حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 16

حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 16

الدرس في حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 16، تابع : أركان الإسلام . المرتبة الثانية-الإيمان . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح شهادة أن محمدًا رسول الله

يشرح الشيخ معنى شهادة أن محمدًا رسول الله ودلالتها على اتباع النبي صلى الله عليه وسلم. هذه الشهادة تتضمن طاعته وتصديقه واجتناب ما نهى عنه.

أركان الإسلام ودليل الصلاة والزكاة والصيام

يشرح المقطع أهمية العمل بالشهادتين وأركان الإسلام الأساسية مثل الصلاة والزكاة والصيام. هذه العبادات لها معاني لغة وشرعًا وتؤدي إلى تحقيق العبودية لله تعالى.

تعريف الإيمان وخصاله وشعبه

الإيمان يتضمن قول وعمل القلب واللسان والجوارح، ويزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. له شعب كثيرة منها الحياء الذي يحمل على فعل الجميل وترك القبيح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال قوله «لقد جاءكم رسول من أنفسكم» قال: يمتن تعالى على المؤمنين بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم رسولًا من أنفسهم، يعرفون نسبه وصدقه. قال: ليس بملك لا يتمكنون من سؤاله، بل بشر يتمكنون من سؤاله بما شاءوا من أمور دينهم ودنياهم. وعلى القراءة الثانية بفتح الفاء قال: أي من أشرفهم وأكرمهم، يعني أنفسكم، وأنفسكم من النفاسة. قال: حتى إنه يسمى قبل مبعثه الأمين، قال: أي من أشرفهم وأكرمهم أيضًا، كونه معروف النسب والمدخل والمخرج، أمينًا صدوقًا، حتى إنه يسمى قبل مبعثه الأمين. ومن كان كذلك فإن النعمة به على العباد تكون أكبر وأعظم. وهذا الخطاب الصحيح أنه عام يتناول العرب وغيرهم، فهو ليس خاصًا بالعرب «لقد جاءكم رسول من أنفسكم» أي ليس بملك ولا جني ولا غير ذلك، بل من جنسكم تستطيع أن تستفصلوا منه ما يكون سببًا في إيمانكم بربكم. وقيل: أن الخطاب للأميين العرب، وكان هذا في أول الإسلام، ثم بعد ذلك بعث للناس عامة، ولا مانع أن يكون الأول، وإن كان الخطاب في أول الأمر بدئ لمن حوله من العرب. قال رحمه الله تعالى: وقوله «عزيز عليه ما عنتم» قال: أي شديد شاق عليه الذي يعنت أمته ويشق عليها ويدخلها في الآصار والأغلال. وقال: «بعثت بالحنيفية السمحة» وقال: «إن هذا الدين يسر» والأول حديث بأمام عند أحمد وغيره بإسناد صحيح، وذكره العلام الألباني في الصحيحة. والثاني حديث أبي هريرة في البخاري وغيره. قال: «وقال إن هذا الدين يسر» وشريعته صلى الله عليه وسلم سمحة سهلة، ومع ذلك فهي كاملة، مع سماحتها وسهولتها فهي كاملة، أكمل الله عز وجل بها الدين على الناس. فهو عليه الصلاة والسلام يعز عليه أن يشق عليه أن يدخل العنت أي المشقة والشدة على هذه الأمة، ولا أدل على ذلك ما جاءت به عادة به الأحاديث الكثيرة في أصناف من العبادات والطاعات خشية أن تفرض على هذه الأمة خشية العنت عليها. قال رحمه الله تعالى: وقوله «حريص عليكم» أي على هدايتكم وإنقاذكم من النار. قال: «بالمؤمنين رؤوف الرحيم» أي رأفته ورحمته خاصة بالمؤمنين، كما أن غلظته شدة على الكافرين، وهذا مفهوم من أسلوب الحصر، لأن تقديم حقه التأخير يفيد الحصر. قال: «بالمؤمنين رؤوف الرحيم» أي رؤوف الرحيم بالمؤمنين فقط. وهل هذا معنى أنه بالكفار ليس برحيم؟ الجواب: ليس كذلك. إن كان الكافر كافرًا حربيًا فإن الرحمة معه ضعف، ولكن لكونه مع رحمته قوي فهو شديد على الكفار. وأما إن كان ذميًا أو معاهدًا أو مستأمنًا فتشمله الرحمة العامة التي أمر الله عز وجل بها، والتي بها يعانون على الدخول في الإسلام، فتكون لهم الرحمة الخاصة. من معاني النصر والتأييد والكلاء والحفظ الذي يكون لخاصة المؤمنين بحسبه. وفي هذا دليل على أن المخلوق يوصف ببعض صفات الخالق، لكن لا يعني ذلك أنها كصفة الخالق، وإنما هي الأسماء. فرحمة المخلوق رحمة تليق به، ورحمة الخالق رحمة عامة مطلقة كاملة من كل الوجوه تليق بعظمته وجلاله وكماله سبحانه وتعالى، فالرحمة والرحمة لفظهما واحد، وأصل معناهما واحد، ولكن حقيقتهما مختلفة. قال قوله «ومعنى شهادة أن محمد رسول الله طاعته فيما أمر» قال: وقد تقرر وجوب طاعة بالكتاب والسنة، وقرن سبحانه طاعته بطاعته، كما قال سبحانه: «من يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا». وقال سبحانه: «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول» فقرن طاعته بطاعته في مواضع كثيرة، بل جعل طاعته سببًا للهداية «إن تطيعوه تهتدوا» ومعنى التخلف عن ذلك سبب للغواية والضلال. قال رحمه الله تعالى: ومن عصاه فقد عصى الله، ومن عصى الله فله نار جهنم. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك في قوله: «ومن أطاعني أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله». قال: وتصديقه فيما أخبر، قال: فهو الصادق المصدوق، وأمين الله على وحيه، فكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف. يعني أنه إذا أخبر بشيء يقع بمثل ما أخبر، لأنه لا يتكلم إلا بوحي من الله سبحانه وتعالى، فهو الذي قال عنه سبحانه: «لا ينطق عن الهوى إنه إلا وحي يوحى». ومن هذه صفاته كما تقدمت، فهذا هو الرسول الحق الذي هو من أحرص الناس بالخير للخلق. قال رحمه الله تعالى: وقوله «واجتناب ما عنه نهى وزجر» قال: قال تعالى: «وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب». وقال عليه الصلاة والسلام: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» حديث أبي هريرة في الصحيحين. وفي هذا دليل على أن طاعته بحسب الاستطاعة، وأما ما نهى عنه فإنه يجب مطلقًا اجتناب ما نهى عنه وزجر، لأن طلب الفعل قد يكون له مانع، بخلاف النهي. قال رحمه الله: قوله «وأن لا يعبد الله إلا بما شرع» قال: أي لا بالأهواء والبدع، فإن الأصل في العبادات التشريع، وكل بدعة ضلالة. هذا معنى شهادة أن محمدًا رسول الله من طريق اللزوم، يعني يستلزم ألا تحدث في دين الله، بل تتابع، ولهذا كان السلف يقولون: «اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم». فإن من شهد وقد علمنا معنى الشهادة تتضمن ثلاثة أمور: ما هذه الأمور الثلاثة؟ ما عنده من العلم واليقين والعمل، فهي تتضمن ثلاثة أمور، وهي تستلزم أن يتابع عليه الصلاة والسلام فيما جاء به، لا أن يحدث بعده بالبدع والضلالات. والبدع والضلالات من أعظم أسباب تغيير وتبديل الدين وضياعه، كما حصل لأهل الكتاب، أحدثوا وغيروا وبدلوا، حتى ما علم المتأخرون منهم ما هو الدين الذي كان عليه عيسى عليه الصلاة والسلام، وما علم المتأخرون من اليهود ما هو الدين الذي كان عليه موسى عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: ولا ريب أنها تقتضي الإيمان به وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، وأن يعظم أمره ونهيه، ولا يقدم عليه قول أحد. كما قال سبحانه: «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا». قال