلود، أي تحرقها من شدة حرارتها، ولأنها كذلك تدخل إلى مسام الجلد، فهو مأخوذ من حرارة، ومن كذلك المسام، وهي الريح التي تأتي من نار جهنم، أعاذنا الله وإياكم السامعين منها ومن عذابها. وقال: «وحميم»، قال رحمه الله: ماء شديد الحرارة. وتقدم معنا أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فالحميم أشد وأعظم من أن يكون ماء، بل هو عصارة ما يكون في النار. فماء أهل النار هو عصارة أهل النار، ففيه ما يكون من الحجارة والماء وما اختلط معها من الأجسام، وكل ذلك في حرارة شديدة عظيمة. فضلت نار الآخرة عن نار الدنيا بسبعين ضعف، حتى قال الصحابة رضي الله عنهم: إنها لكافية، يعني نار الدنيا تصهر الحجارة والحديد، فهي كافية في العذاب، لكن الله عز وجل ضاعفها أعظم من ذلك، فهي أعظم من ذلك بسبعين ضعفًا. وقال: «وظل من يحموم»، قال المفسر رحمه الله: دخان شديد السواد. وهذا كذلك تفسير ببعض المعنى، فاختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فليحموم مأخوذ من لفظ الحميم من حميم النار، فالدخان هو نار محرقة، ولكنه دخان، إذا كان دخان نار البراكين بالدنيا، فيها من معاني الإحراق ما يجعل ما يأتي عليه رمادًا من شدة حرارة هذه النار، نار البراكين، وهي دخان يكون فيها من السواد ما يجعل ظلًا، وهذا في الدنيا، فكيف بنار الآخرة التي فضلت على نار الدنيا بسبعين ضعفًا؟ أعاذنا الله وإياكم السامعين من عذابها وما فيها. فيقول سبحانه: «وظل من يحموم»، ولفظ ظل معناه أنه ملازم، أي ظل يلازم أهله. وهذا الظل نار، حتى الظل هو نار. وهذا هو قوله: دخان شديد السواد يحتاج أن يضيف شديد الحرارة، محرق، حتى الظل محرق. وقوله سبحانه: «لا بارد ولا كريم»، أي ليس كظل الدنيا. هذا هو قوله رحمه الله، أي مفسر: كغيره من الظلال. الظل في الدنيا يكون فيه شيء من البرودة، فهناك ضد الظل الحرور، الحرور هو المكان الذي تقع عليه آثار ضياء الشمس، والغالب أن المكان الذي تضربه الشمس يكون حارًا، والمكان الذي فيه ظل ولا تصل إليه أشعة الشمس يكون باردًا. لكن ظل أهل النار حرارته أشد من أشد ما يكون من حرارة ما في الدنيا. وقد مر معنا في الحديث: فضلت على أنها بسبعين ضعفًا. قال: «ولا كريم حسن المنظر»، يعني ليس كظل الدنيا. فظل الدنيا فيه إكرام لمن يستظل به، الذي يهرب من الحرور ويأتي تحت الظل يكون فيه إكرام. ولذلك إذا صار الظل قليلًا وصار في القوم كبار وصغار، فيجعلون الكبير في الظل، والشباب يقولون: تحملوا الشمس. إذن أكرموا ماذا؟ الكبير أكرموه ووضعوه في الظل. عندنا نساء ورجال وظل صغير، يضعون النساء في الظل إكرامًا لهن والضعفاء من الأطفال ونحوهم، فصار الظل فيه إكرام. هذا ظل الدنيا، أما ظل أهل النار فليس فيه إلا العذاب والنار كذلك. وهذا هو قوله سبحانه من باب التأكيد على عظيم ما فيها من عذاب: «لا بارد ولا كريم»، أعذنا الله وإياكم السامعين منها. وقوله سبحانه: «إنهم كانوا قبل ذلك» قال: في الدنيا مترفين، قال: منعّمين، لا يتعبون في الطاعة. ولا شك أن لفظ مترفين غير منعمين، فهو مبنى مختلف، فمعناه مختلف. فمترفين فيه معنى الإسراف والبطر في النعم، وهذا حال الكفار والفجار غالبًا أنهم يبطرون بما يعطيهم الله عز وجل من النعم، فيقابلهم الله عز وجل يوم القيامة بعذاب مضاعف. ولذلك يكون هناك فرق بين الفقير من الكفار والفجار وبين الغني من الكفار والفجار، فإن عذاب الأغنياء من الكفار والفجار أعظم من عذاب الفقراء؛ لأن عندهم من كفران النعم والبطر بها وما كان عليه من الترف ما يوجب هذه المضاعفة. ولهذا ذكر هذا الوصف: «إنهم كانوا قبل ذلك مترفين»، فليس الترف بحد ذاته سببًا للعقوبة بقدر ما الترف وما يكون معه من كفران النعمة ووجود الكفر والإجرام، فإنهم يستخدمون هذا الترف في غير طاعة الله. فإذن قوله: «لا يتعبون في الطاعة» الأولى لا يستخدمونه في الطاعة. وقوله: «وكانوا يصرون على الحنث العظيم»، قال: الحنث الذنب. وكما تقدم وتكرر: اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فالحنث أعظم من الذنب، أي يصرون على ما يكون به الحنث، وهي الذنوب العظيمة، ليس فقط الذنوب الصغيرة، بل الذنوب العظيمة. وهذا هو الغالب في حال الكفار والفجار: الإصرار على كبائر الذنوب. وكما قيل: ليس بعد الكفر ذنب. فالذي يقع في الكفر في الغالب يستدرجه الشيطان ويأخذه بخطواته حتى يوصلهم إلى أعظم الذنوب والمعاصي وأكبرها، فيكونوا قد وصلوا إلى أعلى درجات الفجور والخسوق. ولذلك تجد أن أمم الكفر وأهل الفجور يتنافسون في اختلاق الذنوب والتوسع فيها، مثل ما يتنافس أهل الطاعات في الطاعات، وهذا مشاهد. ولذلك يكون كذلك عذابهم في قدر هذا التفاوت. وقوله سبحانه: «العظيم» تأكيد لهذا الحنث الذي منه الكفر والشرك، فالكفر والشرك من ذنوبهم، ومن كذلك ما حنثوا فيه. وليس بعد الكفر والشرك ذنب، معناه: أنه من وقع منه الكفر والشرك فلا تستغرب أن يكون عنده أنواع الذنوب الأخرى من الفواحش والرذائل والمسكرات والمخدرات والجريمة وغير ذلك. ولذلك تجد المجتمعات الكافرة مليئة بهذه الجرائم والقاذورات، بخلاف المجتمعات المسلمة المؤمنة، فإنه وإن وقع يقع شيئًا قليلًا يسيرًا نادرًا. وكلما كان المجتمع أحرص على الطاعة والإيمان والعلم، فإنه يكون مجتمعًا مثاليا بعيدًا عن هذه الأمور التي هي من أسباب هذه العقوبة. وفي هذا كذلك دليل على أن الكافر يعذب على أصل الكفر والشرك، ويعذب على أنواع الذنوب والمعاصي، وهذا دليل من أدلة كثيرة تدل على ذلك. ومر معنا قريبًا كذلك شيئًا من ذلك مما يدل على هذا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.