الصحيح المسند من دلائل النبوة 170

الصحيح المسند من دلائل النبوة 170

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 170، الدرس السبعون بعد المائة:(ومن دلائل النبوة قصة توبة كعب بن مالك وصاحبيه وما فيها من العبر...إنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك وأسبابه

يروي كعب بن مالك قصة تخلفه عن غزوة تبوك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصف الظروف التي أدت إلى تخلفه. كان المسلمون يستعدون للغزوة وكان النبي يعلن عن وجهته ليتأهب المسلمون.

اعتذار كعب بن مالك لرسول الله وصدقه

يروي كعب بن مالك قصة تخلفه عن غزوة تبوك وصدقه في اعتذاره لرسول الله صلى الله عليه وسلم. يبين أهمية الصدق ونتائجه الإيجابية على صاحبه مقارنة بالمنافقين الذين كذبوا في اعتذاراتهم.

توبة كعب بن مالك ونتائج صبره وصدقه

يروي كعب بن مالك قصة توبته بعد تخلفه عن غزوة تبوك، حيث تعرض لمحنة كبيرة ثم جاءته البشرى بتوبة الله عليه بعد خمسين ليلة من العزل. نزلت الآيات القرآنية في توبته وتوبة صاحبيه.

دلائل نبوة الرسول وأهمية الصدق في القرآن

المقطع يتناول تفسير آية من القرآن الكريم ويبرز أدب القرآن في التعبير عن الأحداث، كما يشير إلى دلائل نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال قصة الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك. يسلط الضوء على أهمية الصدق في حياة المسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: ومن دلائل النبوة قصة توبة كعب بن مالك وصاحبيه، وما فيهما من العبر. قال الإمام البخاري، رحمه الله تعالى: حدثنا يحيى بن بكير، وهو يحيى بن عبد الله بن بكير المصري المخزومي القرشي مولاهم، وهو أحد الثقات في الليث خاصة، وتكلموا في سِفَاحه من مالك، رحمه الله، وهو من رجال الصحيحين. ولهذا تجد البخاري كثيرا يروي له عن الليث. قال: حدثنا الليث، وهو بن سعد أبو الحارث الفهمي، إمام وفقيه مصر، أحد الحفاظ والمحدثين المعروفين المشهورين، قال: عن عقيل، وهو بن خالد الأيلي، وهو حافظ من الحفاظ الأثبات المعروفين، قال: عن ابن شهاب، وهو الإمام المتفق على إمامته وجلالته، رحمه الله، محمد بن المسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري. قال: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، وهو أحد الثقات المكثرين مما روي له كذلك في الصحيح، وهو ولد كعب بن مالك، يروي عن أخيه كثيرا، قال: أن عبد الله بن كعب بن مالك، وهو أخو الأول، أحد الثقات المعروفين من أئمة التابعين، وقيل له: رؤية. قال: وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنها. إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. ولهذا لم يخرج كل الصحابة في غزوة بدر مع النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها. كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة. ومعناه: ليس له عذر. قال: والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة. ومعناه: كان حاله أحسن من لي قبل، وربما كان من قبل عنده راحلة واحدة، لكن في هذه الغزوة راحلتان. قال: ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، وهذا من حسن السياسة الشرعية في الحرب، فإن الحرب خدعة. قال: حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا وعدوا كثيرا. فلأجل هذه الأمور الثلاثة ولغيرها أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم وأفصح عن المكان الذي يريد أن يذهب إليه. شدة الحر، فكانوا في موسم الصيف، واستقبل سفرا بعيدا؛ لأنهم ذهبوا إلى تبوك في أقصى الشمال، ومفازا يعني: مفاوز، مسافات، وعدوا كثيرا، وهم الروم. قال: فجل للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم. وفي هذا إشارة إلى أن ما يتخذه الإمام من السياسة الشرعية ينبغي أن يكون مشروطا بما لا يؤدي إلى مفسدة. فلما كان إخفاء هذا الأمر فيه مفسدة، وكان الإفصاح فيه فيه مفسدة، نظر في المفسدتين: أي المفسدتين أعظم؟ مفسدة علم بعض الأعداء بجهة ذهابه، وهي ظنية، ومفسدة عدم الاستعداد التام لمثل هذا السفر البعيد، وهي ماذا؟ واقعية. فقدم درء المفسدة الكبرى بالصغرى، فأفصح النبي صلى الله عليه وسلم عن جهة ذهابه. وهكذا يستفاد في كل ما كان بمعناه. قال: فجل للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، يعني جهته، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان، يعني فيحصى من ذهب ومن جلس. فكان هذا سبب تخلف بعض المتخلفين. وفيه فائدة أن استعمال الديوان والإحصاء مهم مما تضبط به الأمور، ولهذا اتخذه عمر رضي الله عنه بعد ذلك. قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، يعني أمره، ما لم ينزل فيه وحي الله. قال: وغزى رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والضلال؛ لأنه كان في الصيف، وثمار أهل المدينة ثمار صيفية. قال: رحمه الله، يعني في منتصف الصيف، وهذا هو وقت نضوج الثمار، وهو في نفس الوقت وقت شدة الحر، ولا يخفى على من عرف المدينة حر المدينة وما حولها، فإنه من أشد الحر. قال: وغزى رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار معهم، قال: فأرجع ولم أقضي شيئا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه. فلم يزل يتماد بي حتى اشتد بالناس الجد، يعني: إن شغل في أموره الخاصة، وكل مرة يقول: سأجهز نفسي، وهو يعبر عليه الوقت. وفي هذا درس عظيم في عدم التواكل، وعدم كذلك إلزام النفس وضبطها في استغلال الوقت وتقديم الأهم على المهمة. فإن كان عند الإنسان مهم فعنده وعنده ما هو أهم، فينبغي أن لا يكون على حساب الأهم. وكثير تفوت على الناس مصالح بسبب هذا؛ بسبب عدم ترتيب هذه الأولويات. قال: حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا. فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحقهم. فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقضي شيئا. ثم غدوت، ومعنى غدوت: يعني غدو كل صباح. فمر اليوم واليوم الآخر، ثم رجعت ولم أقضي شيئا. فلم يزل بي حتى أسرع وتفارط الغزو، يعني: أبعد عني بعيدا. ومعنى أنهم خرجوا لأيام مضت. قال: وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، يعني: عجلت. قال: فلم يقدر لي ذلك. فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء. ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك. فقال: وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه برداه ونظره في عطفه. فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله، ما علمنا عليه إلا خيرا. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومعنى أن أحدهم لم يعتذر له، بل جعل أنه انشغل بما معه مما يشغل من الدنيا. بردا، يعني: البردين، ونظره في عطفه، يعني: تزينه، وغير ذلك. وأما معاذ رضي الله عنه، فإنه أحسن الظن بأخيه، وقال ما قال دفاعا عن أخيه. وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن. وفي قول كعب: فقال رجل من بني سلمة، لطيفة وحسن أدب في كونه لم يذكر هذا القائل، لم يذكر هذا القائل. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم أن لا يرد الخطأ بالخطأ، فكل ابن آدم خطأ، ما أحد يكمل، ولكن حسن التصرف قد يكون سببا في إصلاح مثل هذه الأخطاء. قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا؟ واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي. وفيه: المشورة. قال: فلما قيل لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما، زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب. فأجمعت صدقة. وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما. وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين. وفيه: هذه السنة من سنته عليه الصلاة والسلام. وكما ذكر العلماء: مع ما فيه من البدء بالمسجد والصلاة فيه، كذلك التيسير على نفسه وأهله والناس؛ فإن الناس قد تعودوا السلام عليه، فيسلم عليهم في المسجد عليه الصلاة والسلام. قال: ثم جلس للناس. فلما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا. فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على نيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله. فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال: تعال. فجئت أمشي حتى جلست بين يديه. فقال لي: ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ يعني: اشتريت راحلتك التي ستسافر عليها في هذه الغزوة. قال: فقلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر. ولقد أعطيت جدلا، يعني: حسن منطق، أستطيع أن أجادل وأخرج به. وأجد لنفسي عذرا. قال: ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليشكن الله أن يسخطك علي. ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله. لا والله، ما كان لي من عذر. والله ما كنت قد أقوى ولأيسر مني حين تخلفت عنك. وفيه: صدق كعب بن مالك رضي الله عنه. وما وقع في القصة، فيه عظيم فضل الصدق على أهله. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك. فقمت. وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا. ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المتخلفون. قد كان كفاك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك. فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي. ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان، قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك. فقلت: منهما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمي الواقف. فذكروا لي رجلين قد شهدا بدرا، فيهما أسوة. فمضيت حين ذكروهما لي. وفي هذا دليل على أن الأعمال الصالحة لا تبطل كل الخطايا، فضلا أن يزعم أنه لا يبطله الكفر؛ وذلك لأن بعض من فيهم لوثة التكفير زعموا أن حديث حاطب بن أبي بلتعة فيه دليل على أن حاطب بن أبي بلتعة وقع في الكفر، ومنعه من الكفر كونه من أهل بدر. وهذا قول باطل؛ لأن الردة والكفر لا يمنعها عمل صالح، بل هي تبطل الأعمال الصالحة. الردة والكفر تبطل الأعمال الصالحة. قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: 65-66]، فالأعمال الصالحة تبطل بالكفر والردة. ولكن الصحيح أن فعل حاطب بن أبي بلتعة، رضي الله عنه، لم يكن كفرا ولا ردة ولا نفاقا أكبر، وإنما كان مما يسمى نفاقا، ولكنه أصغر. ولما كانت له سابقة غفرت له سابقته، وانغمر ذلك في بحر حسناته، رضي الله عنه، أرضاه. فلا يصح أن يقال: إنه وقع في ردة، ومنعه من الردة كونه من أهل بدر. هذا غير صحيح. ولهذا كان الصحيح التفصيل بمسألة موالاة الكافرين؛ فإن من معاني الموالاة ما هو كفر، ومنه ما هو معصية، ومنه ما هو معصية. ولا يصح أن يقال: إن كل موالاة كفر أكبر مخرج من دين الإسلام. هذا باطل. فإذا كان هذا الذنب والتخلف عن غزوة تبوك استوجب التوقف في أمر من شهد بدر، فكيف يزعم أن ذلك كفر، ولم يبطل العمل الصالح؟ وهذا باطل. قال: رحمه الله تعالى: فذكروا لي رجلين قد شهدا بدرا، فيهما أسوة. فمضيت حين ذكروهما لي. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا، أيها الثلاثة، من بين من تخلف عنه؛ لأنهم صدقوا. وهكذا يكون الصدق فيه امتحان، لكن عاقبته حسنة بالدنيا والآخرة. وأما أهل النفاق، فقبل منهم عذرهم، ولكن في نهاية الأمر فضحهم الله بآيات سورة التوبة، التي تسمى بسورة المنافقين الكبرى. قال: فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي، وفي رواية: بضعة وخمسين، قال: فاستكنا أو فاستكانا، وقعدا في بيتهما يبكيان. ومعناه: ما خرجا، لزما السكون. قال: وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، يعني: سني أصغر. فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد. وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ واستدل العلماء بهذا في هذا الحديث على مشروعية هجر أهل المعاصي، ومن باب أولى أهل البدع. قال النووي، رحمه الله، في شرح هذا الحديث: قال: وهو أصل في هجر أهل البدع والأهواء. في هجر أهل البدع والأهواء. قال: رحمه الله: قال: ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاة أقبل إلي، يعني: ينظر، وإذا التفت نحوه أعرض عني. حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائطة بقتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي. فسلمت عليه. فوالله ما رد علي السلام. فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلمني يحب الله ورسوله؟ فسكت. فعدت له فنشدته، فسكت. فعدت له فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، يعني: كون أحب الناس إلي يقول هذا، وهو يعرفني أني أحب الله ورسوله. قال: ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، يعني: جدار البستان، الحائط. قال: فبينما أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان. فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة. فالحق بنا نواسيك. فقلت لما قرأتها، وهذا أيضا من البلاء. وفيه كذلك معنى من معاني ومواضع تربص الأعداء بالمسلمين. فإذا كان هذا مع قلة وسائل نقل الأخبار في ذاك الزمان، وهم حريصون على أن يأخذوا أهل الحق ويصرفوهم عن الحق، فكيف بهذا الزمان مع كثرة الوسائل التي يكون بها التجسس والاطلاع على أحوال المسلمين، وإفسادهم وصرفهم عن الحق؟ ولهذا فينبغي أن يكون المسلم على حذر؛ فإنه قد يصرف عن الحق من حيث لا يشعر، قد يصرف عن الحق من حيث لا يشعر. قال: فقلت: وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور، فسجرته بها. حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها. وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك. فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع، ليس له خادم. ومعناه: يضيع إذا لم يجد من يخدمه من أهله، تريد نفسها. فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا يقربك، يعني: لا يأتيكما كما يأتي الرجل امرأته. قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء. والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. ومعناه: همه وحزنه بما ابتلاه الله به شغله عن كل شيء. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنت فيها؟ وأنا رجل شاب. وفيه كذلك هذا الأدب في أن ينزل المسلم نفسه منزلته، فلا يطلب شيئا لا يستحقه، فهو من العدل مع النفس. قال: فلبيت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا. فلما صليت صلاة الفجر، صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا. فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت. سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر. قال: فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج. وفيه: هذه السنة، وهي سجدة الشكر لمن بلغه ما يقتضي شكر الله سبحانه وتعالى. قال: وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر. فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون. وركض إلي رجل فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، يعني: قبل أن يصل الفرس. وكان الصوت أسرع من الفرس. فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، يعني: كانت عادة الناس أن المبشر يهدى له شيء. قال: والله ما أملك غيرهما يومئذ. واستعرت ثوبين، فلبستهما. وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيتلقان الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة، يقولون: لتهنك توبة الله عليك. قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، حوله الناس. فقام إلي طلحة بن عبيد الله، لا يهرول، حتى صافحني وهناني. والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره. ولا أنساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك. قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله، أم من عند الله؟ قال: لا، بل من عند الله. يعني: هل نزل في ذلك وحي أم أنه يعني منك رأيت شيئا يقتضي ذلك؟ فقال: بل من عند الله، يعني: نزل وحي. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه، حتى كأنه قطعة قمر. وكنا نعرف ذلك منه. فلما جلست بين يديه، قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك. وفيه كذلك الوصية والنصح للمتصدق إذا كان حفظ ماله أنفع له، ولا ينافي ذلك العز على الخير وحب الصدقة؛ لأن أعظم الصدقة الصدقة على النفس والأهل. فإذا كان المتصدق هو أحوج، فينصح بما هو أبر البر. قال: قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. قال: قلت: يا رسول الله، إن الله إنما نجانا بالصدق. وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت. فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني. ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذبا. وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت. وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: 117] إلى قوله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]. فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا. فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال تبارك وتعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 95] إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 96]، يعني: الآيات من سورة التوبة. قال: وكنا تخلفنا، أيها الثلاثة، عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم. وأرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه بذلك. قال الله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: 118] الآية. وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه، فقبل منه. قال: وأخرجه مسلم. وهذا الذي ذكره، رحمه الله، قال به بعض أهل التفسير، وهو قول، وقول آخر. وكل المعنيين يصح به معنى الآية: أي وعلى الثلاثة الذين خلفوا، أي تركوا. ويكون هذا فيه كذلك حسن تعبير من أدب القرآن الذي نتأدب به، أن نذكر من وقع في مثل ذلك بهذا التعبير. فلم يذكروا بأنهم تخلفوا، وإنما قال: خلفوا. قال: خلفوا، يعني: كأن الجيش تركهم خلفهم. كأن الجيش تركهم خلفهم. وهذا من أدب القرآن في التعبير. فأنت كذلك تستفيد هذا الأدب في التعبير إذا أردت أن تذكر أحدا في تقصيره في الخير، فلا تذكره، ولكن أذكر من تأخر عنهم بأنهم تركوه. وهذا ألطف في التعبير، وهو من أدب القرآن. وكلا التفسيرين صحيح، يحتملهما النص، يحتملهما النص. وهذا الحديث كما رأينا فيه مسائل عديدة. ومن أهمها ما أشار إليه الشيخ مما هو من دلائل نبوة صدق رسالة عليه الصلاة والسلام في هذه القصة؛ إذ نزل الوحي فصدق هؤلاء الثلاثة، وأيد رسوله بالغيب الذي لم يعلمه، فأعلمه الله به. وكان في هذا ما كان من خبر هؤلاء الثلاثة، وفضح المنافقين. ومن أعظم ما فوائده: ما ذكر، فضل الصدق وأهميته في حال المسلم في الدنيا والآخرة. وما ذكر في ثنايا قراءة هذا الحديث الطويل بعض تلك الفوائد والمسائل التي أشير إلى أهمها. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. قال: ذكرت أن عبد الرحمن هو أخو عبد الله بن كعب، والذي في السند أنه ابنه. لا، الآن عندنا عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك. نعم، إذن هذا يروي عن أبيه. ويوجد عبد الله بن كعب بن مالك، وعبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك. لكن انظروا هل هذا صواب؟ هل هو عبد الرحمن بن كعب؟ هو عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب. الحديث في الصحيح، ينظر إن شاء الله: هل هو من رواية عبد الرحمن عن أخيه، أو عبد الرحمن عن أبيه؟ لأن هناك اثنان: عبد الرحمن. فنتأكد إن شاء الله من السند. طيب، إلى هنا والله تعالى أعلم. شكرا.