رحمه الله: ولابد مع النطق بها من العمل بما دلت عليه، فقولها باللسان دون العمل بما دلت عليه لا يصير به من أهل شهادة أن محمدًا رسول الله. كما أن قول «لا إله إلا الله» بدون العمل بما دلت عليه لا يصير به من أهل شهادة أن لا إله إلا الله على الحقيقة. فأول ما يجب على الإنسان أن يعلم بقلبه علم يقين، وينطق بلسانه بالشهادتين، ويعمل بما دلت عليه. وهذه هي الشروط الثلاثة: علم، يقين، عمل. فلا تتحقق الشهادة إلا بهذه الشروط الثلاثة، لابد من علم، ولابد من يقين، ولابد من عمل يبرهن الشهادة للرسول صلى الله عليه وسلم بالرسالة ومعناها. لا متبوع بحق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو توحيد المرسل. ومن الخطأ أن نقول أقسام التوحيد أربعة، لأن توحيد الرسول غير توحيد المرسل. فتوحيد المرسل وهو الله: ربوبية، توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات ثلاثة. أما توحيد الرسول فهو واحد، فلا نخلط بين الاثنين. قال رحمه الله تعالى: قوله «ودليل الصلاة والزكاة وتفسير التوحيد» قال: أي ودليل الصلاة والزكاة، فإنهما ركنان من أركان الدين الخمسة التي لا يستقيم إسلام عبد إلا بهما. وكذا في الآية تفسير التوحيد أيضًا، وهو الأساس الذي لا يستقيم إسلام عبد إلا به. فالصلاة قرينة الزكاة، والزكاة قرينة الصلاة، لأن الصلاة عبادة بدنية، والزكاة عبادة مالية. ولهذا فهما متلازمان، وبهما يتحقق أمر العبودية لله عز وجل في البدن وفي المال. قال رحمه الله تعالى: قوله تعالى «وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء» قال: أي وما أمر الذين كفروا إلا لوحدوا الله ويفردوه بالعبادة حنفاء، مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام. لأن هذا هو معنى الحنيف، الحنيف المائل من الإعوجاج إلى الاستقامة حسًا ومعنى. والحنيفية ملة إبراهيم، وهي التي بعث بها النبي عليه الصلاة والسلام، بعث بالحنيفية السمحة، أي الميل عن كل انحراف وباطل والاستقامة على كل حق. وكذلك صواب، قال رحمه الله: قال ابن عباس: «ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بإخلاص العبادة لله موحدين» فهو دين الأنبياء جميعًا. وقال تعالى: «وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون» وهذا تفسير التوحيد. قال قوله «ويقيم الصلاة ويؤت الزكاة» يعني معنى تفسير التوحيد، أي كونه يشمل جميع أنواع العبادات، فلا يكون الإنسان مخلصًا لله عز وجل إلا بإخلاصه لربه في جميع أنواع العبادات، ومنها الصلاة والزكاة وسائر الدين. فالصلاة والزكاة المذكورة في الآية أعظم الأعمال التي دعي إليها أهل الإخلاص أهل التوحيد، وهو مما اتفقت به الشرائع، فإن الشرائع اتفقت في أصول، ومن هذه الأصول التي اتفقت بها الأمر بالصلاة والزكاة والصيام، وهكذا كذلك الحج، وعدم فعل الفواحش، والحرص على الأخلاق الكريمة. مع أصل التوحيد الذي هذه كلها من تحقيقه. قال رحمه الله: أن يقيم الصلاة المكتوبة بأركانها واجباتها في أوقاتها، ويؤت الزكاة عند محلها، وهذا هو دليل الصلاة والزكاة، وأنهما ركنان من أركان الإسلام لا يستقيم بدونهما. وكثيرًا ما يقرنهما تعالى في كتابه العزيز، لأن معنى الإقامة شيء زائد عن مجرد الأداء، فلم يقل سبحانه وتعالى: «أدوا الصلاة» وإنما قال: «أقيموا الصلاة». وإقامتها يكون بأداء معاني الإقامة الحسية، ومنها الأركان والواجبات والشروط والمستحبات، وأداء الأركان، وإقامة المعاني المعنوية من الخشوع وحضور القلب والإخلاص النية، وعدم