شرح أصول السنة 15

شرح أصول السنة 15

الدرس في شرح أصول السنة 15، الدرس الخامس عشر: (وأن عيسى ابن مريم عليه السلام ينزل فيقتله بباب لد ... من تركها فهو كافر وقد أحل الله قتله). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الإيمان بنزول عيسى ومحاربة المسيح الدجال

يؤمن أهل السنة بنزول عيسى عليه السلام وقتله للمسيح الدجال، وتأييدا لدين الإسلام وتأكيدا لرسالة النبي. هذا الإيمان مبني على دلائل من الكتاب والسنة.

تفاصيل نزول عيسى وأصول الإيمان

يشرح نزول عيسى عند المنارة البيضاء شرقي دمشق ومحاربته للدجال، ويتطرق إلى أصول أهل السنة في الإيمان كقول وعمل يزيد وينقص مستندا إلى أحاديث نبوية وأدلة قرآنية.

الإيمان وحسن الخلق وتارك الصلاة

يربط بين الإيمان وحسن الخلق، ويعتبر تارك الصلاة كافراً مستدلا بآيات القرآن وأحاديث النبي، ويشير إلى أن حسن الخلق من كمال الإيمان.

علاج المشاعر السلبية كالحسد

يناقش كيفية التعامل مع الحسد والغيرة، ويقدم نصائح لمدافعة هذه المشاعر من خلال تذكير النفس بعاقبة السوء وبالضد، والصدق مع الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي الكلام على الإيمان بالمسيح الدجال جملة وتفصيلا، فيما وردت به الأخبار، واتمرت معنا مسائل كثيرة وأشياء. فمن ذلك الإيمان بأن المسيح الدجال خارج، أي يخرج في آخر الزمان. من يذكر لنا دليلا على ذلك، دليلا على خروجه؟ نعم، الدليل الاستعاذة من فتنته، كما في حديث عائشة في الصحيحين، وفي حديث أبي هريرة. فإن ذلك دليل على خروجه. ومرت معنا أحاديث كثيرة تدل على خروج المسيح الدجال، بصفاته التي ذكرت، وأحواله وأموره التي مرت معنا. وهكذا كذلك مر معنا أنه مكتوب بين عينيه كافر. ما هو الدليل على هذا الأمر بعينه؟ الدليل على ذلك حديث أنس في الصحيحين. ومر معنا أنه جاءت رواية «كافر»، وهذا لفظ الصحيحين، وفي رواية لمسلم «كاف». وقوله رحمه الله: والأحاديث التي جاءت فيه إشارة إلى كثرة الأحاديث المروية، وقد مرت معنا في ذلك أكثر من اثني عشر حديثا، أو من اثني عشر حديثا، فيما جاء في أمر المسيح الدجال. قال رحمه الله تعالى: وأن عيسى بن مريم عليه السلام ينزل فيقتل بباب لد، كذلك من أصول أهل السنة والجماعة الإيمان بنزول وبعث عيسى عليه السلام، فإنه ينزل فيقتل المسيح الدجال بباب لد. وأهل السنة والجماعة يؤمنون بالمسيح الدجال وعيسى بن مريم عليه السلام، وأن عيسى يقتل المسيح الدجال، ويؤمنون بكل ما جاء في ذلك من تفاصيل جملة وتفصيلا، كل ما روي جملة وتفصيلا. فإيمان أهل السنة والجماعة على ما صحت في الأخبار، فيما جاءت معناه في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وخالف أهل البدع من أهل الكلام، ومن سلك مسلكهم، إما بإنكار ذلك كله، كما فعلت بعض المعتزلة، ومن وافقهم من الفلاسفة، وهكذا تبعهم بعض العقلانيين قديما وحديثا، حتى بعض المعاصرين. ومنهم من أثبت أصل ذلك ونفى تفاصيل دلت بها الأدلة، كما فعل بعض المعاصرين. وأهل السنة يؤمنون بذلك كله، سواء زعم الزاعم أنه خالف العقل أو لم يخالف العقل، وهو في الحقيقة لا يخالف العقل كما مر معنا. أما هذا الأصل، فدلت عليه دلائل الكتاب، من ذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ وفي قراءة: ﴿وَإِنَّهُ لَعَلَمٌ لِلسَّاعَةِ﴾. ومعناه على القول الصحيح من أقوال أهل العلم، والذي يقتضيه السياق، والذي جاء