الدرس في جواهر البلاغة 16، الدرس السادس عشر:من( فأما الخطب بين السماطين وفي إصلاح ذات البين ... ليست بخفة اللسان وكثرة الهذيان ولكنها إصابة المعنى والقصد إلى الحجة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث الشيخ عن أهمية الاعتدال والتوسط في بلاغة الخطب وإصلاح ذات البين، مع ضرورة الإكثار من الكلام وتجنب الخطل والإطالة المملة. يبرز المقطع أهمية هذه الجوانب في تحقيق الفعالية المطلوبة.
يتناول المقطع فن الخطابة وبلاغة الكلام، مشيرًا إلى أهمية اختيار الاستهلال المناسب والاعتدال في الإيجاز والوضوح مع مراعاة الحال والمقام. كما يتناول بعض الآراء حول التعامل مع الانتقادات.
يشرح المقطع خصائص البلاغة في الكلام، مؤكدًا على أهمية الإيجاز وإصابة المعنى وتجنب كثرة المجاز واختلال تركيب الجمل. يشير أيضًا إلى ضرورة تناسب بداية الكلام ونهايته.
يختتم الشيخ الدرس بذكر بعض التفاصيل التي سيتم تركها لطولها، ويشكر المشاهدين على المتابعة. يظهر هذا الختام تقدير الشيخ لجمهوره واستمرارية التواصل معهم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مرة معنا في الدرس الماضي شيء من أقوالي ذي النبوغ والعقرية في البلاغة. نعم، من يذكر قول قدامة بن جعفر؟ لبست البلاغة ثلاثة مذاهب. نعم، فما هي؟ مطابقة اللفظ للمعنى، نعم، والإشارة من المتكلم، نعم، وسبب الكلام، نعم. لكن البلاغة حصلت من المتكلم، نعم، وهو قلة اللفظ وكثرة المعنى، نعم. الترادف أحسن من التكرار، نعم، لأن الترادف يدل على معنى غير معنى الحشو. ترادف الأحسن من تكرار، نعم، أو ليظهر المعنى؛ لأنه ليس دائمًا يكون للذكاء أو للغباء، قد يكون هناك اعتبارات أخرى بمقام الكلام، كما مر معنا في الخطب. الخطبة التي فيها مدح قد تحتاج إلى تكرار، نعم. وما معنى قول جعفر بن يحيى: إن البيان ما كان اللفظ محيطًا بمعنى كاشفًا عن مغزاك وتخرجه من الشركة؟ أبا عبد الله، نعم. الشركة كائنة، نعم. المشترك يعني من الألفاظ والعبارات ما له أكثر من معنى وبرية من التعقيد، نعم. تعقيدًا لفظيًا أو معنويًا. وما معنى قولهم: إنه لا يكون اسم البلاغة بلاغة حتى يسابق معناه لفظه ولفظه معناه؟ يكون ذاك هذا معناه سهل، أو عبارة أخرى سهل؛ لأنه سهل لفظ عام، قد يكون السهل عشرين كلمة موجز، نعم. الإشارة والإلماح فيسبق اللفظ المعنى، طيب. حتى يسابق معناه لفظه، العكس يسابق المعنى اللفظ متى؟ عند الطول، عند طول الكلام، فالمعنى يصل واللفظ ما زال متأخر، الرجل لا يزال يتكلم. وسبق معناه، أمثلته أسويل ابن المقفع، أخذناه؟ طيب. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فأما الخطب بين السماطين، أي: وأما البلاغة في الخطب. فينبغي أن تكون على قاعدة بين السماطين، وهي لفظة يؤتى بها ومثل يضرب لمن مشى متوسطًا أو وقف متوسطًا بين شيئين متكافئين، كمن مشى بين نخل أو مشى بين قوم وقوف من الرجال، أو وقف في جوف خندق أو نحو ذلك. يعني أن يكون أمر الخطب، البلاغ فيها أن يقف منها موقف ما بين السماطين، يعني جانبي الشيء الواحد من نخل أو ناس أو غير ذلك. وأصل السماط مأخوذ من السير. قال: وفي إصلاح ذات البين، فالإكثار في غير خطل، يعني: القاعدة في بلاغة المتكلم في إصلاح ذات البين أن يكثر من الكلمات، والأحسن أن نقول: ماذا؟ كما مر معنا قبل قليل، أن يردف، أن يردف؛ لأن العربية في الحقيقة ليس فيها تكرار وإكثار، لكن الغالب إذا كان الكلام بليغًا يكون فيه إرداف من تأكيد لفظي أو معنوي ونحوه، يعني يأتي بالأدلة، مثلًا من القرآن آية تلو آية في فضيلة الصلح، صلاح ذات البين، وحديث تلو حديث، وهكذا محاسن ومساوئ يحذر منها، فالمطلوب الإكثار. وقوله: في غير خطل، المراد بالخطل ما ينافي السلامة والكمال من فحش لفظي أو معنوي أو فساد لفظي أو معنوي. قال: والإطالة في غير إملال، كذلك أن يطيل، لكن باعتدال حتى لا يمل القوم فيكره الصلح. قال: وليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك، وهو ما يسمى ببراعة الاستهلال. وكان العرب يحبون ذلك، وهنا يبقى المسلم والسني على وجه الخصوص أحيانًا موقف المتحير فيما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام من استفتاح خطبه، خطبة الحاجة، وبينما أثر عن بعض الخطباء والنبغاء من استهلال الخطبة بشيء مما دل عليه صنيع العرب، وهو استفتاحها بمعنى فيه براعة الاستهلال. فمثلًا خطبة العيد في مقدمتها ما يشعر أنها خطبة عيد، وخطبة الجمعة ما يشعر أنها خطبة جمعة، وخطبة الاستسقاء ما يشعر أنها خطبة استسقاء، وهكذا، كذلك ربما أدق من ذلك خطبة في الصبر غير خطبة في الابتلاء، غير خطبة في الشكر، وهكذا. فيمكن أن يجمع بين الأمرين بأن يقال: يكثر من الاستفتاح بخطبة الحاجة على ما وردت به الأدلة، وهو الأكثر، وأحيانًا بغيرها، ولا مانع أن يتخلل خطبة الحاجة ما يدل على المقصود في مستفتح الكلام بعد خطبة الحاجة، مع التنبه إلى أنه ينبغي أن يعلم أن لا يكون لا ينبغي أن يكون للكلام استفتاحان. فمثلًا قول القائل: «أما بعد» هو للفصل بين مقدمة الكلام وموضوعه، ومعناه: مهما يكون من شيء بعد، فهو ما سيأتي. وبعض الخطباء ربما يكررهم مرتين، يجعلوا بعض خطبة الحاجة ثم يبدأ يعيدها مرة أخرى إذا دخل في المقصود، وهذا خطأ. قال رحمه الله تعالى: وليكن بصدر كلامك دليل على حاجتك، فقيل له: فإن مل المستمع الإطالة التي ذكرت أنها حق، قال: إذا أعطيت كل مقام حقه وقمت بالذي يجب من سياسة ذلك المقام وأرضيت من يعرف حقوق الكلام، فلا تهتم لما فاتك من رضى الحاسد والعدو؛ فإنه لا يرضيهما شيء. وأما الجاهل فلست منه، وليس منك. وقد كان يقال: رضى الناس شيء لا ينال. وهذا الكلام نقله بتصرف واختصار من كتاب «البيان والتبيين». وإلا فقد أشار هناك إلى أشياء أخرى ومباحث، وأراد المؤلف هنا رحمه الله أن يقتبس هذه الفقرات، بما فيها إشارة إلى ما ينبغي أن يعتني به الخطيب والمتكلم. فخلاصته: لو تأملته وجدت أنه يدور حول التعريف الذي تقدم في أمر الكلام البليغ، وهو ما قام على أربعة أمور. ما هي هذه الأمور الأربعة؟ تعلق بالكلام البليغ: سلامة الألفاظ، سلامة الألفاظ والمعاني، والوضع، وموافقة الحال والمقام، نعم. طيب، وهذا الكلام ظاهر الذي ذكره رحمه الله. فالإنسان ينبغي أن يعتدل في كلامه، أن يعطي كل مقام ما يليق به، وخير الكلام ما قل ودل، هذا هو الأصل. فإذا احتاج إلى شيء من التذييل والإطناب ومرادفة الكلام بما يؤدي المقصود من إدخال قناعة عند متشكك أو متردد، أو كذلك من كثر عليه التشويش، فلا بأس في ذلك؛ فلكل مقام مقال. ومع ذلك فلن يكمل إنسان هذا المراد؛ لأن الإنسان قد يقع منه تقصير أولًا لنقصه، وهذا لا ينكره إلا جاهل. وثانيًا كذلك لكثرة المخالفين له. ولهذا قال في آخر الكلام: أن الإنسان لا يبالي بعد ذلك بمخالفة عدو وحاسد، ومتابعة هؤلاء أمثالهم من الجهال يعني في الانتقاد. فإنسان لا يبالي، يحاول يجتهد في الوصول إلى المقصود، ولا يبالي بعد ذلك. قال رحمه الله تعالى: وقال ابن المعتز: «أبلغ الكلام ما حسن إيجازه، وقل مجازه، وكثر إعجازه، وتناسبت صدوره وأعجازه». وهذا الكلام لم أقف عليه أنه لابن المعتز، ولكنه ينسب لعلي