وجود المزاحم وغير ذلك. على الوجه الذي أمر الله عز وجل به، وعلمه رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك فهو الذي قد أقام الصلاة، وانتفع بهذه الصلاة. فالصلاة التي تنفع صاحبها بالدنيا والآخرة هي التي تقام على الوجه الذي أمر الله بها، وعلمها رسوله صلى الله عليه وسلم. وعند ذلك يكون الفلاح، وروحها الخشوع، فمن وصل إلى الخشوع فإنه قد حقق معاني الإقامة الحسية والمعنوية. ولهذا كانت علامة على القبول والفلاح، قال الله سبحانه: «قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون». وكما تقدم قرن بين الصلاة والزكاة، لأن هذا في العبادات البدنية، وهذا في العبادات المالية، وهما من مباني الإسلام وأركانه لا يستقيم الإسلام إلا بهما. قال رحمه الله تعالى: قوله «وذلك دين القيمة» قال: أي الذي أمر به في هذه الآية الكريمة هو الملة والشريعة المستقيمة، فدين القيمة أي دين الملة والشريعة المستقيمة، أي الذي لا عوج فيه. وهو ما بعثت به الرسل عليه الصلاة والسلام جميعًا. قال رحمه الله تعالى: قوله «ودليل الصيام» أي وأنه أحد أركان الإسلام الخمسة التي لا يستقيم الإسلام إلا بها. والصيام في اللغة الإمساك، من معانيه الإمساك، وإلا فهو شيء زائد عن معنى الإمساك، لأن القاعدة عند أهل العربية اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فهو إمساك مخصوص لغة وشرعًا، قاله في الشرع: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع مع النية في وقت مخصوص من شخص مخصوص. وأحسن منه ما عبر أنه: التعبد لله بالإمساك عن الأكل والشرب والجماع وسائر المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. ولو ذكر النية كان مكملًا، وذكر هاهنا الصلاة والصيام ولم يذكر الصلاة، فالصلاة لغة قال العلماء: الدعاء. والصحيح من معانيه الدعاء، على ما تقدم، وأقرب ما يكون الحنو والعطف الذي منه الدعاء، كما رجحه الإمام ابن القيم رحمه الله. وفي الشرع: التعبد لله بأقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم. وأما الزكاة لغة: من معانيها النماء والطهارة، وهي في الشرع: التعبد لله بإخراج جزء واجب شرعًا في أموال مخصوصة على أوجه مخصوصة. قال رحمه الله تعالى: قوله «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون» قال: أمر تعالى عباده المؤمنين من هذه الأمة بالصيام، لما فيه من زكاة النفوس وتطهيرها وتنقيتها من الأخلاق الرذية والأخلاق الرذيلة. والفرق بين الأخلاق الرذية والرذيلة: أن الرذيلة إذا قرنت بالرذي كان الرذيل ما يستفحش من الأفعال، والرذي ما يستقبح من الأقوال والأقوال الظاهرة، وكذلك الباطنة أي في القلب. فالصيام يطهر من هذا وهذا. قال: وفرض في السنة الثانية من الهجرة، وذكر تعالى أنه فرضه وأوجبه عليهم كما أوجبه على من كان قبلهم، فلهم فيهم أسوة. قال شيخ الإسلام: كانوا يعرفونه قبل الإسلام ويستعملونه، كما في الصحيحين: «يوم عاشوراء كان يومًا تصومه قريش في الجاهلية» وهو حديث عائشة في ذكر يوم عاشوراء. وهذا فيه دليل على أن أهل الجاهلية كانت لهم عبادات وطاعات، ومع ذلك هم من أهل الشرك، حتى لا يظن الظان أن من لازم الشرك ألا يكون معه عبادة. بل قد تكون لصاحب الشرك عبادات وطاعات، لكن لوقوع الشرك تبطل تلك العبادات والطاعات. فقد أخبر عنهم سبحانه أنهم كانوا يصومون، وأنهم كانوا كذلك يتصدقون، وكانوا يصلون ويطوفون، وغير ذلك من أنواع العبادات التي أخبر الله عز وجل بها عنهم. وما كانت صلاته