الدرس في شرح أصول السنة 25، الدرس الخامس والعشرون : ( ومن انتقص أحداً من أصحاب رسول الله ... ويكون قلبه لهم سليما ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ على وجوب احترام الصحابة وعدم انتقاصهم، مستندًا إلى أقوال الإمام أحمد وأحاديث النبي محمد. من ينتقصهم يعتبر مبتدعًا حتى يترحم عليهم جميعًا ويكون قلبه لهم سليمًا.
يجب على المسلمين الكف عن انتقاص الصحابة وذكرهم بالجميل لأنهم أفضل الناس بعد رسول الله. النصوص الشرعية تأمر بذلك وتحذر من الطعن فيهم أو ذكر مساوئهم.
يُنبه الشيخ إلى أن رواية الأخبار التي تنتقص الصحابة دون تمحيص ليست من طريقة أهل السنة، ويجب التعامل معهم بالإجلال والأدب وذكرهم بالجميل. يجب أن يكون القلب سليمًا تجاههم ولا يجوز انتقاص أحد منهم.
يجب على من لديه سوء نية تجاه أحد الصحابة أن يعالج نفسه بقراءة فضائلهم وسماع ثناء العلماء عليهم. هذا يساعد في تصحيح النفس واتباع مسلك أهل السنة والجماعة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: «ومن انتقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو أبغضه لحدث، وفي نسخة: «بحدث»، قال: «كان منه»، أو ذكر مساوئه، كان مبتدعًا حتى يترحم عليهم جميعًا، ويكون قلبه لهم سليما». أورد رحمه الله تعالى هذا الفصل، والأصل كالتتمة لما سبق من الكلام على فضل الصحابة، وهو كذلك مناسب في هذا المقام بعد أن ذكر إمامه الراشدين؛ لأنه قد يطعن بعض أهل الأهواء بفعل بعض الإمامة، فأراد أن يبين أنه لا يجوز أن ينتقص أحد من الصحابة، لو قدر أنه وجد سبيلًا للانتقاص، مع أنه لا سبيل إلى ذلك. وقد مر معنا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». فنهى عن سبهم بأي نوع من أنواع السب، بقول أو بفعل، بحركة، بصورة صريحة أو صورة خفية، لا يجوز أن يسبوا ولا أن ينتقصوا. فمن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الصحابة لا يذكرون إلا بالجميل، لا يذكرون إلا بالشيء الحسن، لا تضرب لهم وبهم أمثلة السوء، ولا كذلك يذكر شيء مما يكون فيه الطعن والانتقاص لهم. ولهذا قال: «ومن انتقص أحدًا»، والانتقاص يكون بعدم إعطائهم الحق، فحقهم أن يثنى عليهم ويذكروا بكل خير، كما أثنى الله عز وجل عليهم بكتابه، ورسوله عليه الصلاة والسلام بسنته: «والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، رضي الله عنهم ورضوا عنه». وهكذا كذلك الآيات والأدلة من السنة كثيرة، وقد سبق في فصل خاص متقدم. فالمقصود أنهم لا ينتقصون، ولا يذكرون بشيء مما يقدح فيهم أو ينقص من قدرهم. مسألة الرجم من هذا الباب، وكل ما كان مما يعنيه أو أول من فمن باب أولى، فلا يزعم أن الصحابة أو بعض الصحابة أخطأ في ذلك أو أنه كذلك أحدث في ذلك شيئًا. بل الصحابة إن كان الواحد منهم أخطأ، له عذر، أي لسائر الناس، فالصحابة لهم عذر أوفر، إذا كان الاجتهاد في حق غيرهم يوقعهم بين الأجر والأجرين، فالصحابة لهم أوفر حق ونصيب. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر». فإذا كان هذا في كل أحد، فكيف بالصحابة الذين لهم السابقة، والذين أثنى الله عز وجل عليهم، ورضي رسوله عنهم، وغير ذلك من الفضائل والخصائص التي اختصوا بها. وما يدعيه مما قد ينتقص أو ينتقص منتقص أحدًا منهم، فيقال: إن ما عندهم من السابقة، وما لهم من الفضل، مكفر للنقص إن ثبت عنهم نقص، فكيف وهم لم يثبت عنهم نقص محقق، بل هم بين الأجر والأجرين، هم بين الأجر والأجرين. فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا عمر، إنك لا تدري، لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم». وكما قال ابن القيم، رحمه الله تعالى: «الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث»، فإن من الناس من له من الفضل ما بلغ القلتين، فلا يضره الخبث بعد ذلك. فالبحر بكثرة مائه، والطهور ماؤه، ماذا الحل ميتته لو وقع فيه ما وقع، ما تنجس البحر، وما ضره شيء. وهكذا إذا بلغ الناس في الفضل منزلة، ورب هذا الفضل يكون مكفرًا لما هو محقق من الخطأ إن قدر تحققه. فكيف وقد بلغ الصحابة أعلى مراتب الفضل؟ فليس أحد بنص الكتاب والسنة أفضل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من صحابته، فهم أفضل الناس. وكيف كذلك إذا انضاف أنه لم يثبت في حقهم شيء مما يبطل النقص المحقق؟ وأكثر ما ينقل عنهم مما يراد القدح فيهم هو من الكذب والاختلاق والافتراء، أو هو مما صاحبه بين الأجر والأجرين. فعين بهذا أنه لا سبيل لانتقاص أحد منهم، فكيف إذا ازداد إلى ذلك أن النصوص الشرعية جاءت بأمر الكف عنهم، وأن لا يذكروا إلا بالجميل، لا يذكروا إلا بكل خير؟ والذين جاءوا من بعدهم يقولون: «ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان». هذا الذي يجب على من بعد الصحابة أن يقولوا: «ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان»، لا نزيد على ذلك. وقوله: «أو أبغضه بحدث أو لحدث» يعني: إذا كان بالباء يبغض الصحابة بظن أنهم وقعوا في بدعة، وهذا شيء شنيع أن يتهم الصحابة بهذا الاتهام. أو أبغضه لحدث لكون المتهم والمبغض عنده بدعة، ولبدعته صار عنده البغض، فإنه يكون من المبتدعين، الأول أو الثاني، الأول لأن الله أثنى عليهم، ورسوله برأهم من البدعة، برأ الصحابة من البدعة. قال عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». وقال: «كلها في النار إلا واحدة»، جاء في رواية سندها فيه ضعف، ومعناها صحيح: «هم على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي». وقال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، وأول المؤمنين في هذه الآية هم الصحابة. وقوله: «كان منه أو ذكر مساوئه»، كان منه، إما الضمير يعود إلى المبغض، وإما الضمير يعود إلى الصحابة، والصحابة مبرؤون من أن يقع منهم حدث، يعني يكون شيء مدعى ومفترى عليهم، وإما يكون من صاحب البغض، وهو هذا الذي وقعت منه البدعة، فهذا يوجب له الحكم بالبدعة، وأنه لا يسلم حتى يترحم على الصحابة جميعًا. وقوله: «أو ذكر مساوئه»، كذلك ذكر شيء من مساوئ الصحابة يعتبر إخلالًا بأصل من أصول أهل السنة، فلا يطعن في عثمان، ولا في معاوية، ولا في غيرهما، رضي الله تعالى عنهم جميعًا وأرضاهم. فمن طعن في أحد من الصحابة، فإنه في الحقيقة ليس على أصول أهل السنة، بل على أصول أهل البدع. ولهذا لا تجد أهل السنة الذين عرفوا السنة يذكرون الصحابة جميعًا إلا بالجميل، بالخير، ألسنتهم لا تذكرهم إلا بالخير. وأما من كان على بدعة، أو كان في تعلمه السنة نقص وجهل، فإنه قد يذكرهم بسوء، لقلة تربيته وتعلمه، أو لبدعته وضلاله. فينبغي أن ننتبه لهذا، والإنسان إذا علم أن هذا من أصول أهل السنة، فإذن يعتني به ويوليه اهتمامًا خاصًا. فلا تذكر شيء من مساوئ الصحابة، لا على وجه الحكاية، ولا على وجه كذلك الخبر، فضلًا على وجه الاتهام، فضلًا على وجه الاتهام. بل ينبغي أن لا يذكروا إلا بالجميل، وما يروى عنهم ينبغي أن يطوى ولا يروى، ما ينقل عنهم مما قد يفهم منه النقص لبعضهم، مما يطوى ولا يروى. فمن روى ولم يطوِّ لم يسلك مسلك أهل السنة، وسلك مسلك المبتدعة، كبعض القصاص المعاصرين، وغيرهم ممن سبق، ممن يظن أنه يحكي التاريخ أو يذكر شيء من السيرة، فيجعل لنفسه مجالس أو كتب ومؤلفات أو أشرطة في ذكر شيء من تاريخ الصحابة، وفي ذلك من الذكر شيء من الأخبار التي فيها انتقاص وذكر شيء من مساوئ التي اتهم بها الصحابة. فإن هذا في الحقيقة ليس من طريقة أهل السنة، بل هو بنص كلام الإمام أحمد مبتدع؛ لأنه ذكر مساوئهم، ولم يقل اتهمهم، وإنما قال: ذكر مساوئهم فقط، ذكر المساوئ يعتبر نقصًا وقدحًا فيهم. ولا يقول قائل: هذا إنما حكى واقع وذكر ما نقل في الكتب. الجواب: هل كل ما ذكر في الكتب صحيح؟ وهل كل ما ذكر في الكتب يجوز أن ينقل؟ ينبغي أن نعلم أن المسلم مقيد بما علم من دين الله في كتابه وسنة رسوله، وما كان عليه سلف الأمة. فالصحابة لا يذكرون إلا بالجميل، ولا يذكرون إلا بالخير، ولا كذلك يسلك معهم إلا مسلك الإجلال والأدب، وكذلك التعظيم الشرعي الذي ينبغي أن يكون مع فضلهم وسابقتهم، رضي الله تعالى عنهم ورحمهم الله. قال: «حتى يترحم عليهم جميعًا». وقوله: «جميعًا» تأكيد أنه لا يجوز له ينتقص أحد، لا برفض ولا بنصب، لا ينتقص أحد من أهل البيت، ولا ينتقص أحد من غير أهل البيت، بل يحب جميع الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، ويترحم على الجميع. ومن انتقص أحدًا منهم، فاعلم أنه على غير الطريقة السوية، وأنه كما نص الإمام أحمد على طريقة المبتدعة، إن لم يكن مبتدعًا، فهو على طريقة المبتدعة، وهو لا يشعر، كبعض الإسلاميين المعاصرين ممن أخذوا ثقافات كما يقال إسلامية من الشرق أو من الغرب، فدخلت عليهم بعض ما ليس من منهج أهل السنة، مما هو من بعض أهل النفاق الذي دخل في الإسلام ليطعن فيه، أو من بعض أهل البدع من رافضة أو ناصبة أو غير ذلك، أو بعض أهل الفكر الشعوبي، أهل الفكر الشعوبي الذين يريدون ويطمعون بفكر يشبه فكر الاشتراكيين، فيطعنون في بعض الصحابة، رضي الله تعالى عنهم. فيذكر بعض الجهال هذا الطعن في كتبه، وهذا في الحقيقة مسلك المبتدعة، ليس من مسلك أهل السنة. وقوله: «ويكون قلبه لهم سليما» ليس فقط الترحم وعدم التنقص، بل كذلك سلامة القلب؛ لأن الله عز وجل أمر بذلك: «والذين جاءوا من بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا»، أمرنا أن لا نجعل في قلوبنا غل، القلب يكون سليمًا. فمن لم يكن قلبه سليمًا، ففي إيمانه نقص، وفي سنته وتمسكه خلل. وهكذا الذي تقدم حديثه بالسعيد، نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يسب أصحابه: «لا تسبوا أصحابي، هو الذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا إلى آخره». هذا إن دل على شيء، دل على أن لهم من الفضل ما لا يساويه العمل الكثير من غيرهم عند العمل القليل منهم. هذا يوجب ماذا؟ يوجب ثناء باللسان، وإجلال، وهكذا كذلك سلامة صدر في القلب، سلامة صدر في القلب. وكذلك بقوله رحمه الله تعالى لهم يقتضي أن تكون هذه السلامة سلامة القلب لجميع الصحابة، لا يحصل في قلبه شيء. وبعض الناس بسبب مخلفات دخلت عليه من بعض أهل البدع، أو في بيئة بدعية يغلب فيها أهل البدع، دخلت عليه بعض المعلومات الخاطئة التي ربما ترسب في قلبه شيء من عدم سلامة الصدر لبعض أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، رضي الله عنهم، وهذا خطأ. فمن وجد في نفسه عدم سلامة الصدر لأحد من الصحابة، فليعالج نفسه، وليصحح ما في صدره بماذا؟ بقراءة فضائل الصحابة، والاطلاع على فضائل هذا الصحابة خصوصًا، وكلام أهل العلم فيه، وثناءهم عليه، وشيء من سيرته العطرة، بما يوجب تصحيح هذا الذي في صدره الذي هو خطأ، فضلًا أن يكون تكلم بلسانه ما يقتضي نقصه. فإن هذا خطأ، ومسلك ليس من مسلك أهل السنة والجماعة.