الدرس في تفسير سورة الواقعة من تفسير الجلالين 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تحدث المفسر عن نعيم أهل الجنة وصفاتهم، مستشهدا بالآيات من سورة الواقعة. وذكر أن الله أعد لهم فرشا مرفوعة ذات جمال ورفاهية عالية.
يصف المقطع الحور العين في الجنة بأن الله أنشأهن إنشاء خاصا، ويتميزن بالكمال والجمال، ويكن أبكارا دائما. ويحببن أزواجهن حبا شديدا، ولكل واحدة صفاتها الفريدة.
المقطع يشير إلى كثرة عدد أهل الجنة من الأولين والآخرين، ويوضح اختلافهم عن السابقين والمقربين. ويؤكد أنهم من أهل الجنة ولكن ليسوا من خاصة أهل الجنة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عَرَبًا أَتْرَابًا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنْ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنْ الْآخِرِينَ. قال المفسر رحمه الله: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ على السرر، إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً أي الحور العين من غير ولادة، فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عذارى كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن عذارى ولا وجع، عَرَبًا بضم الراء وسكونها جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها عشقا له، أَتْرَابًا جمع ترب أي مستويات في السن، لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ صلة أنشأناهن أو جعلناهن، وهم ثُلَّةٌ مِنْ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنْ الْآخِرِينَ. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ما زلنا في هذه الآيات العظيمات من هذه السورة، سورة الواقعة، والتي في سياقها ذكر الناس يوم القيامة، وفي هذه الآيات لا زلنا في ذكر أهل الجنة، جعلنا الله وإياكم والسامعين من خاصة أهلها. وذكر الله عز وجل عددًا من صفات أهل الجنة وأهل اليمين على وجه الخصوص، وهم الصنف الثاني من أهل الجنة، ومما أعد لهم ما عده الله عز وجل من الفرش، هذه الفرش التي فيها ما لا عين من رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فقال: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ، ومعطوف على الذي قبله أي من النعيم المذكور السابق، هذه الفرش المرفوعة. وكما تقدم معنا المراد بالرفعة رفعتان: رفعة حسية فهي طبقات، كما جاء عن ابن عباس وغيره: ما بين كل فرش وأخرى لأنه ذكرها على وجه الجمع أي هي كثيرة كما بين السماء والأرض أي في العلوب. وهي كما تقدم معنا كذلك في تلك الغرف والحجرات، وكل حجرة فيها من الجمال والكمال ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فالحجرة وما دون ذلك الخيمة في الجمال كاللؤلؤة، وفي السعة كالقصر، فخيمة الآخرة أعظم من أعظم قصر في الدنيا. وفي هذه الخيمة عدد من الفرش لا يحصيه إلا الرب العظيم سبحانه وتعالى كمالا وجمالا. وكذلك هي مرفوعة رفعة معنوية، يعني في وصفها وفي كذلك أنواع الرفاهية وما يتلدد وينتفع به مما هو من مرافقها. ولذلك ذكر بعده الحور العين، وهذا مما يكمل الفرش، فالفرش بدون وجودهن نقص، وبوجودهن كمال فوق كمال، فلذلك أتبع الفرش بقوله: إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً أي الحور العين. سبحان الله بلاغة القرآن شيء عظيم، كأنه لما ذكر سبحانه وتعالى الفرش ما فيها من كمال وجمال وما فيها من رفع حسية ومعنوية، يقول القائل: هذه الفرش فلمن وعدت؟ فجاء الجواب: إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. قال رحمه الله: الحور العين من غير ولادة، وهذا يتضمن كل معاني الإنشاء كل معاني الإنشاء كمالاً وجمالاً. فمن حيث الأجساد ينشئ الله عز وجل حور الآخرة وحور الدنيا بأن يجعلهن على أكمل ما يكون به جسد امرأة كمالاً وجمالاً. ومن ذلك قولوا سبحانه: فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا، أي لا يوجد فيهن ثيب، حتى نساء الدنيا ينشئهن الله إنشاء خاصًا فيكن أكثر جمالاً وكمالاً من حور الآخرة في أجسادهم وفي أسنانهم وفي كل ما يتعلق بالأمور الحسية. ومن ذلك أنهن يرجعن أبكار، ولا يوجد فيهن ثيب. وقولوا رحمه الله: كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن عذارى ولا وجع، من كمال نعيم ذلك اليوم ونعيم الجنة وأهلها أن جميع الصفات الحسية والمعنوية تكون على أكمل وجوهها. ولذلك ذكر العلماء المفسرون من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين هذا المعنى من عمومات الأدلة، فيكون الجميع أبكار بنص الكتاب والسنة، وكذلك بما لا ينافي الكمال. ولذلك قال: لا وجع، يعني لا أذية، فإن هذا يحصل في الدنيا، ولذلك قد لا يرغب بالبكر إذا صار هذا سبب لألم لها وللزوج، وكذلك عدم حصول ما يرغب به الزوجان، فلذلك لا يكون ذلك يوم القيامة وفي جنة الله ونعيم الله. عَرَبًا، قال بضم الراء وسكونها، يعني جاءت قراءتان: عَرَبًا بضم الراء، وعَرَبًا بسكون الراء، والسكون قراءة حمزة وشعبة كما أشار بالتعليق، وهي قراءة السبعية مشهورة صحيحة. والمعنى يختلف باختلاف المبنى، فعربا بالتحريك فيه معنى ما ذكره رحمه الله تعالى، فهن عرب من جمع عروب متحببات للأزواج حسا ومعنى، أنشاءهن الله عز وجل إنشاء خاصا. فكان فيهن هذا المعنى حسا فيما جعل من جمالهن وكمالهن في أجسادهن، وهكذا كذلك في أخلاقهن، وهذا لا يوجد في الدنيا، أكمل ما يوجد في الدنيا لا يكون كمالا وجمالا أبدا مثل ما في الآخرة، وليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء، لأن الله عز وجل أكمل فيها كل كمال وجمال. وهكذا كذلك معنا والمقصود أنهن كذلك فيهن الوصف الذي يسبب الحب والعشر والتعلق بين الأزواج، وهذا أعظم من الأول، وهي بمعنى كذلك الأول وزيادة. وعلى هذا جاءت الإراداتان: عَرَبًا وعَرَبًا، فأحدهما يتناول الحس والمعنى، وأحدهما يتناول الحس، وهذا معناه من جهتها هي، ومن جهتي كذلك الأزواج، فالزوج نفسه يحصل له من الاكتفاء والاقتناع ما يجعله في غاية النعيم. وهذا هو المقصود أن يكرم أهل الجنة بما يكون به الرضا وما يكون به كذلك الاكتفاء. وقوله رحمه الله تعالى: أَتْرَابًا، قال جمع ترب أي مستويات في السن. والأتراب معنى يختلف عن الاستواء، والمقصود لو قلت: هذه الكاسة سواء، معنى كل واحدة ماذا نسخة من الأخرى؟ لا يوجد بينها فرق. ولكن إذا قلت: هؤلاء البنات أتراب، معنى متساويات متقاربات في الكمال والجمال، ولكن هن ماذا؟ كل واحدة تختلف عن الأخرى، وفيها من الصفات ما يجعلك لا تستغني عن الأخرى. لو عندك كاسات مستويات تستغني بواحدة عن ماذا؟ عن البقية، لكن إذا عندك معنى الأتراب أي فيهن من الكمال والجمال ما يجعلهن سواء في مستوى الكمال والجمال، لكن لا تستطيع تستغني بواحدة عن الأخرى. وهذا هو المقصود أتراب، لا يستغنى بواحد عن الآخر، وهذا مما يجعله الله عز وجل من الكمال والجمال في ذلك اليوم العظيم. لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، كل هذا وغيره جعله الله عز وجل لأصحاب اليمين الذين سبق ذكرهم والإشارة إليهم في أول السورة. وقوله رحمه الله: صلة أنشأناهن أو جعلناهن، يعني معناه هذه الجملة، والصحيح وما قبلها من بعد أن جاء ذكر هذا القسم وما هو له، قال: لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أي هذا كله ومنه هذا المذكور أخيرا ما يتعلق بالحور العين جعله الله عز وجل لأصحاب اليمين ثُلَّةٌ مِنْ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنْ الْآخِرِينَ. وهذا معناه أنهم كثير في الأولين وكثير في الآخرين، وكذلك فيه أنهم يختلفون عن السابقين والمقربين الذين هم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين. وهذا يؤكد ما سبق من أنهم من أهل الجنة، ولكن ليسوا خاصة أهل الجنة، جعلنا الله وإياكم من خاصة أهل الجنة، وأعاننا وإياكم والسامعين والحاضرين على ما فيه الخير في الدنيا والآخرة. وإلى هنا والله تعالى أعلم.