عند البيت إلا مكان، وتصديقه قال رحمه الله: ثم هو مع العلم العام الذي توارثته الأمة خلفًا عن سلف «لعلكم تتقون» يعني بالصوم، لأنه وصله إلى التقوى. قال: لما فيه من قهر النفس وكسر الشهوات، وهذا ظاهر، ولهذا يجد الصائم في نفسه من الإنكسار والإقبال على الله ما لا يجده في حال كونه غير صائم. قال رحمه الله تعالى: قوله تعالى «ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا» وفي إشارة شيخ الإسلام إشارة كذلك إلى أن الصيام كان مما هو معلوم ومعهود عند الأمم السابقة، وهو الذي أخبر الله به في الآية. فأهل الكتاب يعرفون الصيام، وإن اختلفت كيفية الصيام، لكن أصل الصيام معروف. قال رحمه الله: قوله «حج البيت» قال: أي أنه أحد أركان الإسلام، والحج لغة: قصد الشيء وإتيانه، من معانيه القصد والإتيان. فهو قصد وإتيان وزيارة بمعنى مخصوص، بمعنى مخصوص، فلذلك لا يقال على كل قصد وإتيان. قال: وشرعًا: قصد مكة لعمل مخصوص في زمن مخصوص، والأحسن: التعبد لله عز وجل بقصد مكة لأداء أعمال الحج، بقصد مكة والمشاعر لأداء أعمال الحج على الوجه المشروع. قال رحمه الله تعالى: قوله «إليه سبيلا» قال: أي على المستطيع من الناس أن يحج البيت، والاستطاعة القدرة بنفسه على الذهاب، ووجود الزاد والراحلة بعد قضاء الواجبات عليه. فهذان أمران من معاني الاستطاعة: القدرة البدنية والقدرة المالية، والقدرة المالية: وجود الزاد والراحلة، وهو اليوم نفقات السفر وما يحتاجه الحاج في سفره وأداء حجه ونسكه. بعد قضاء الواجبات التي عليه، يعني حق نفقة من تحت يده من زوجه وأبناء، وإن كان الوالدان تحت يده فكذلك مأكل ومشرب ومسكن وملبس وسائر الحوائج الأصلية. قال: وغير ذلك مما هو معلوم في كتب التفسير والفقه، يعني في تفاصيل كثيرة يذكرها العلماء في كتب التفسير التي تعتني بالأحكام، وكتب الفقه التي تذكر كذلك أحكام الفقه. قال قوله رحمه الله: ومن كفر فإن الله غني عن العالمين، أي من وجد ما يحج به ولم يحج حتى مات فهو كافر به، فقد سمى تعالى تارك الحج كافرًا، فقد دل على كفره. وإذا كان دل على كفره، فقد دل على آكدية ركنيته. وفي الأثر: «من مات ولم يحج فلا علي يموت يهوديًا أو نصرانيًا» وهو معنى الأثر المروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما رواه منصور وغيره. وقد مر معنى قريبًا في كتاب الحج، فهذا معنى أنه كما فسر كاد أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا بتشبهه بهم، لأنهم لا يحجون. والتفسير الآخر: أنه يكون بمعنى الكفر المخرج من دين الإسلام، وهي إحدى الروايتين عن السلف في مباني الدين العملية. فكما ذكره ابن رجب في جامع علوم الحكم وغيره من أهل العلم، فقد يكون كفرًا دون كفر، وقد يكون كفرًا أكبر، وبكل الأمرين قد ورد. وأما إذا جحد فهو كافر، وإن فعل وهو كافر قبل أن يفعل، لأن الجحود بحد ذاته كفر. قال رحمه الله تعالى: المرتبة الثانية: الإيمان، وهو بضع وسبعون شعبة. قال: قدم المرتبة الأولى وهي الإسلام، وثن بالمرتبة الثانية الإيمان، كان ينبغي أن يقول: الثانية. قال: ويا عم من مرتبة الإسلام من جهة نفسها، وأخص من جهة أصحابها وأهلهم، خواص أهل الإسلام، وأهل الإسلام أكثر من أهل الإيمان، بخلاف العكس. كما قال تعالى: «قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قلوا أسلمنا» فإن من حكم من حكمت له النصوص أنه مؤمن، فإنه مسلم على كل حال. فإن الإيمان وصف أعلى من وصف الإسلام، لأنه مشتق من الأمن، فهو من الأمور الباطنة