الدرس في شرح أصول السنة 4، الدرس الرابع : (والسنة عندنا آثار ... وهي دلائل القرآن). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يحذر الإسلام من الجدال والمراء الذي لا يوصل إلى الحق، ويسبب الفرقة والشقاق بين المسلمين. هذا النوع من الجدال يهدف إلى الانتصار للنفس أو إظهار التفوق على الآخرين.
يُنصح بترك الجدال والمراء في الدين لأنه يسبب الفرقة، ويُشجع على الرفق واللين في التعامل مع الآخرين خاصة عند مواجهة المبطلين أو الجهال. هذا يساعد في الحفاظ على وحدة المسلمين.
تُبين أهمية السنة في تفسير القرآن وتوضيح أحكامه، حيث أن السنة والقرآن أنزلا معًا ويجب أخذ الأحكام الشرعية منهما معًا. كما تُرد على المعتزلة الذين يزعمون أن الحجج في القرآن فقط.
تُوضح أن السنة النبوية تشمل قول النبي وفعله وهي وحي من الله، حيث يقره الله على أفعاله وتعتبر جزءا من دين الله. هذا يشمل الأقوال والأفعال التي يصدرها النبي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي قول الإمام محمد، رحمه الله تعالى، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين. ومر معنا أن هذا يؤكد أن الخصومة تنقسم إلى قسمين: خصومة مع أهل البدع والأهواء، وهو على التفصيل الذي سبق، ومنه عدم الجلوس مع أهل البدع والأهواء، ومنه عدم القراءة والسماع لما صدر منهم، وهكذا. كذلك القسم الثاني، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين، ومعناه -كما سمعنا- أن لا يفتح الإنسان على نفسه وعلى إخوانه، ولو كانوا من أهل السنة، باب الجدال والمراء. والفرق بين المراء والجدال أن الجدال أول المراء، ثم إذا صار هذا الجدال فيه عناد، انتقل إلى المراء، وهو الإصرار على الباطل وعدم الرجوع إلى الحق، والقصد بالانتصار للنفس. أن يقصد الإنسان الانتصار للنفس وعدم الغلبة، أن لا يغلب. إذا صار كذلك صار الشر، ويحصل بعد ذلك الخصام والخلاف والفرقة. ولهذا صح عن النبي، عليه الصلاة والسلام، بحديثه: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»، رواه أحمد والترمذي والحاكم بإسناد صحيح. وفي هذا دليل على أن المسلم ينبغي أن يترك الجدال، وكل سبب يوصل إلى الجدال. وليس معناه الوصول إلى الحق من طلب البينة والدليل في المسائل العلمية، ولكن المقصود الجدال الذي لا يوصل إلى الحق، وإنما هو أحد أمرين: إما أن يكون إظهار معلومات، والمقصود به الترفع على الآخرين، وهذا مرض وداء، وهو يورث الغضاضة والبغض. ولهذا صح عن النبي، عليه الصلاة والسلام، بحديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، في أن العلم إذا طلب لممارات السفهاء ومجادلة العلماء كان وبالا على صاحبه. فينبغي الإنسان أن يقصد بالعلم وجه الله سبحانه وتعالى. والنوع الثاني من الجدال المذموم أن يكون هذا الجدال على وجه ليس فيه معنى، يعني أن يجادل في شيء هو جاهل فيه، أو ليس هو أهل الجدال فيه، أو أنه لا يصح الجدال فيه لأنه لمن هو أعلم منه، ليس له. وكل هذه الخصال الثلاث من المعنى المذموم كذلك في الجدال. وأشد منه المراء، أن يعلم الإنسان أنه مبطل، ولكن يصر على الجدال ويستمر فيه، فعند ذلك يصح فيه قول النبي، عليه الصلاة والسلام: «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم»، رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة. «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم»، أن يكون الإنسان شديد العداوة والخصومة، كأنه خلق للخصومة، يعني ميال للخلاف، ميال كذلك ومولع بالخصومات، ودائما يختلف مع الناس. فمثل هذا من كان هذا حاله، وهذا طبعه، فهو من أبغض الرجال إلى الله سبحانه وتعالى، أبغض الرجال إلى الله يبغضه الله، لماذا؟ لأنه يسبب الفرقة بين المسلمين، ويسبب الشقاق والخلاف بين المسلمين. وعلى العكس من ذلك المؤمن ينبغي أن يكون هيّن ليّن رفيق. وعند ذلك معناه أن الإنسان يترك أسباب الخصومة، فإذا جادلك مبطل، فخير أن لا تجادله. ماذا تصنع؟ جزاك الله خير، تقطع هذا الشر بالكلمة الطيبة اللطيفة. وكما يقال: الكلمة الرفيقة اللطيفة تقطع الحديد. فأنت بهذا تنهي الشر وتقطع الخصومة. لكن إذا صرت مستشرفا للخصومة، إذا بدأ بالجدال بادأت بالنزاع، وإذا استشعرت أنه مبطل بادأت بالشر، فقلت: أنت ما تريد وجه الله، أنت مريض، أنت كذا وكذا، هذا من الجدال المذموم كذلك. لأن المذموم ليس أحق طرفي الجدال المذموم كل من كان في الطرفين: المحق والمبطل. لماذا؟ لأن الاستمرار في الجدال سببا للخصومة والفرقة والشر، ونهى عنه النبي، عليه الصلاة والسلام، بأحاديث كثيرة. ولهذا قال، عليه الصلاة والسلام: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»، مع أن أحد المتجادلين محق والآخر مبطل، لكن كلاهما مخطئ وعلى ضلال؛ لأنه مسبب للفرقة. فإذا ما هو الحل؟ الحل أن لا يجادل مبطل، وأن لا يفتح نقاشا سقيما مع من فيه مرض: إما مرض عجب أو رياء أو كبر أو غرور، أو نوع آخر من المرض، وهو الجهل والتعالم فيما لا يعلم، ولا ينبغي له الخوض فيه. فإذا مثل هذا الذي تعرف أنك لا حيلة لك به في نصحه، فلا تجادله، ولا تدخل معه في خصومة، فإن ذلك مما هو مذموم في دين الله سبحانه وتعالى. وهذا ذكر هذا المعنى الإمام أحمد، رحمه الله. ومن حلم العلماء ورفقهم أنهم ما كانوا يجادلون الجهال، ولا كانوا كذلك يخالفون من عرف بسوء ومرض، بل يتركونه، بل يتركونه سلامة لدينهم ودين الناس، حتى لا تظهر الخصومات في الدين، ويحصل الفرق والخلاف. فمن أصول أهل السنة والجماعة ترك المراء والجدال والخصومات في الدين. قال رحمه الله: «والسنة عندنا آثار رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». ومر معنا أن السنة لها معاني كثيرة، ومن هذه المعاني طريقة النبي، عليه الصلاة والسلام. فالسنة هي آثاره، عليه الصلاة والسلام، من قوله وفعله وتقريره، وما كان عليه، عليه الصلاة والسلام، من هديه وسمته وسائر أمره، عليه الصلاة والسلام. والأمر كما قال، عليه الصلاة والسلام، في قوله: «فإنه من يعش منكم فسيُرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي». فالمراد سنتي: طريقتي، طريقتي التي أنا عليها. وهكذا كذلك في الحديث الآخر الذي معناه صحيح، وفي إسناده ضعف: «كلها في النار إلا واحدة»، ثم ذكر، قال: «ما أنا عليه وأصحابي». فيه عبد الرحمن الأفريقي، فيه ضعف، لكن معناه صحيح، تؤيده نصوص الكتاب والسنة الكثيرة. فالمراد إذن بالسنة ما كان عليه، عليه الصلاة والسلام. وقوله: «والسنة عندنا» -كما مر معنا- أنه إشارة إلى ما عليه أهل السنة. فالكلام والإشارة إلى أصول أهل السنة. قال رحمه الله: «والسنة فسر القرآن، وهي دلائل القرآن». قوله: «والسنة فسر القرآن»، فيه رد على المعتزلة ومن على طريقتهم من العقلانيين الذين يزعمون أن الحجج في القرآن فقط، وهذا باطل وضلال. والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، ليس أطيعوا الله فقط، بل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول. ويقول النبي، عليه الصلاة والسلام: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه»، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه. فكما أوتي القرآن فإنه أوتي السنة، والسنة فسر القرآن وتبينه، كما مر معنا. وهكذا كذلك في هذا الموضع تأكيد لهذا المعنى. فالسنة تفسر القرآن، قال الله سبحانه: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَى لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. ولهذا قال رحمه الله: «والسنة تفسر القرآن»، فهي توضح وتفسر هذا القرآن، كما أن القرآن يفسر بعضه ببعض، فكذلك السنة تفسر القرآن. قال الله سبحانه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، ما هذه الصلاة التي أمرنا بإقامتها؟ فسرتها السنة: خمس صلوات فرضت على المسلم في اليوم والليلة. بعث النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في أول الإسلام معاذا إلى اليمن، قال: «أمرهم فليدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك، فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم». هذا من القرآن ومن السنة، هذا من السنة. ولو لم يجيبوا لقاتلهم، كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنه، قال، عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، وحسابهم على الله». فإذا السنة تفسر القرآن هكذا. قال الله عز وجل: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، ما نصاب الزكاة؟ بينتها السنة وفسرتها السنة. ففي حديث أنس في كتاب أبي بكر، رضي الله عنه، في البخاري، ذكر أنصبة الزكاة: زكاة النقدين الذهب والفضة، كم النصاب؟ وما هو الحول؟ وهكذا زكاة بهيمة الأنعام من البقر والإبل والغنم، وهكذا زكاة الزروع والثمار، كل ذلك بيّن في سنة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالسنة تبين القرآن، وهي دلائل القرآن. وقوله: «وهي دلائل القرآن»، معناه أنها من مؤيدات القرآن، فهي لا تنفك عن القرآن. وبه كذلك ننتبه ونعرف أنه من الخطأ أن نقول: نأخذ الحكم أولا من القرآن، فإن لم نجده فأخذناه من السنة. بل الصواب نأخذ الأحكام الشرعية من القرآن والسنة معا، من القرآن والسنة معا، ليس من القرآن أولا ثم من السنة ثانيا؛ لأنهما أنزلا معا، السنة والقرآن أنزلا معا. «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه»، غير أن القرآن تعبدنا الله سبحانه وتعالى بتلاوته، وهو معجز في لفظه ومعناه، وهو كذلك لفظه ومعناه من الله سبحانه وتعالى. وأما السنة -أي قول النبي، عليه الصلاة والسلام- فهي وحي من الله، حتى فعله الذي يفعله، عليه الصلاة والسلام، هو بوحي من الله، يقره الله سبحانه وتعالى على فعله، فيصير من دين الله جل وعلا. نكتب بهذا القدر، ونكمل في درس لاحق، والله تعالى أعلم. اشتركوا في القناة.