القواعد والأصول الجامعة 53

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 53، الدرس الثالث والخمسون : من : ( القاعدة الثامنة والعشرون ... قام هذا مقام الأصل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

قاعدة البدل والمبدل منه

تنص القاعدة على أن البدل يحل محل المبدل منه عند التعذر، وتوضيح ذلك من خلال أمثلة التيمم والأضحية والوقف. يُبين المقطع كيفية تطبيق هذه القاعدة في مختلف الحالات.

تغيير الوقف واستبداله

يتناول المقطع حكم تغيير الوقف واستبداله عند تعطله، ويشرح أن البدل يحل محل الأصل مع الإشارة إلى استثناءات في بعض الحالات الشرعية. يُناقش أيضاً مسألة الجمع بين البدل والأصل.

الجمع بين الوضوء والتيمم

يُناقش المقطع حكم الجمع بين الوضوء والتيمم ومسألة المسح على الجبيرة، ويخلص إلى عدم جواز الجمع بينهما إذا لم يكف الماء للطهارة. يُبين أيضاً ضعف حديث المسح على الجبيرة.

ختام الموضوع والشكر لله

يختتم المقطع الموضوع بذكر خلاصة ما تمت مناقشته ويعبر عن الامتنان والشكر لله رب العالمين على ما تم الوصول إليه من فهم واستفادة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ الإمام عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: القاعدة الثامنة والعشرون: يقوم البدل مقام المبدل إذا تعذر المبدل منه. هذه القاعدة أوردها رحمه الله تعالى كذلك في سياق ذكره لهذه القواعد التي تتعلق بفعل المأمور، فناسب أن يذكر مسألة البدل والمبدل منه، وسيأتي في المثال الذي ضربه هو الدليل على معنى هذه القاعدة. وهذه القاعدة بعضهم يجعلها من الضوابط أو من القواعد الصغرى، فهي ليست قاعدة كلية بل قاعدة فرعية. بل بعضهم يجعلها كالضابط. والمؤلف رحمه الله يكثر من الأخذ من قواعد ابن رجب رحمه الله تعالى، فأكثر هذه القواعد أخذها من قواعد ابن رجب، فهي كالاختصار لها مع شيء من الزيادة والنقصان. قد ذكر هذه القاعدة ابن رجب في قواعده، القاعدة المئة والثلاثة والأربعون. في القاعدة المئة والثلاثة والأربعين قال: قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، فأقام التيمم عند تعذر طهارة الماء مقام طهارة الماء، فتقوم مقام طهارة الماء في كل شيء. قال: ولا يستثنى شيء منها على الصحيح، يعني أنها تقوم مقام الماء تماما؛ لأن الله عز وجل جعله يقوم مقام الماء. فعندنا الآن بدل ومبدل منه، فالبدل هو التيمم، والمبدل منه هو الوضوء والغسل. فمن لم يجد الماء فإنه يتيمم، وهكذا في الآية الأخرى في حال المرض: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا. فقوله: "مرضى" أي كذلك عند المرض، فإذا لم يجد الماء أو كان مريضا لا يستطيع أن يمس الماء فإنه ينتقل من الماء إلى التيمم. فإذا انتقل فإن البدل يقوم مقام المبدل منه تماما في كل شيء. ومراده في كل شيء: أنه يرفع الحدث، وأنه كذلك تباح به الصلاة، ويباح به قراءة القرآن، ويباح به كل شيء كما يباح بالماء. وهكذا كذلك الصحيح أنه يبقى كما يبقى الماء، فلا ينتقض إلا بنواقضه، أو إذا وجد الماء. وقول من قال: إنه يلزم إذا جاء وقت الصلاة الأخرى أن يعيد التيمم مرة أخرى، هذا ليس بصحيح. فهو إما أن ينتقض، فإذا انتقض تنتقض طهارته، إذا انتقض في الطهارة فإنه يتيمم كما يتوضأ، أو تنتقض الطهارة بحدث أكبر فإنه يتيمم كما يغتسل، فهو يقوم مقام المبدل منه تماما. هذا معنى قوله رحمه الله: "ولا يستثنى شيء منها على الصحيح"، يعني ليس من نواقض التيمم دخول الصلاة الأخرى، لكن من نواقضه وجود الماء لمن تيمم لعدم وجود الماء. وجود الماء إذا كان ماذا يريد أن يصلي؟ هكذا قال بعض أهل العلم: إذا وجد الماء بطل التيمم. ولكن ذهب بعض أهل العلم إلى أنه كذلك لا ينتقض، يعني حتى ولو وجد الماء، فمثلا الرجل يصلي فوجد الماء، هل يقطع الصلاة لأجل وجود الماء؟ الصحيح أنه يواصل في صلاته ما دام قد دخل الصلاة بحكم صحيح. وقال رحمه الله تعالى: "ومنها إذا أبدلت الأُبْحِي أو الهدي أو الوقف بغيره قام هذا مقام الأصل". إذا أبدلت الأُبْحِي أو الهدي أو الوقف بغيره قام هذا -أي البدل- مقام الأصل، وهو المبدل منه. مثلا أضحية ماتت فأبدل منها أضحية أخرى، مثلا دهسها إنسان بسيارته فعوض الرجل الذي هو مالك لهذه الأضحية أضحية أخرى، فهل تقوم مقام الأضحية؟ الجواب: نعم تقوم مقام الأضحية. أو هدي أخذ هديا ولو ساقه من بعيد، ساق الهدي كما نسمع أن القارن يسوق الهدي، ساق الهدي من بعيد ثم مات هذا الهدي، فهل إذا أخذ مكانه أخرى وبدلا منه يقوم مقامه؟ الصواب: نعم يقوم مقامه. وهذا الوقف إذا أبدل الوقف بغيره، سواء الموقوف له أو عين الوقف، مثلا رجل عنده وقف معين تعطل هذا الوقف، صار ما يستفاد منه، عنده مزرعة أو أوقفها لمسجد أو لمدرسة تحفيظ أو نحو ذلك، تعطلت هذه المزرعة صار ما يستفاد منها، فهل يجوز أن يغير إلى وقف آخر؟ الجواب: نعم يجوز أن يغير إلى وقف آخر، فيغير إلى وقف آخر، وهذا الوقف الآخر الذي هو البدل يقوم مقام المبدل منه. أو كذلك كان الوقف لمسجد فانهدم هذا المسجد أو استغنى هذا المسجد عن هذا الوقف، فهل يجوز أن يغير إلى مسجد آخر؟ أي هذا الوقف، الجواب: نعم يجوز. مثلا أجهزة صوت، أجهزة صوتية استغنى عنها هذا المسجد لوجود أجهزة أحسن منها، جاءت صدقة بأجهزة أحسن منها تناسب هذا المسجد بعد توسعته، فماذا يصنع بالأجهزة القديمة؟ الجواب: ينقل إلى وقف آخر، إلى مسجد آخر يحتاج إليه. وهكذا يقوم البدل مقام المبدل منه. وهذه القاعدة فيها تفاصيل وفروع كثيرة، لكن هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله أهم ما يذكر في هذه القاعدة. وكما ذكر رحمه الله أن البدل يقوم مقام المبدل منه وأنهما سواء، أي البدل والمبدل منه. طيب هل قوله رحمه الله "سَوَاء" يقتضي أن ذلك دائما؟ الجواب: لا، هذا هو الأصل، ولكن ليس دائما، فقد يختلف. قد يختلف إذا كان الشرع قد فرق في أمره بين البدل والمبدل منه. فمثلا صلاة القاعد لمن عجز عن القيام، هل ينال في الأجر من في الأجر القائم؟ الجواب: إذا كان لعجزه ومضطر، فالصحيح أنه يكتب له نفس الأجر، والحكم واحد، الصلاة صحيحة للقاعد وللقائم، ولكن الأجر هل هو واحد؟ الجواب الصحيح أنه واحد، لحديث عمران بن حصين الذي رواه البخاري، ومعناه صحيح وإن كان منتقدا، أنه يكتب للرجل في حال مرضه ما يكتب له في صحته. وفي حديث عمران رضي الله عنه أنه اجتثى إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما به من بواسير، فأذن له أن يصلي قاعدا، قال: "صلي قائما، فإن لم تستطع فصلي قاعدا، فإن لم تستطع فصلي على جنب". الحديث، فدل هذا على أن البدل وهو القعود يقوم مقام المبدل منه وهو القيام، وأن الحكم واحد، وأن الأجر على القول الصحيح كذلك واحد. لكن هل هذا الحكم يكون كذلك سواء في صلاة النافلة؟ يجوز للرجل أن يصلي النافلة قاعدا ولو لم يكن مريضا، لكنه لا ينال الأجر كاملا. لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صلاة القاعد نصف صلاة القائم". جاء عن عدد من الصحابة منهم أنس، وهو عند أحمد، والنسائي، وابن ماجة بإسناد حسن. وهكذا عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن السائب، وعبد المطلب، وجماعة، وصححه شيخ العلامة الألباني رحمه الله. فصلاة القائم، صلاة القاعد على نصف صلاة القائم في النفل على نصف صلاة القائم. طيب إذا كان كذلك، إذن الآن يختلف الحكم، ليس البدل كالمبدل منه في ماذا؟ في الأجر. الصلاة صحيحة، الجواب: نعم الصلاة صحيحة، لكن هل الأجر سواء؟ الجواب: لا، ليس الأجر سواء، فالشرع فرق بين هذا وهذا. فإذن ليس دائما البدل يقوم مقام المبدل منه تماما، بل أحيانا يكون مثله تماما، وأحيانا لا يكون مثله تماما. وهكذا أخيرا ننبه على مسألة وقع فيها خلاف قوي بين أهل العلم، والصحيح هو ما ستسمعون، وهي هل يجمع بين المبدل والمبدل منه؟ الصحيح أنه لا يجمع بين البدل والمبدل منه، أو المبدل والمبدل منه، لا يجمع بين البدل والمبدل منه. فمثلا عندنا تيمم وعندنا ماذا؟ وضوء أو غسل، هل يجوز الجمع بين الوضوء والتيمم؟ ذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك، وذهب بعض أهل العلم إلى المنع من ذلك، والصحيح المنع؛ لأنه لم يثبت حديث صحيح صريح يدل على جواز الجمع بين البدل والمبدل منه. والأصل هو أنه لا يجمع البدل مع المبدل منه؛ لأن البدل إنما يقوم مقام المبدل منه. وأما حديث صاحب الشجة، جاء في بعض ألفاظه: "إنما كان فيه أن يتيمم ويعصب على جرحه بقربة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده". ظاهر هذا الحديث جواز المسح على مكان الجرح، ويغسل الباقي، وهو ما يسمى عند بعض الفقهاء بحكم المسح على الجبيرة. وهذا الحديث الصحيح أنه ضعيف، رواه أبو داود وغيره، ولكنه ضعيف، ضعفوه جماعة من الحفاظ، حتى قال البيهقي رحمه الله: "ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء"، يعني في باب المسح على الجبيرة، لا يثبت في هذا الباب شيء. فالصحيح أنه لا يجمع بين البدل والمبدل منه. فإذا كان الإنسان به جرح لا يستطيع أن يغسله، فالصحيح أنه يغسل ما تيسر ويترك ما لم يتيسر، ولا يلزمه أن يمسح عليه لعدم الدليل في ذلك. ولقول الله عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. فإذا هذا هو الحكم، فإذا لا يمسح على جبيرة لا في غسل ولا في تيمم. ومن باب أولى، ومن باب أولى إذا كان عنده ماء قليل لا يستطيع أن يتوضأ به وضوءا كاملا. ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يغسل ما تيسر ويتيمم عن الباقي. والصحيح خلاف ذلك، الصحيح أنه يتيمم إذا لم يستطع أن يتوضأ وضوءا كاملا بالماء، فلا يجمع بين الوضوء والتيمم، بل يترك الماء وينتقل إلى التيمم ما دام أن الماء لا يكفيه للوضوء. وما تذكره بالغسل، من كان عنده ماء لا يكفيه للغسل، فلا يجمع بين الغسل والتيمم، بل إما أن يكفيه الماء فيغتسل، وإما أن لا يكفيه الماء فيتيمم. وأما أن يجمع بين الغسل والتيمم فلا دليل على ذلك؛ لأن قول الله عز وجل: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ يشمل الماء الذي يكفي للغسل، ولو كان يكفي بعضه فإنه لا يكفي كذلك الغسل، فالمراد هو حكم الطهارة الشرعية، وضوء كامل وغسل كامل. ولو كان فعل البعض ملزما به لذكر، وما كان ربك نسيا، لو كان ذلك مطلوبا لذكر في أدلة الكتاب والسنة، مع كثرة وقوعه وحاجة الناس لمعرفة حكمه، ومع ذلك لم يذكر، فعلم أن هذا هو الصواب في هذه المسألة. طيب هنا مسألة كذلك فرعية ذكرها بعض أهل العلم، وأشار إليها ابن رجب كذلك رحمه الله، وهي مسألة البدل والمبدل منه في البيوع إذا وقع فيها عيب، هل يملك صاحبها الفسخ؟ مثلا، وهذه مسألة كذلك من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم. رجل اشترى شيئا معيبا، الشرع يجيز له إرجاع هذا الشيء المعيب. وهذا كما مر معنا يسمى خيار العيب، وخيار العيب يجيز للمشتري أن يرجع هذا الشيء المعيب. طيب الآن عندنا إرجاع، وهو أن يعيد، يجوز للرجل أن يعيد هذا الشيء، فإذا تلف هذا المعيب قبل أن يصل إلى البائع، اختلف أهل العلم بذلك. فذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز له أن يطالب بالبدل، لا يجوز له أن يطالب بالبدل، وزعموا أنه لا بد من المبدل منه حتى يأخذ البدل. وذهب بعض أهل العلم إلى خلاف القول الأول، والصحيح بهذا التفصيل، وهو أن يقال: إن كان التلف ليس بتفريط من المشتري، فالصحيح أنه يلزمه البدل؛ لأن البائع يتحمل السبب، ما دام أن العيب من البائع، ما دام أن العيب من البائع فهو غاش ويتحمل جرم غشه. والقاعدة التي مرت معنا: "من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه"، فهو استعجل الربح بغير حق، فما حصل من تلف فهو يتحمله؛ لأنه هو السبب. وكما مر معنا كذلك أن الشيء إذا تلف فلم نستطع أن نغرم المباشر، أو لم نجد المباشر، فنغرم المتسبب، نغرم المتسبب. فإذن الصحيح أن المتسبب في هذا الإتلاف هو الذي يتحمل الأمر. فإن كان المتسبب هو المشتري، التأخر في إرجاع السلعة، فإذن ليس له حق في البدل. وإن كان ليس في المشتري أي تفريط، ليس عنده أي تفريط، فيتحمل البائع هذا البدل. ولعموم الأدلة الواردة في هذا الباب. طيب هذا خلاصة ما يذكر في هذا، وبه نستفي، والحمد لله رب العالمين.