الذي يؤتمن عليه، ويكون خفية. والإسلام من الأمور المدركة المحسوسة في الظاهر، مشتق من التسليم أو المسالمة، كما تقدم. ولهذا كما تقدم معنا بينهما عمومًا وخصوص، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن. قال: فإذا أطلق الإيمان في النصوص دخل فيه الإسلام، وإذا أطلق الإسلام لم يدخل فيه الإيمان. وهذا تقدم معنا: إذا أطلق الإيمان دخل فيه الإسلام، وإذا أطلق الإسلام لم يدخل فيه الإيمان. وقد يدخل على وجه التبادل، وهذا قليل، وهذا قولهم: إذا اجتمع فترقا، وإذا افترقا اجتمعا. قال: ومن أثبت له الإيمان في النصوص فإنه ثابت له الإسلام، والمسلم لا بد أن يكون معه إيمان يصحح إسلامه، وإلا كان منافقًا. ولكن لا يستحق أن يمدح به ويثنى عليه، بل إيمانه ناقص. ويأتي تمثيله، يعني المثال عليه. قال: والإيمان الشرعي: قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، ويزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. فدخل فيه جميع المأمورات، ومن عبر به بأنه قول وعمل، وهذا هو تعبير أكثر أهل العلم سلفًا وخلفًا. وكما قال الإمام البخاري رحمه الله: أنه سمع من ألف شيخ، فأكثر كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل. فقد أجمل من عبر أنه قول وعمل، ذكر الإيمان على وجه مجمل، ولهذا يفصل فيقال: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح. فالقلب له قول، واللسان له قول، والقلب له عمل، وهكذا اللسان والجوارح. ثم كونه قول وعمل هو متضمن أنه يزيد بزيادة الأقوال، وينقص بنقص الأقوال، ويزيد بزيادة الأعمال، وينقص بنقص الأعمال. فهو شيء مختصر يدل على غيره، وبالتفصيل: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. قال رحمه الله تعالى: فدخل فيه جميع المأمورات، سواء كان من الواجبات أو المستحبات، ودخل فيه ترك جميع المنهيات، سواء كان ذلك المنهي ينافي أصول الدين بالكلية أو لا ينافي أصول الدين. مثل الكفر والشرك والنفاق وأسباب الردة ونقض الإسلام، أو لا ينافيه بالكلية، ولكن ينقصه مثل البدع والذنوب والمعاصي، وفعل المكروهات. فهو لا يذهبه بالكلية، ولكن ينقصه، لأن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي والسيئات، فبالكفر والشرك والنفاق من باب أولى. قال: فإن تعريفه المذكور يشمل ذلك، فما من خصر من خصال الطاعات إلا وهي من الإيمان، ولا ترك محرم من المحرمات إلا وهو من الإيمان. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لا يزني الزان حين يزني وهو مؤمن» أي أن إيمانه ينقص. وفسر أنه يرتفع حال المعصية، كعقل النائم بالنسبة للنائم، فإنه لا يجتمع إيمان ومعصية في وقت واحد. وجاء في رواية يصححها بعض أهل العلم: أنه يرتفع فوقه كالظلة. قال قوله رحمه الله: «بضع وسبعون شعبة» قال: البضع بكسر الباء من الثلاثة إلى التسعة، هذا معناه في اللغة. قال: والشعباء الطائفة من الشيء، والقطع منه، والشعب من شعب الإيمان يدخل تحت أفراد من الخصال. فهو مثل الجنس تحته أنواع. قال: فهي من حيث هذا العدد يكون تحتها أفراد من الخصال، أي الكثيرة. فمن شعب الإيمان مثلًا الصلاة، فيدخل في الصلاة أنواع الصلاة التي منها، وهي الحنو والعطف قولية وفعلية ظاهرة وباطنة. وهكذا كذلك قل في السائر الخصال. قال: فهي من حيث هذا العدد يكون تحت أفراد من الخصال. قوله: «فأعلاها قول لا إله إلا الله» قال: أي فأعلى شعب الإيمان قول العبد «لا إله إلا الله»، فهي كلمة الإخلاص وكلمة الإسلام، وهي العروة الوثقى، وكلمة