بن عيسى الرماني، كما ذكر ذلك صاحب «زهر الآداب وثمر الألباب»، فنسبه لعلي بن عيسى الرماني. وهكذا ذكر منسوبًا لغير معروف، كما ذكره أبو منصور الثعالبي، عبد الملك بن إسماعيل. قال: وذكر بعضهم، ثم ذكر هذا المعنى. ومعنى هذه العبارة: «أبلغ الكلام» يعني ما وصل إلى المنتهى في البلاغة؛ لأن أبلغ من صيغ التفضيل. «ما حسن إيجازه»؛ لأن بعض الإيجاز فيه خلل، فالمقصود من الإيجاز ما كان فيه إحسان، فهذا هو الأبلغ. «وقل مجازه»؛ لأن كثرة المجاز هو من أسباب وقوع الخيال في المعنى حتى يختلط الحقيقة بالوهم، ولا يكون الكلام واقعيًا. «وكثر إعجازه» يعني من قوة اللفظ وتأكيد المعنى. «وتناسبت صدوره وأعجازه» إن كان بيتًا من الشعر ما في اختلال، وإن كانت خطبة أو كلمة كذلك، ليس بين أولها وآخرها اختلال، تبدأ بقوة وتنتهي بقوة، بخلاف إذا ابتدأت بقوة وانتهت بضعف، أو ابتدأت بضعف ثم انتهت بقوة. وكل هذا يحصل للمتكلم أحيانًا يشعر به، وأحيانًا لا يشعر به. وفي كلا الحالتين المقصود إصلاح هذا الخلل ليصل المتكلم بكلامه شعرًا أو نثرًا إلى الأحسن والأكمل في ذلك. ومن باب الفائدة: ابن المعتز هو من الشعراء العباسيين المتأخرين، وشعره يذكرونه كثيرًا في كتب الأدب، وسيمر معنا بعضه. وكان فيه نصب، يعني كان يميل إلى المذهب الناصبي. وهذا على خلاف أصله، وهو مع ذلك له صلة بالعباسيين، بل قد كاد أن يكون أحد ملوكهم، وقتل بسبب ذلك. والشاهد أن في شعره الكثير من الاقتباس أو السرقة، فكان يتمثل بشعر من كان قبله، وهذا ما يعد من البليغ؛ كون أن الإنسان يأخذ كلام غيره، فإن هذا مما يذم خصوصًا إذا نسبه لنفسه. قال: وسمع خالد بن صفوان رجلًا يتكلم ويكثر الكلام، فقال: اعلم رحمك الله أن البلاغة ليست بخفة اللسان وكثرة الهديان، ولكنها بإصابة المعنى والقصد إلى الحجة. يعني أن الإنسان ينبغي أن يكون في كلامه شيء من الإيجاز مع وصول للمقصود؛ فكثرت الكلام مذمومة. وبعضهم يقول في هذا المعنى: أبلغوا الكلام ما لم يكن بالقروي المجدع، ولا البدوي المعجم. وسمي القروي المجدع يعني المقطع الأطراف. القروي قد يأتي بكلمات مقطوعة لقلة فصاحته، فربما يسعف عبارة بكلمة لا تناسبها، يأتي بعبارة ولا تسعفه كلمة تناسب المقام، فيلحقها بكلمة ليس منها، مثل الأعجمي إذا تكلم، ربما يضع الفعل غير المناسب في موضع الفعل الآخر. فربما تقول: إيش هذا؟ ماذا تريد؟ ويقول لك: بعضهم الزايد الناقص من عندك كمل، المهم أنا أعطيتك الذي أريد، والباقي كمل. فهذا المجدع. وهكذا كذلك ليس من البلاغة البدوي المعجم؛ لأنه قد يكون فيه شيء من وعورة الألفاظ، ما يورث شيء من القصر. فالمقصود هو استيفاء اللفظ والمعنى، لا يسبق أحدهما الآخر قدر المستطاع. ومن محاسن الكلام المنقول في ذلك العبارة المشهورة لعروة وهو يعظ أبناءه، رحمه الله، قد تناقلها كتاب الأدب، فقال لبنيه ويعظهم: «تعلموا العلم؛ فإنكم إن تكونوا صغار قوم فعز أن تكونوا كبار قوم آخرين». ثم قال: «بآبائهم أشبه». ثم قال: «إن الناس بآبائهم أشبه منهم بأزمانهم». نعم، «إن الناس أشبه بأزمانهم منهم بآبائهم». وإذا رأيتم من رجل خلة فاحذروه، وأعلموا أن عنده لها أخوات. ومراده رحمه الله أن العلم يهذب ويربي، وأن فضل الآباء لا يبقى؛ فإن بقاء الإنسان في مجتمع قد يضره ويؤثر فيه، فالإنسان يتأثر بمجتمعه الذي يعيش فيه أكثر من تأثره بالخير الذي كان عليه الآباء. وهي عبارات لو تدبرتها قد استوفت معاني في ألفاظ مختصرة. قال رحمه الله تعالى: وقال بشر بن المعتمر، نعم. هذا نتركه إن شاء الله؛ لأنه طويل. شكرًا للمشاهدة.