به عدد من الصحابة، أن الضمير فيه «وَإِنَّهُ» يعود على عيسى عليه الصلاة والسلام. «وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ» أي علامة من علامات الساعة، أو «وَإِنَّهُ لَعَلَمٌ لِلسَّاعَةِ» أي يكون به إعلام بأشراط الساعة التي أخبر بها الناس، وذلك بنزول عيسى، وسائر الآيات التي توافق أو تسبق أو تلحق ذلك. وأشراط الساعة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أشراط صغرى، وأشراط وسطى، وأشراط كبرى. أما الأشراط الصغرى، فمنها ما وقع بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كقوله عليه الصلاة والسلام: «بُعِثتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ»، أشار إلى إصبعيه، يعني ما بينه وبين الساعة إلا كما بين هذين الإصبعين. وما ظهر من آيات أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام، فهي من أشراط الساعة، وقعت في زمانه، ووقعت بعد زمانه. ومنها أشراط وسطى، أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام، ووقع بعضها، وبعضها لم يقع. ومنها الأشراط الكبرى، وهي التي تكون بالقرب من قيام الساعة، ومتصلة بها، كما قال أهل العلم: هي كحلق النظام، وكالخرز في الحلقة الواحدة، إذا سقط واحد تتابعت أخواتها. فهذه أشراط الساعة الكبرى، وهي تنقسم إلى قسمين: القسم الأول منها خروج الدجال، وبعث عيسى عليه السلام، وهكذا يأجوج ومأجوج، والخسف، وهو وقت العمل والإمكان، والامتحان والابتلاء. ومن الأشراط الكبرى ما يكون به انقطاع العمل وقيام الساعة، وهو ما يكون بعد ذلك من خروج الدابة، وهكذا كذلك بعث النار التي تحشر الناس لأرض المحشر من عدن، وكذلك الريح التي تأخذ نفوس المؤمنين، ولا يبقى بعد ذلك إلا الكافرين، وغير ذلك مما ذكر في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا من أدلة هذا الأصل قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّ مِن أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾. فقوله: ﴿وَإِنَّ مِن أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ يعني سيكون له الإيمان به قبل موته عليه الصلاة والسلام، وذلك حين يبعث مرة أخرى. وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾، فهم لم يقتلوا عيسى عليه الصلاة والسلام ولم يصلبوه، وهذا من الحكمة في بعثه عليه الصلاة والسلام. فقد ذكر العلماء أن في بعث عيسى في آخر الزمان من هذه الحكم: إظهار ما زعمت اليهود به أنهم قتلوه وصلبوه، فيكذبون بذلك. وإقرار النصارى بذلك، فيكذبهم عيسى عليه الصلاة والسلام بنزوله في آخر الزمان. ومنها فضل هذه الأمة، أمة الإسلام. ومنها تصديق برسالة النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه يبعث وهو متابع لهذه الأمة، حتى أنه ينزل كما سيأتي في حديث النواس بن سمعان: أنه ينزل وقد حان وقت الصلاة، ينزل ما بين الصلاة والإقامة، عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، فينزل عند المنارة. وفي رواية: على المنارة، على جناحي ملكين، فينزله الله فينزل على الناس، وهم ينتظرون إقامة الصلاة، والمهدي بينهم، فيقولون: تقدم يا روح الله، يعني تقدم صلي بنا، فأنت نبي. ورأسه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَطُرُّ مَاءً»، فإذا طأطأه انحدرت منه قطرات كاللؤلؤ. قال: فيقول: «يَتَقَدَّمُ إِمَامُكُمْ»، «يَتَقَدَّمُ إِمَامُكُمْ»، فيتقدم المهدي فيصلي بالناس، ويصلي خلفه عيسى عليه الصلاة والسلام. وهذا كله فيه هذه الحكم: بيان صدق رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، وفضل هذه الأمة. وحينها لا يقبل من أهل الكتاب جزية، ويبطل الخنزير، ويكسر الصليب عليه الصلاة والسلام، ويأتي الأشياء التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام. وبه يكون إقرار أمر الإسلام، فلا يقبل من كافر، ولو كان كتابيا إلا الإسلام. ومن لم يأت بالإسلام فإنه يقتل، يقتله عيسى عليه الصلاة والسلام في آخر الزمان. وفيه أنه ينسخ ما كان من حكم الإسلام في آخر الزمان، تأييدا وتأكيدا، وكذلك تأديبا لأهل الكتاب، فيما كان منهم من معاندة، وعدم استجابة لدين الله سبحانه وتعالى. وقوله رحمه الله تعالى: «وأن عيسى بن مريم عليه السلام ينزل فيقتله»، أي فيقتل المسيح الدجال بباب لد، هذا كما جاء في أحاديث كثيرة. ومن أحاديث النواس بن سمعان الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه، فذكر خروج الدجال الذي مر معنا، وذكر معه نزول عيسى عليه الصلاة والسلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق. قال: «بَيْنَ الْمَهْرُودَتَيْنِ»، وفي رواية: «فِي ثَوْبَيْنِ مَهْرُودَيْنِ»، أو قال: «فِي لِبَاسَيْنِ لُبِسَا مَهْرُودَيْنِ»، يعني مصبوغين بالهرد، تعرفون هو معنى من معاني العصفر، فإنه ينزل بهذين الثوبين، واضعا كفيه على أجنحة ملكين، ينزل على المنارة البيضاء، وهو واضع كفيه، يعني متكئ بكفيه على جناحي ملكين. نؤمن بذلك كما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، ولا نشق في شيء من ذلك مثل ذرة، لأنه عليه الصلاة والسلام ما أخبر به إلا بما أعلمه الله سبحانه وتعالى. ثم قال النواس بن سمعان فيما رواه عن النبي عليه الصلاة والسلام: قال: «إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ»، أي قطر الماء من رأسه. قال: «وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ»، يعني قطرات كأنها اللؤلؤ من الماء الذي أصابه من السماء. قال: «فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفْسِهِ إِلَّا مَاتَ»، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، «فَيَطْلُبُهُ الدَّجَّالُ»، يعني أنه يقاتل الكفار حتى أنه يعني يقتل كل كافر، ولا يجد كافر لا يؤمن بما جاء به ويدعو إليه، أي من دين الإسلام، إلا قتله المسيح. وأصيب بقتله بمجرد أن يصله ريحه عليه الصلاة والسلام. ثم يقاتل الدجال، قال: «فَيَطْلُبُهُ الدَّجَّالُ حَيْثُ يَدْرِكُهُ بِبَابِ لَدٍ»، وباب لد اسم موضع في فلسطين، وهي قرية معروفة إلى يومنا هذا. وهكذا كذلك المنارة البيضاء، أشار إليها الحفاظ أنها موجودة، كما أشار إلى ذلك ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية، في مسجد معروف شرقي دمشق، وهي منارة، يعني لها علم بطولها، وهي تكون كذلك إلى قيام الساعة، وبعث عيسى عليه الصلاة والسلام. وهل في هذا دليل على إقرار المنارة؟ مسألة المنارة فيها خلاف بين أهل العلم. من أهل العلم من أجازها، بماروية من عمومات وآثار. ومن أهل العلم من منعها، وخصوصا يتأكد هذا المنع إذا كان فيها إسراف وتبذير وإضاعة للمال. لكن كمسألة علمية، هل يصح الاستدلال بهذا الحديث، وأمثاله على إثبات المنارة؟ مرت معنا قاعدة قريبا في دروس ماضية، يناسب ذكرها في هذا المقام: أن الأخبار لا ينشأ منها أحكام، وإنما الأحكام تكون مما لم يأت مساق الخبر. فالنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن في آخر الزمان: «الْمَرْأَةُ تَسِيرُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَالذِّئْبُ عَلَى غَنَمِهَا»، هل هذا فيه دليل على جواز سفر المرأة من دون محرم؟ الصحيح لا، لأن هذا خبر، هذا سيكون، يعني سينزل الأمان حتى أن المرأة تسافر المسافات الطويلة لا تخاف شيئا، وهذا على خلاف القاعدة، أو على خلاف الأصل، وخرج على خلاف المعهود المعروف. ومع ذلك، الصحيح أنه لا يصح الاستدلال به على جواز سفر المرأة من دون محرم. وهكذا كذلك هنا، الصحيح أننا لا نستدل به على مشروعية إقامة المنارة، لا نستدل به على ذلك، ولو كان ذلك مشروعا بأدلة أخرى، فيكون مشروعيته بماذا؟ بتلك الأدلة الأخرى، لا بهذا الدليل. بتلك الأدلة الأخرى، لا بهذا الدليل. فهذا خبر، والخبر هو حكاية لما يكون في آخر الزمان، وليس فيه إثبات أو نفي لحكم ذلك الشيء شرعا. وهكذا في هذا الحديث: «فَيَطْلُبُهُ الدَّجَّالُ حَيْثُ يَدْرِكُهُ بِبَابِ لَدٍّ فَيَقْتُلُهُ»، ثم يأتي عيسى بن مريم قوم من عصمهم الله منه، يعني كان قد آذاهم المسيح الدجال وعصمهم، ولم يقتلهم. قال: «فَيَمْسَحُ وُجُوهَهُمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ». الحديث. وهذا الحديث هو وأمثاله من الأحاديث التي جاءت بنزول عيسى عليه الصلاة والسلام، وما يقع من ملاحم ووقائع، نؤمن به كله، وهو من أصول أهل السنة والجماعة. قال رحمه الله تعالى: «والإيمان قول وعمل، يزيد وينقص»، كما جاء في الخبر: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا». ومن ترك الصلاة فقد كفر، وليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة، من تركها فهو كافر، وقد أحل الله قتله. هكذا من أصول أهل السنة والجماعة الإيمان بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. فأهل السنة والجماعة يؤمنون أن الإيمان وهو أحد مراتب هذا الدين، فالدين ثلاثة مراتب: ما هي مراتب الدين؟ الإسلام، والإيمان، والإحسان. فأعلاها الإحسان، وأوسطها الإيمان، ودون الإسلام. فمراتب الدين ثلاثة: الإسلام، والإيمان، والإحسان، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة، وحديث عمر في قصة جبريل عليه الصلاة والسلام، وغيره من الأحاديث. فقوله: «والإيمان قول وعمل» من أصول أهل السنة: أن الإيمان قول. ودليل ذلك أدلة كثيرة من الكتاب ومن السنة، ومرت معنا بدروس سابقة. من يعطينا دليل على أن الإيمان قول؟ دليل أعلاها قول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ». نعم، حديث أبي هريرة في الصحيحين: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، فهو من الإيمان القول. ولهذا أدلة كثيرة. وهكذا كذلك العمل، الإيمان قول وعمل. ومن العمل: إماطة الأذى عن الطريق، فهذا عمل، وهو من الإيمان. فالإيمان يشمل القول، ويشمل العمل. فالإيمان عند أهل السنة والجماعة: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وقوله رحمه الله: «يزيد وينقص»، أي أن هذا الإيمان قول وعمل، فكلما زاد القول زاد الإيمان، وكلما نقص القول نقص الإيمان. وإذا كان عملا، كلما زاد العمل زاد الإيمان، وكلما نقص نقص الإيمان. فأدلة إثبات الزيادة فيها إثبات النقص، وأدلة إثبات النقص فيها إثبات الزيادة. فقول النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ»، فيه أن الإيمان فيه أعلى، وفيه أدنى. فمن اقتصر على الأدنى لم يبلغ الأعلى، فإذن هو يزيد وينقص. وهكذا أدلة الزيادة الصريحة، كقول الله جل وعلا: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾، وقوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾، فزادهم إيمانا. وقال: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، ونحوها من الأدلة التي تدل على زيادة الإيمان، هي دليل كذلك على نقصان الإيمان. والعكس كذلك، الأدلة التي فيها نقصان الإيمان فيها دليل على زيادة الإيمان، إذا انتفى السبب الموجب لنقصان الإيمان. كحديث أبي هريرة في الصحيحين: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ»، فهذا يدل على أن الإيمان ينقص بالزنا، وبالسرقة، وبالنهبة، أي الانتهاب. فالإيمان ينقص بهذا، مفهومه: إذا لم يفعل هذه الكبائر، فماذا يكون حال الإيمان؟ لا ينقص الإيمان، لا ينقص. فإذا الإيمان يزيد وينقص، هذا من أصول أهل السنة والجماعة. قال رحمه الله: كما جاء في الخبر: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا». وقد صح هذا الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام من أوجه. فأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، معناه: أن الإيمان فيه كمال، ومن كماله وأعلى درجاته حسن الخلق. فإن الإيمان يستكمل بحسن الخلق. ومفهومه كذلك: أن من علامات نقص الإيمان سوء الخلق، من علامات نقص الإيمان سوء الخلق. ولذلك لا تجد -وهذا أمر مشاهد- مغلوبا -يعني مجرب- والواقع يشهد له: أنك لا تكاد تجد رجلا سيئ الخلق، إلا وعنده من خصال نقص الإيمان ما هي أضعاف سوء الخلق الذي عنده. وعلى العكس: لا تجد رجلا موفقا إلى حسن الخلق، إلا وعنده من خصال الإيمان الحسنة ما هي أضعاف ذاك الخلق الحسن الذي ظهر منه. فإذن: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا». قال بعض أهل العلم: وفي هذا لطيفة، أن الإيمان يثمر إيمانا، والحسنة تثمر حسنة. فإذا بلغ الإنسان في خلقه المبلغ الحسن، وهذب نفسه بذلك، فإن ذلك علامة على اعتنائه بنفسه. لأن الخلق الحسن في الحقيقة هو ثمرة هذا الإيمان، ثمرته، وهو من أعلى مراتبه. فلا يبلغ الإنسان هذه المنزلة إلا بعد تهذيب لنفسه شديد، بعد تهذيب لنفسه شديد. فإذا هذب نفسه، قوله وفعله وخلقه، فإن ذلك معناه: أن هذا الرجل معتني بنفسه. فإذا اعتنى بنفسه، كان بذلك حصول الإيمان. فالشاهد: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا». قوله: «أَكْمَلُ» يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، هذا مراده رحمه الله. ووجه استدلاله بالحديث. قال رحمه الله: «ومن ترك الصلاة فقد كفر». كذلك من أصول أهل السنة: أن تارك الصلاة كافر. وقد اتفق جميع المسلمين من الصحابة، ومن بعدهم، على أن تارك الصلاة كافر، لم يختلفوا في ذلك أبدا. ولكن اختلفوا: هل هذا الكفر كفر أكبر مخرج من الدين، أو أنه كفر دون كفر؟ هذا الذي اختلفوا فيه. وإلا فقد دلت أدلة الكتاب والسنة على نفي الإسلام، أو نفي الإيمان، وإثبات مسمى الكفر. قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، مفهومه: إذا لم يفعلوا ذلك فليسوا بإخوان لنا في الدين. وفي حديث بريدة رضي الله تعالى عنه: يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ»، أخرجه أبو داود وأحمد بإسناد حسن. وفي صحيح مسلم، من حديث جابر بن عبد الله: يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»، فسمى تارك الصلاة كافرا. فَتَارِكُ الصَّلَاةِ كَافِرٌ. وهل هو كفر أكبر، أو كفر أصغر؟ فيه خلاف بين أهل العلم مشهور. والأقرب والأصوب، والله تعالى أعلم، والذي ذهب إليه الإمام أحمد، وجماعة من أهل العلم، وهو المؤثور عن عدد من الصحابة، والتابعين: أنه كفر أكبر مخرج من الدين. ويؤيده ما ذكره رحمه الله هنا بقوله: «وَلَيْسَ مِنْ الْأَعْمَالِ شَيْءٌ تَرْكُهُ كُفْرٌ إِلَّا الصَّلَاةُ»، «مَنْ تَرَكَهَا فَهُوَ كَافِرٌ، وَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ قَتْلَهُ». وهذه العبارة أخذها من حديث عبد الله بن شقيق رحمه الله، فإنه لازم الصحابة، فقال: «مَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ إِلَّا الصَّلَاةَ»، ما كانوا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة. وهذا يؤكد أن الكفر المراد هو الكفر الأكبر، ليس الكفر الأصغر. وإلا فقد جاء اسم الكفر الأصغر في أشياء كثيرة. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»، «وَقِتَالُهُ كُفْرٌ». فلما قال: «مَا كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ -أَوْ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ- تَرْكُهُ كُفْرٌ إِلَّا الصَّلَاةَ»، علم أنه نقل ذلك عنهم: أنهم أرادوا الكفر الأكبر. والله تعالى أعلم. طيب، في شيء في هذا، هذا سائل يقول: هل المسيح الدجال يخرج بعد يأجوج ومأجوج أم قبل؟ لم يرد حديث صحيح صريح يذكر فيه ترتيب آيات الساعة الكبرى. ولكن ورد في بعض الأدلة من معناها ما يدل على بعض الترتيب، منه ما نجزم به، مثل ظهور الدجال أولا، ثم المسيح ثانيا، فهذا نجزم به، كما وردت به الأحاديث. ومنه حديث النواس بن سمعان الذي مر معنا قبل قليل، ورواه مسلم. ومنه ما لا نجزم به، ولكن الأقرب أنه كذلك، وهو أن مبعث الدجال، أو خروج الدجال، ونزول المسيح، يكون قبل يأجوج ومأجوج، وقبل الخصوف الذي يكون في الأرض: خصف بالمشرق، وخصف بالمغرب، وخصف بجزيرة العرب. هكذا يفهم من خلال الأحاديث الكثيرة المروية في ذلك. والله تعالى أعلم. وقد رجح غير واحد من أهل العلم هذا الترتيب، أي أن خروج الدجال أولا، ثم نزول المسيح، ثم يأجوج ومأجوج، ثم الخصف في العالم: خصف في المشرق، وخصف في المغرب، وخصف في جزيرة العرب، في وقت واحد. ثم تأتي بعد ذلك العلامات الأخرى. وقسم الثاني من الآيات وعلامات الساعة الكبرى. قال: في أي بلد يقتل المسيح الدجال؟ هذا السؤال عند السائل. من السائل يرفع يده؟ نريد منه الجواب. من صاحب الورقة؟ يكون شجاع. من صاحب الورقة؟ اختبار. في أي بلد يقتل المسيح الدجال؟ في أرض الشام، في أي أرض؟ بفلسطين. وفي أي قرية؟ في باب لد، في باب لد. ثم ذكر هنا: محمد عبده، يقرأ القرآن، إذا كان ما زال على الغناء. وتعرفون محمد عبده، كانت له توبة طيبة، تابها بين يدي شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى. ولكن قد وجد ضغوطات، هذا الحال من لا يثبت على الحق، وأثر رفقة السوق. وجد ضغوطات كثيرة، كان يتصل على الشيخ، ويبكي، ويقول: يا شيخ يهددوني، يا شيخ يقولون كذا، يا شيخ. فيقول: اصبر، اصبر. الذي يريد الجنة لا بد يصبر. فما مرت الأيام إلا ورجع إلى ما كان عليه، وضعف، وآثر الدنيا على الآخرة. نسأل الله