شرح أصول السنة 20

شرح أصول السنة 20

الدرس في شرح أصول السنة 20، الدرس العشرون : (ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين ... فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في تحريم الخروج على الحاكم

يؤكد الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك على مذهب أهل السنة والجماعة في تحريم الخروج على الحاكم المسلم، مستدلاً بحديث رسول الله وآثار الصحابة. هذا المذهب يبرر تحريم الخروج بأنه يؤدي إلى مفاسد أعظم من بقاء الحاكم الجائر.

مبدأ عدم الخروج على الحاكم ودرء المفاسد

يرتكز مبدأ عدم الخروج على الحاكم عند أهل السنة والجماعة على درء المفاسد واتباع السلف الصالح. هذا المبدأ يستند إلى مواقف الإمام أحمد بن حنبل وتصرفات النبي صلى الله عليه وسلم في مكة.

النصيحة للسلطان وطرقها الصحيحة

يجب على المسلمين الحفاظ على سلامة المجتمع وعدم الخروج على السلطان، ويتم ذلك بالنصيحة بالطرق الصحيحة مثل الكتابة أو الدخول بالنصيحة في السر. التشهير على المنابر قد يؤدي إلى الفتن وعدم إصلاح الوضع.

ضبط الأسلوب في النصيحة للسلطان

النصيحة يجب أن تكون بأساليب سليمة وبعيدة عن الفتن وإثارة الشعوب، مع الاكتفاء بأداء الواجب بغض النظر عن استجابة المنصوح. الحديث في هذا السياق يصح بمجموع طرقه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، طيب، بسم الله الرحمن الرحيم. قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: «ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين، كان الناس اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان، بالرضا أو بالغلبة، فقد شق هذا الخارج عصى المسلمين وخالف الآثار عن رسول الله، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية». أورد رحمه الله تعالى هذا الأصل، وهو من أصول أهل السنة والجماعة، كذلك في مسائل الإمارة والطاعة. ويدل عليه ما جاء في صحيح مسلم، حديث أبي سعيد، «إلى بيع الخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما»، فإنه لا يجوز الخروج على ولي الأمر المسلم، حتى لو خرج عليه خارج، لا يجوز، بل حتى لو كان الخارج أبر من المخروج عليه، أو الخارج عليه، لا يجوز الخروج مع الثاني؛ لأن الشرع أمرنا بطاعة ولاة الأمور وتسليم الطاعة لهم والبقاء في جماعتهم، ولو كانوا فجارًا. ومن نزع يده من طاعة، فمات، مات ميتة جاهلية، كما في حديث ابن عمر: «من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية». هكذا جاء في لفظ مسلم، وجاء كذلك: «ومن خرج من الطاعة، مات ميتة جاهلية». وفي حديث ابن عباس المتقدم، أمر النبي عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيحين- بالطاعة، «من كره من أميره شيء، فليصبر»، فإنه «من خرج على السلطان شبرًا، مات ميتة جاهلية». وحديث معاذ، رضي الله تعالى عنه، في الافتراق، وذكر آخر الزمان وأحوال الناس فيه، أمر النبي عليه الصلاة والسلام «أن يلزم جماعة المسلمين وإمامهم»، ليس جماعة المسلمين فقط، بل جماعة المسلمين والإمام؛ لأن هذا مما يستتب به الأمن، ويحصل به كذلك الاستقرار. وفي غير ذلك تكون الفتن، وتهدر الدماء، وتنتهك الأعراض، وتستحل الأموال، وكل ذلك شر، فدفعًا لهذا الشر، وعملًا بالقاعدة العظيمة: «درء المفاسد أولى من جلب المصالح»، فكيف إذا كان كله مفاسد؟ بل القاعدة الأخرى وهي أدق: «ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أشدهما ضررًا». بل كما مر معنا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشروط، من شروطه ألا يؤدي إلى منكر مثله أو أعظم منه. فكيف بالخروج على السلطان المسلم، ولو كان جائرًا؟ فإنه مع مخالفته الشرعية، مستوجب لمفسدة، أقل أحوال هذه المفسدة أنها مستوجبة لشر مثل الموجود. كيف والذي لا شك فيه أنها مستوجبة لشر أعظم من الشر الموجود؟ يكفي ما يكون من سفك الدماء، بينما وجود السلطان الجائر ليس فيه سفك دماء، ولو كان هناك سفك دماء فهو خاص، وليس فتنة عامة. ولما أتى بعض من أتى إلى الإمام أحمد، رحمه الله، في محنة القرآن، وقد قتل من قتل من العلماء، وأرادوا الخروج على السلطان، حذرهم ونهاهم وخوفهم من الفتنة، فقالوا له: «أما ترى ما نحن فيه من فتنة؟» -يعني يقتل العلماء ويقال بخلق القرآن ويفعل ويفعل- فقال رحمه الله: «هذه فتنة الخاصة، وأما إذا رفع السيف فهي فتنة العامة». إذا خرج على السلطان ورفع السيف، فإنها فتنة العامة؛ فإن الدماء التي ستسفك أعظم وأكثر من دماء هؤلاء العلماء الذين قتلوا ظلمًا وجورًا. انظر إلى تطبيق أئمتنا وعلمائنا لهذا الأصل العظيم، وليس هذا لضعفهم، ولا لجبنهم، ولا لخوفهم، لا، بل هم أشجع وأتقى وأزهد في هذه الدنيا، ولكن طاعة لله سبحانه وتعالى، ولرسوله عليه الصلاة والسلام، وسيرًا على السلف الصالح، رضي الله عنهم ورحمهم الله. وهكذا كذلك درءًا للمفاسد، وهي قاعدة شرعية عظيمة، دلت عليها آلاف النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، وتطبيق سلف الأمة، فلهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة عدم الخروج على أئمة المسلمين. ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين -يعني خالف أصلًا من أصول أهل السنة- قال: «كان الناس اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة». ومفهومه: إذا لم يكن كذلك فهو جائز، لكن ليس معناه أنه لا يمنع لسبب آخر. لا، كما قلنا فيما مضى، وهذا من باب أولى، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إلا أن تروا كفرًا بواحًا»، وقال: «ما أقاموا فيكم الصلاة»، ومع ذلك ليس معناه إذا ظهر الكفر البواح، وإذا لم يأمروا بالصلاة ولم يقيموها في أنفسهم، معناه يجب الخروج أو يجوز الخروج، ولا يمنع؛ لا لأنه قد يوجد مانع آخر. ما هو هذا المانع الآخر؟ المانع الآخر حصول مفسدة أعظم من المفسدة الموجودة. كفعل النبي عليه الصلاة والسلام في مكة، هل قاتل المشركين؟ الجواب: لا، ما قاتل المشركين، مع أنهم كفار، لكنه لم يقاتلهم عليه الصلاة والسلام، ولم يخرج عليهم، ولم ينازعهم في ملك؛ لأن ذلك فيه مفسدة أعظم من المفسدة التي هم فيها. فلذلك أمره ربنا جل وعلا ومن معه بالهجرة -الهجرة الأولى والهجرة الثانية والهجرة الثالثة، الأولى والثانية إلى الحبشة والثالثة إلى المدينة- ثلاث مرات أمر بالهجرة -يعني أمر أصحابه- ولم يؤذن لهم أبدًا بالقتال؛ لأجل أن نعلم أنه حتى إذا ظهر الكفر البواح، وحتى كذلك إذا لم يقيموا الصلاة، فمع ذلك لا يعني ذلك استلزام الخروج أبدًا. بل دين الإسلام دين الحكمة، ودين وضع الشيء في موضعه، وتنزيل الأحكام منازلها الشرعية الصحيحة. وقل من يفقه ويفهم هذا. فإذا كان هذا في مثل ذلك -ظهور الكفر- فما بالك في مثل هذا المقام، من باب أولى، وهو عدم استقرار الخلافة. وقوله: «بأي وجه كان، بالرضا وبالغلبة»؛ لأن من أصول أهل السنة طاعة ولاة الأمور، ولو تأمر عبد حبشي لا يستحق