الدرس في القواعد والأصول الجامعة 37، الدرس السابع والثلاثون : فيه من قوله ( ومن الأسباب المتعلق بها الضمان إتلاف ... والإثم مترتب على القصد , فكذلك الجزاء , وهذا القول أصح ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع مسؤولية مالك البهيمة عن الأضرار التي تسببها، ويوضح أن الضمان يتعلق بإتلاف البهيمة لشيء ما. مالكها يتحمل المسؤولية لأنه متصرف فيها.
يتناول المقطع ضمان تلف البهائم والحيوانات المؤذية، ويفرق بين البهائم التي ترعى بنفسها وتلك التي تحتاج إلى رعاية. إطلاق الحيوانات المؤذية يوجب الضمان.
يناقش المقطع التفريق بين العمد والخطأ في مسائل الضمان، ويشير إلى أن حق الله قائم على العفو، بينما حقوق الآدميين قائمة على المشاحة. يستثنى ما كان حقا لله تعالى.
لا تجب الكفارة إذا دخل الشخص ناسيا أو مخطئا لأن الحكم لا يثبت بدون إرادة أو عمد. الخطأ غير المقصود لا يستوجب الكفارة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: الناصر المسعدين، رحمه الله تعالى، القاعدة الثالثة عشر. قال: ومن الأسباب المتعلق بها الضمان إتلاف بهيمته التي هو متصرف فيها، والتي يخرجها ليلا أو نهارا بقرب ما تتلفه، أو يطلق حيوانه المعروف بالأذية على الناس في أسواقهم وطرقهم، فإنه متعمد عليه الضمان. هذه مسألة من مسائل هذه القاعدة، أن الإتلاف يستوي فيه المتعمد والجاهل والناسي، وقد مر معنا تفصيل في هذه القاعدة، وأن ما ذكره المؤلف، رحمه الله تعالى، يفصل فيه ويفرق بين الضمان الذي يتعلق في حقه المتعمد والجاهل والناسي، فهم فيه سواء، وبالنسبة للمكره يفرق بين من أكره إكراها ملجئا وإكراها غير ملجئ. ومر معنا كذلك أن المراد من هذه القاعدة التنبيه إلى أن باب الضمان لا يتعلق به أمر الإثم وعدم الإثم، فالإثم شيء والضمان شيء آخر، قد لا يأثم الإنسان لأجل خطئه، لكنه لا يعني أن الضمان يسقط عليه، فالفرق بين المسألتين: ليس كل مخطئ سقط عنه الإثم يسقط عنه الضمان، لا، فمن المخطئين من يسقط عنه الإثم ولا يسقط عنه الضمان، هذا إذا كان خطأه فيه إتلاف لحق الغير. ثم ذكر المؤلف، رحمه الله تعالى، هاتين المسألتين: المسألة الأولى يقول: ومن الأسباب المتعلق بها الضمان إتلاف بهيمته، يعني أن البهيمة تتلف شيئا، التي هو متصرف فيها، الضمير يعود إلى البهيمة، أي رجل عنده بهيمة يتصرف فيها وهو يحكمها، فيخرجها ليلا أو نهارا بقرب مكان أتلفت فيه شيئا. قال: فعليه الضمان، لماذا؟ قال: لأنه متعمد، وهذا الكلام من المؤلف، رحمه الله، قد يصح في معنى ضيق، وإلا فقد ورد حديث عن النبي ﷺ في قوم من الأنصار استلفوا في ناقة لرجل أكلت من حديقة، دخلت في الحديقة، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ، فأمر النبي ﷺ أن على أهل الحدائق أن يحفظوا حدائقهم نهارا، وعلى أهل البهائم أن يحفظوا بهائمهم ليلا. فما أتلفت البهائم ليلا فعلى صاحب البهيمة الضمان، وما أتلفت نهارا فليس عليه شيء، لأن الغالب أن البهيمة إذا خرجت نهارا تسرح إلى بعيد، خصوصا الإبل، بخلاف الغنم، الراعي الذي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه. فإذا كان إنسان عنده بهيمة، لكنها تتلف شيئا، فهل يضمن في هذه الحالة أو لا يضمن؟ الجواب: نعم يضمن. كيف يحمل الحديث؟ تقول: الحديث يحمل إذا لم يكن الرجل مفرطا، مثل الإبل، الإبل في الغالب لا ترعى بمصاحبة الراعي، فمثل الإبل لا يعتبر صاحبها مفرطا إذا أكلت نهارا، بخلاف الغنم، الغنم في الغالب لا تترك وحدها، لأنه يخاف عليها، فلهذا صاحبها يرعاها في الغالب. فإذا كان هذا هو الغالب، فتفريطه بعلمه أنها ترعى بجانب أرض فلان ولم يحفظها، هذا يوجب عليه الضمان. إذن كلام المؤلف، رحمه الله، ليس بكل بهيمة، واضح هذا المراد التنبيه عليه، إنما هي في الغنم وما كان بمعناها مما يحتاج إلى رعاية وحفظ، وأما الإبل وما كان بمعناها مما يرعى بنفسه، فقد فرقت السنة الصحيحة عن النبي ﷺ بين رعي الليل ورعي النهار. وأما المسألة الثانية وهي قوله، رحمه الله تعالى: أو يطلق حيوانه المعروف بالأذية على الناس في أسواقهم وطرقهم، كذلك إذا أطلق حيوانه المعروف بالأذية، كأن يكون مثلا كلبا، ولا يجوز اقتناء الكلب إلا لأحد ثلاثة: الحراسة، والصيد، والمزرعة. فإذا كان إنسان عنده كلب على وجه المشروع، لكن يعرف أن كلبه مؤذ، فلا يجوز له أن يطلقه، فإذا أطلقه فسبب شيء من الإتلاف، فعليه الضمان. قال: ومما يدخل بهذا قتل الصيد للمحرم عمدا أو خطأ، ففيه الجزاء عند جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة، يعني أن قتل الصيد من قبل المحرم فيه الجزاء كذلك والضمان. ولاحظوا أن المؤلف قال: عمدا أو خطأ، ففيه الجزاء عند جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة، وهذا هو شاهده للقاعدة، لأن القاعدة ليس فيها تفريق بين المتعمد والجاهل والناسي. ولم يذكر هو القتل، لكن ذكر هنا القتل، لأجل أن ينبه أنه مما يدخل بذلك، لأن هذا من خطاب الوضع. لكن ها هنا يوجد خلاف، ولهذا قال: عند جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة، واختار بعض أصحابهم أن الجزاء مقتص بمن قتله متعمدا، يعني أن الضمان والجزاء في الصيد لمن فعل ذلك عامدا، أما من فعله مخطئا فليس عليه جزاء. قال: كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، قال: وهو صريح الآية الكريمة. والفرق بينه وبين حقوق الآدميين، أن الحق به لله، والإثم ترتب على القصد، فكذلك الجزاء، وهذا القول أصح. الراجح عند المؤلف، رحمه الله، كما ذهب إليه بعض أهل العلم، أن هذا الحكم يفرق فيه بين المتعمد والمخطئ، لماذا؟ قال: لأنه صريح الآية الكريمة. قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾، فأخرج قوله جل وعلا المتعمد، مخطئا، وما كان بمعنى مما هو بمعنى غير العلم. ثم علل بتعليل، قال: فإن قال قائل: ما الفرق بين هذا المثال والمثال الذي قبل؟ لأنه ذكر أمثلة فيها عدم التفريق في الضمان بين الخطأ والعمد، مثل الدية. فابن القيم، رحمه الله، في هذه المسألة رجح في «إعلام الموقعين» أن هذه المسألة تشبه مسألة الدية في قتل الخطأ، لأننا قلنا في قتل الخطأ سقط الإثم، ولم يسقط الحكم، بقيت الدية، بقيت الدية في قتل الخطأ، بقيت الدية، وهو الضمان. وقاس ابن القيم، رحمه الله، هذه المسألة -مسألة قتل الصيد خطأ- على قتل النفس خطأ، وأنه فيه الضمان، يبقى الضمان، وهو ماذا؟ وهو كفارة هذا الصيد مثل ما قتل من النعم، يحكم به ذوو عدل منكم. لكن الصواب ما ذهب إليه المؤلف، رحمه الله، لماذا؟ علل المؤلف، رحمه الله، بأن هذا حق لله، وذاك حق لآدمي، وحقوق الآدميين قائمة في الشرع على المشاحة، وأما حق الله عز وجل فهو قائم على العفو والمسامحة. فإذا كان كذلك، فإذا صح التفريق في هذا الموضع بين العمد والخطأ، صح التفريق بين العمد والخطأ. قال: فخلصنا بهذا أن هذه القاعدة في مسألة الضمان لا يفرق فيها بين المتعمد والمخطئ والجاهل والناسي، لأن هذا من خطاب الوضع، وما كان من خطاب الوضع فإنه يجب الوفاء به. إلا أنه يستثنى من ذلك شيء، وهو ماذا؟ عند من؟ الجواب: ما كان حقا لله، فليس فيه الضمان إذا وقع فيه خطأ، لأن حق الله مبني على المسامحة. طيب، مثال: من يعطينا مثالا؟ خطأ الشجر في مكة خطأ، ومنه النذر، من نذر على خلاف ما نذر به أو ما حلف عليه خطأ، فإنه لا يلزم بالكفارة، ليش؟ لأنه أخطأ. حلف رجل أن لا يدخل بيت فلان، تمام؟ أن لا يدخل، فدخل ناسيا أو مخطئا، هل يثبت هذا الحكم أو لا يثبت؟ تجب الكفارة؟ الجواب: لا، ما تجب، ما دام حصل بغير إرادة وبغير عمد، فإنه لا يجب. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.