له الهداية. فالشاهد من هذا: أن من كان هذا حاله، لا ينبغي أن يستمع القرآن منه، حتى لا يكون فتنة لبعض الناس. فبعض العامة للأسف عنده قاعدة باطلة، يقول: «ساعة لك وساعة لربك»، معناه: يشغل شريط قرآن، ويشغل بعده شيئا من الغناء، وهذا خطأ. بل المسلم كله لله جل وعلا. قل: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أنت عبد لله سبحانه وتعالى، الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله. ليس عندك مناصفة. فأنت إذا ناصفت، معناه: أنك اتخذت إلهك هواك، اتخذت هواك إلها لك. أفرأيت من اتخذ إلهه هواه؟ ثم سئل عن بعض الفرق، قال: ارجع إلى كتاب الشهرستاني، وهكذا كتاب ابن حزم «الفصل»، تجد فيه فرق القدرية جميعا. ثم سئل: كيف يعالج الإنسان نفسه إذا صار عنده حسد لإخوانه طلاب العلم، إذا رآهم على خير وحرص، ربما أدى حسده لهم هجرهم، واحتقارهم، والتقليل من شأنهم عند ذكرهم؟ فما نصيحتكم لمن تُلِي بهذا الداء؟ وما هي الطرق للتخلص من مثل هذا الخلق الدميم؟ نسأل الله العافية والسلامة. ونحن نسأل الله جل وعلا العافية والسلامة لنا جميعا من هذا الخلق الدميم. وكما قال بعض أئمتنا وسلفنا: أنه ما من أحد إلا ويقع في قلبه شيء من ذلك، يعني الشيطان ينزغ به. قال: ولكن الكريم يدافعه. الكريم يدافع هذا القلق الدميم. وأما اللئيم فهو الذي يسترسل معه، فيظهر في قوله، وفي فعله، وفي فلتات لسانه. فعند ذلك يستجره الشيطان. فأنت إذا علمت مثل هذا، إذن كل الناس يبتلى، لست وحدك تبتلى بهذا. فإذا كان كذلك، فجاهد نفسك. جاهد نفسك إلى مدافعة هذا الخلق الدميم، أولا: بتذكيرها بعاقبة السوء عند الله سبحانه وتعالى. فإن الحاسد له عاقبة سيئة عند الله سبحانه وتعالى، وهو في الحقيقة معترض على قضاء الله وقدره. تأمل هذا وتفكر فيه. ثم بعد ذلك: تأمل أنك في الحقيقة كنت بخيلا، والله جل وعلا أكرم منك. فينبغي أن تعرف أنك بخلت حتى على نفسك. لو علمت فضل الله سبحانه وتعالى لما حسدت. لماذا؟ لأن فضل الله واسع. فالذي أعطى فلان العلم، وفلان الحفظ، وفلان القبول، قادر على أن يعطيك مثله وأكثر، ولا ينقصه من الأول شيء. ولكن خذ بالأسباب الصحيحة الشرعية التي بها تصل إلى هذا الخير. فالعلم يحتاج إلى اجتهاد، والحفظ يحتاج إلى اجتهاد، والقبول يحتاج إلى صدر. فاصدق مع الله سبحانه وتعالى في علمك وفي عملك، تجد إن شاء الله الثمار الحسنة. ثم بعد ذلك: لا تسترسل، وعالج نفسك بالضد، كما كان ينصح أهل الخبرة والمعرفة، وأهل الدراية بدقائق هذه الأمور: كابن القيم، وابن الجوزي، وشيخ الإسلام. فإنه ما من شيء أحسن في علاج الداء، بمعالجتها بالضد. عالجها بالضد. فمثلا إذا حدثتك نفسك: أنك تستنقص فلانا من الناس في مجلس، ولو بغير ذكر اسمه، لأجل أن تصرف وجوه الناس إليك، فافعل العكس. افعل العكس حتى ترغم نفسك الأمارة بالسوء. اذكر هذا بالخير، ولو كنت في قلبك غير راضي عن هذا الذي تتلطف به، لكن تربية وتأديبا لنفسك، حد به. وقد كان بعض سلفنا -فيما يؤثر عنهم- ربما أثنوا على بعض أعدائهم، وعلى بعض خصومهم، وهم في قرارة أنفسهم ما يحبون ذلك، لكن تهذيبا وتربية وتأديبا لأنفسهم. فأنت تفعل ذلك. وهذا من أحسن العلاج الذي تعالج به. ثم الصدق مع الله، فإن الصدق باب كل خير. قال الله: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. نكتفي بهذا، ونترك باقي الأسئلة إلى وقت لاحق، والله تعالى أعلم.