الإمارة، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام بذلك الأثر: «وإن تأمر عليكم عبد حبشي». وكما مر معنا قريبًا: «كأن رأسه زبيبة»، فسر بأحد التفسيرين: إما أن هذا الحبشي أمير الأمير، وهذا جائز، وإما هذا الحبشي غلب بالقوة والقهر، وهو في الأصل لا يستحق أن يكون أميرًا. «فلئمة من قريش» هذا هو الأصل، ومع ذلك لو حصل له ذلك، فالسمع والطاعة حفظًا لسلامة المجتمع، ليس خوفًا ولا جبنًا، ولكن حفظًا لسلامة المجتمع. الله الذي أمر بذلك، ورسوله عليه الصلاة والسلام الذي أمر بذلك، وهذا دين من دين الله عز وجل. وقوله: «فقد شق هذا الخارج عصى المسلمين» للأحاديث التي سبقت، «وخالف الآثار، فإن مات الخارج عليه مات» -يعني على ما هو عليه من الخروج- «ميتة جاهلية»، كما جاء بحديث ابن عمر، وحديث ابن عباس، والأحاديث الأخرى في هذا الباب، وهي كثيرة. وهكذا كذلك كما أن هذا الخروج بالسيف والسنان، فكذلك الخروج باللسان، فإنه نوع آخر من الخروج على السلطان، لا يجوز. ويجب على كل مسلم أن يكف من الخروج على السلطان. وعد العلماء من فرق الخوارج فرقة تخرج بالقدح بألسنتها، وهي من فرق الخوارج، لم تخرج بالسيف، ولكنها تخرج باللسان، تهيج بالخطب أو بالكتابات ونحو ذلك، ما يفعله بعض التكفيريين في هذا الزمان من الخطب النارية التي كلها تأجيج وتهييج للشعوب والمجتمعات على حكامها. وهذا ليس من منهج أهل السنة والجماعة، بل منهج أهل السنة والجماعة يوجب إذا رأى الإنسان منكرًا أن يناصح السلطان برفق، وليل، مما أمر به الشرع أولًا، ولأنه ثانيًا أدعى لقبول النصيحة. يقول ربنا جل وعلا لموسى وهارون: «فقولا له قولًا لينًا»، وهو كافر، وهما من أنبياء الله؛ لأن ذلك أدعى لقبول النصيحة. فكيف بما يكون من تشهير على المنابر وتجريح؟ هذا أدعى لرد هذه النصيحة. وكما قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله: «النصيحة من المنابر هي متلقاة على أحد أوجه ثلاثة: إما أن تبلغ هذا الحاكم وقد حرفت من قبل نقلة السوء، وما أكثر نقلة السوء المبغضين لأهل الصلاح»، وهذا يوجد النقمة والعداوة والشر بين الحكام والدعاة. «وإما -وهذا ثانيًا- وإما كذلك أن لا تصل إلى هؤلاء العلماء إلى هؤلاء الأمراء، ويكون بذلك فقط تهييج الشعوب، بما يوجب الفتن وعدم إصلاح الوضع. وإما ثالثًا أن تصل إلى هذا الأمير أو الرئيس أو غيره، إن سلمت من أي تحريف وكذب وزيادة أو نقصان، فإنها لا تسلم من غيظ وغضب؛ لما كان من التشهير به على المنابر». وكل هذه الأوجه الثلاثة تقتضي عدم النصيحة بهذه الطريقة؛ لأنه لا مصلحة فيها، بل المصلحة بالكتابة، أو بالدخول بالنصيحة في السر، أو مع أهل العلم الذين يوصلون النصيحة ويستطيعون الوصول إلى هؤلاء الأمراء، أو مع المأمونين ممن هم يدخلون على الأمراء، فيدنون هذه النصيحة على الوجه الصحيح. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه: «من أراد أن ينصح لذي سلطان، فلا يبده علانية، وليأخذ بيده، فإن قبل أو قال: سمع، فذاك، وإلا كان أدى الذي عليه». أنت عليه النصيحة فقط، إذن اتخذ الأسلوب الصحيح السليم البعيد من الفتن والشر وتهييج الشعوب. فإن سمع فالحمد لله، إن لم يسمع برئت ذمتك وأديت الذي عليك. أما أن تهييج الشعوب فهذا ليس بالصحيح. والحديث صحيح، صححه الألباني، وله طرق كثيرة، بمجموعها يصير حديثًا حسنًا، فقد روي من حديث عياض بن غنم، ورواه ابن أبي عاصم وغيره. طيب، نقف عند هذا الحد، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم.