الدرس في القواعد والأصول الجامعة 5، الدرس الخامس : تكملة لما سبق . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول المقطع الأول تنبيهات حول أهمية القاعدة الفقهية وأدلتها من الأحاديث والقواعد الأخرى، بينما ناقش المقطع الثالث قواعد فقهية متعلقة بالمفاسد والمصالح مثل درء المفسدة وجلب المصلحة.
المقطع الثاني شرح قاعدة ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أشدها، مستشهدا بأمثلة من الشريعة الإسلامية مثل قتال الكفار وتقديم العشاء للصائم.
المقطع الثالث استعرض عدة قواعد فقهية هامة مع أدلة من القرآن والسنة، بينما ألمح المقطع الرابع إلى قواعد التفسير وأهمية تفسير القرآن بالقرآن وأقوال الصحابة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. طيب، قبل أن ندخل للقاعدة الثانية، ينفذ تنبيه يتعلق بذكر بعض الأحاديث التي كذلك تدل على معنى هذه القاعدة عموما. والتنبيه الثاني يتعلق بذكر بعض القواعد الذي يدلنا على أهمية هذه القاعدة وسعتها، وأنها أشمل القواعد، ولهذا أحال بعض أهل العلم جميع القواعد الفقهية إليها. أما التنبيه الأول، والأحاديث كثيرة من هذه الأحاديث، وقد مرت معنا بعض هذه الأحاديث فيما سبق. من هذه الأحاديث التي مرت معنا حديث النبي عليه الصلاة والسلام «لا ضرر ولا ضرار»، فإنه يدل على هذه القاعدة، قاعدة، بل هو دليل هذه القاعدة. ومر أنه جاع أكثر من عشرة من الصحابة، وهو مجموع ضرورقه حسن. وهكذا حديث أبي هريرة في صحيح مسلم «المسلم أقول مسلم لا يظلمه ولا يحتره»، وهو يدل على هذه القاعدة. وهكذا حديث عبد الله بن عمر «المسلم أُنْسَلِمُ المسلمون من لسانه ويده». وهكذا كذلك حديث فضالة «المؤمن من أمنه الناس على أنفسهم وأموالهم»، وهو صحيح كذلك في السنن عندما يرى صحيح. وهكذا من هذه الأحاديث ما في الصحيحين، الحديث به غيره «لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا فضل الكلاء». وهكذا حديث «الناس شركاء بثلاثة»، وحديث «لا يطب الرجل على خطة أخيه إلا أن قالوا لا تسأل المرأة طلاق أختها»، الحديث وهو في مسلم، الحديث به غيره. وحديث «لا يبيتن رجل عند امرأة إلا أن يكون ناتحا أو ذا محرم»، رواه مسلم، الحديث جابر عبد الله. وهكذا حديث ابن عباس «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم منها»، لا يتسافر المرأة إلا مع ذي محرم منها. وهكذا حديث «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه»، هذه بغير بالصحيح. وهكذا حديث كثيرا، فهذه كلها تجل على أن هذه القاعدة في الحقيقة تدخل أكثر أبواب الشريعة. أما التنبيه الثاني إلى بعض القواعد التي تدخل في معنى هذه القاعدة، فعلى سبيل المثال للحصر، قاعدة تعارض المصالح، أنه إذا تعارضت مصلحتان قدم أعلاها. إذا تعارضت مصلحتان قدمت أعلاها، واستدل العلماء لهذه القاعدة بقول النبي عليه الصلاة والسلام «إذا قيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». عندنا الآن صلاة نافلة وصلاة فريضة، فقدمت الفريضة على النافلة. والحديث مسلم، الحديث أبي هريرة. وهذا لكذلك قاعدة إذا تعارضت مفسدتان ارتكب أخفها لدفع أشدها ضررا. واستدل العلماء له بقول الله عز وجل ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾، فالقتال فيه مفسدة، ولكن مفسدة الكفر وانتشاره أعظم من مفسدة الجهاد والقتال، فارتكب الأخف لدفع الأشد. وبهنا نعرف أن الأشد والأخف ليس بالعقل، ولكن الأشد والأخف بالشرع. ومن حديث النبي عليه الصلاة والسلام «إذا قيمت الصلاة وأحدكم صائم فليبدأ بالعشاء قبل صلاة المغرب ولا تعجلوا على عشائكم»، والحديث رواه بن حبان عن أنس، وصححه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله. وهكذا الحديث «إذا دخلت الصلاة وأراد رجل الخلاء فليبدأ بالخلاء»، والحديث رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو داود من حديث حذيفة بن اليمان، وصححه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله. وفيه تعارض هاتان المفسدتان: مفسدة ترك الصلاة، ومفسدة ترك العشاء، واجتياط النفس مع جوع الصيام والقيام عن ذلك، فأمرنا بارتكاب أخف المفسدتين. وبه نعرف أن الأخف والأشد ليس بالعقل؛ لأن العقل قد يقول العبادة أفضل من العادة. لكن الشرع دلنا أن المسألة ليست بالعقل. وفسرها العلماء بأن القيام من العشاء يضيع العشاء ويضيع الصلاة؛ لأنه لو دخل إلى الصلاة وهو متعلق بالعشاء صار غير مبال بالصلاة، يريد انتهاءها، فلم يعقلها ولم يتمها ولم يحسن فيها. وبه نعرف أن الأخف والأشد كذلك ليس بحسب أفراد الناس، ولكن الحكم بعموم المسلمين؛ لأنه قد يقول قائل: أنا إذا دخلت في الصلاة ما أنشغل. يقال: هل أنزل القرآن لأجلك أنت؟ وهل أنزلت السنة لأجلك أنت؟ لا، الأحكام الشرعية نزلت للمسلمين عموما. وهكذا كذلك إذا أراد الإنسان الصلاة وأراد الخلاء، فإن الأخف والأشد لا يعرف بالعقل. وفصلوا للعلماء بأنه إذا دخل في الصلاة فهو يريد الخلاء، فهو في الحقيقة أفسد على نفسه عدم دخوله للخلاء وأفسد على نفسه أمر الصلاة، فارتكب أخف المفسدتين. ومن حديث الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد، فنهاهم النبي عليه الصلاة والسلام عن زجره، وهذا ارتكاب لأخف المفسدتين؛ لأنه لو زجر صار هذا سببا في ماذا في الإضرار بالرجل، وفي تلويث بقعة جديدة، وفي تلويث الرجل لجسده وثيابه، وفي كراهيته وعداوته لأهل المسجد، وغير ذلك من المفاسد الأخرى، فارتكب أخف المفسدتين لدفع أشدهما ضررا. وهكذا من هذه القواعد قاعدة «العادة والأصل درء المفاسد أولى من جلب المصالح»، درء المفاسد أولى من جلب المصالح إذا تعارضت مفسدة أو مصلحة. فإننا نقدم درء المفسدة على جلب المصلحة، واستدلوا له بقول الله عز وجل ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. سب آيات المشركين، وكذلك التنكيل بهم ببيان عوارهم، هذا من الجهاد في سبيل الله، ومن القربات العظيمة. ومع ذلك إذا كان بهذا مفسدة على المسلمين بسبب الله عز وجل، وما يكون معه من مفسدة، فإنه لا يفعل ذلك. وهكذا حديث عائشة في مسلم «لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها من الحديث». وهذا قائم كذلك على هذه القاعدة درء المفاسد أولى من جلب المصالح. أراد النبي عليه الصلاة والسلام هذه المصالح الثلاث، ولكنه تركها درءا للمفاسدة، وهو افتتان أهل مكة؛ لأنهم حديث عهد بإسلام. وهكذا من هذه القواعد «الضرر لا يزال بالضرر». واستدل له بحديث أبي هريرة «إني نهيت عن قتل المصلين»، وقوله عليه الصلاة والسلام، والحديث في السنن، وهو حسن «لا يقتلن الناس إن محمدا يقتل أصحابه»، فالضرر لا يزال بالضرر. ومن هذه القواعد «الضرورات تبيح المحظورات»، فهي تندرج تحت هذه القواعد. ومنه الآية ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم، فلا إثم عليه. وهكذا من القواعد قولهم «لا واجب مع عجز، ولا محرم مع ضرورة». فلا واجب مع عجز، حديث عمران بن حصين، قال له النبي عليه الصلاة والسلام «صلي قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب». ولا محرم مع ضرورة، ودليله ما سبق في القاعدة التي قبلها. وهكذا من هذه القواعد «الضرورة تقدر بقدرها»، يعني أن الإنسان ينبغي أن يقدر الضرورة بالقدر الصحيحة. وبعضهم يعبر «الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها»، يعني إذا تساوت الضرورات والمحظورات، فإنه لا يرتكب في ذلك المحظورة لدفع الضرورة، مثل رجل قيل له: اقتل فلان أو نقتلك، فهل يقتله ليدفع عن نفسه الضرورة؟ الجواب لا؛ لماذا؟ لأن ليست نفسه أولى من نفس أخيه المسلم. فالضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها. طيب، أما إذا تساوت فلا. وهذا ذلك منه الزنا بالمرأة المسلمة، بل هذا أعظم، لا يجوز له أن يدفع عن نفسه القتل بالزنا بالمرأة العفيفة. فهذا مما يدخل في هذه القاعدة الضرورة تقدر بقدرها. وجليله الآن ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾، فسر البغي والعدوان بأنه الاستحلال، وبأنه التجاوز للحلال إلى الحرام. ووساه عبد الله بن عباس بعدم الشبع من الميتة، وهذا من التفسير ببعض المعنى. فهذه مجموعة من القواعد، وغيرها قواعد كثيرة، أشار إليها العلماء.