التقوى، وأساس الملة، ومفتاح الجنة. كما صحت به النصوص في هذه المعاني. وقول «لا إله إلا الله» شعبة تتضمن تحتها خصالًا كثيرة، على ما تقدم تفصيله من معاني النفي والإثبات في تحقيق التوحيد لله عز وجل في ربوبيته وألوهيته وأسماءه وصفاته. وفي تحقيق كذلك معنى معنى الشهادة بهذه الكلمة، معنى الشهادة بهذه الكلمة علمًا ويقينًا وعملًا، وتحت كل معنى من هذه المعاني تفاصيل كثيرة. وقوله في الحديث الذي أشار إليه، وحديث أبي هريرة في الصحيحين: «بضع وسبعون شعبة» هذه رواية مسلم. وأما رواية البخاري ومسلم المتفق عليها: «بضع وستون شعبة» وهذه أصح. ورواية «بضع وسبعون» رواها مسلم، وقال من قال من أهل العلم تبعًا لمسلم أنها رواية صحيحة تدل على أن الشعب تأتي هكذا وهكذا. ومعناه عند بعض أهل العلم: أي كثيرة، لأن لفظ السبعين يطلق في اللغة ويراد به الكثرة، ولا يراد به عين العدد. كما قال الله عز وجل: «إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم» فليس المراد عد سبعين استغفارًا بالعدد، ولكن معناه: إن تستغفر لهم استغفارًا كثيرًا، حتى ولو بلغ سبعين فأكثر فلن يغفر الله لهم. فيكون معنى الحديث بهذا: الإيمان بضع وسبعون شعبة، أي شعب كثيرة، شعب كثيرة تزيد على السبعين، تزيد على السبعين. وهكذا كذلك حتى لو قيل بالرواية الأخرى، وكل الروايتين معناها صحيح، فهو يفيد معنى الكثرة. قال رحمه الله تعالى: «قولوا وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» أي أصغر شعب الإيمان إزالة الأذى عن الطريق من شوك وحجر ونحو ذلك مما يتأذى المار به. فذكر ما يتعلق بالاعتقاد وما يتعلق بالعمل وما يتعلق بالقول، وذكر العظيم والصغير والوسط. والمعنى: حافظوا على جميع خصال الإيمان، فكله من الإيمان يزيد بزيادتها وينقص بنقصانها. وفي هذا دليل على أن نقص هذه الخصلة نقص في الإيمان، فمن لم يمط الأذى عن الطريق مع رؤيته له واستطاعته، هذا علامة من علامات نقص إيمانه. فضلا عن من يرمي الأذى في الطريق، فالمؤمن الذي كمل في إيمانه لا يرضى ببقاء الأذى، فضلا أن يرمي به، سواء شوك أو حجر أو حتى عود كبريت، فإنه يحرص على إبعاد الأذى لأنه من الإيمان. قال رحمه الله تعالى: قوله «والحياء شعبة من الإيمان» أي بعض منه. وإنما جعله بعضه لأن المستحي قال: لأن المستحي ينقطع بحيائه عن المعاصي، ولأن الإيمان ينقسم إلى ائتمار وانتهاء، فإذا حصل الانتهاء بالحياء كان بعض الإيمان. والحياء من أفضل الأخلاق وأجلها وعظمها قدرًا، بل هو خاصة الإنسانية، يعني من علامات كمال الإنسان في إنسانيته. فإذا أردت أن تعرف كمال إنسان في إنسانيته، فانظر أين هو من الحياء، فإذا كان حييًا فمعناه أن صفاته الأخرى بإذن الله كاملة. وإذا لم يكن حييًا بل جريئًا، فهذا علامة على خروجه عن معنى الاعتدال في إنسانيته. قال: وفي الحديث: «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» ومعناه: إن فلت لم ينفع معك شيء. والحديث في البخاري وغيره عن أبي مسعود قال: وهو غريزة يحمل المرء على فعل ما يجمل ويزين، ويمنعه من فعل ما يدنس ويشين. هذا معنى الحياء غريزة، أي شيء في الفطرة يحمل المرء على فعل ما يجمل ويزين. وهو كذلك يزيد بمعاشرة أهله، الحياء بمخالطة أهل الحياء يكمل، والحياء بمخالطة أهل الجرأة والفجور يضعف ويزول، يضعف ويزول. فلذلك يحرص المسلم على تكميل الأخلاق الكريمة بمخالطة أهلها، وتعلمها حتى يكمله الله، ويعينه على تكميل خصال الإيمان. طيب نقف إلى هنا والله تعالى أعلم.