الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 51، الدرس الحادي والخمسون :(وقوله وهو شديد المحال ... فكان عاقبة هذا المكر منهم أن مكر الله بهم فدمرهم وقومهم أجمعين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ ابن بريك شرح شيخ الإسلام ابن تيمية لآيات القرآن التي تثبت صفتي المكر والكيد لله، موضحا أنها صفات فعلية اختيارية مقيدة. ينبغي تقييد هذه الصفات كما وردت في الكتاب والسنة.
يناقش تفسير الآيات القرآنية التي تشير إلى مكر الله وكيده، موضحا أن مكر الله عز وجل يختلف عن مكر الإنسان لأنه كله عدل. يشرح معاني الآيات مثل "والله خير الماكرين" و"وهو شديد المحال".
فسر بعض السلف مكر الله بعباده بالاستدراج بالنعم، وأوضح ابن القيم أن هذا تفسير وليس تأويلا. يُبين أن مكر الله عز وجل بهم أدى إلى هلاكهم ويُثبت صفة المكر لله تعالى على حقيقتها.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿وهو شديد المحال﴾، وقوله: ﴿ومكر ومكر الله والله خير الماكرين﴾، وقوله: ﴿ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون﴾، وقوله: ﴿إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا﴾، قال الشارح رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿وهو شديد المحال﴾، الآخرة، تضمنت هذه الآيات إثبات صفتي المكر والكيد، وهما من صفات الفعل الاختيارية. ومر معنا أن لفظة الاختيارية أنها صفة كاشفة، فأفعال الله كلها اختيارية، لا وجود لأفعال غير اختيارية بخلاف أفعال المخلوق، ولكن المراد التعليل بها، يعني أنها يفعلها الله جل وعلا بمشيئته متى ما شاء. فالمراد أن هذه من الصفات الفعلية، إلا أنه كما سيأتي أن هذا من الصفات الفعلية المقيدة، فلا يوصف ربنا جل وعلا بالمكر مطلقا، بل هو سبحانه «خير الماكرين»، كما قال: ﴿ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين﴾، ومن خير مكره أنه لا يمكر إلا بمن يمكر به، فهي صفة مقيدة. وينبغي أن ندور مع الكتاب والسنة حيث دارا، فما أثبت مطلقا أثبتناه مطلقا، وما أثبت مقيدا أثبتناه مقيدا. فلما كان الأمر كذلك، فكان ينبغي أن تقيد كذلك هذه الصفة، فيقال: إن صفة المكر والكيد لله جل وعلا صفة مقيدة، أو نقول كما عبر بعضهم: صفة مقابلة، يعني في مقابلة مكر يمكر بمن يمكر، ويكيد بمن يكيد، وليس المراد بالمقابلة ما يريد أهل التعطيل من نفي الصفة، ولكن المراد بالمقابلة في هذا الموضع هو التقييد الذي وردت به الأدلة. قال رحمه الله تعالى: ولكن لا ينبغي أن يشتق له من هاتين الصفتين اسم، فيقال: ماكر، بل الصحيح أنه كذلك لا ينبغي أن يوصف بها كوصف إلا مقيدا. ليس فقط لا ينبغي أن يكون له اسم، فهذا صحيح، وأصح منه وأحسن أن نقول: كذلك لا يوصف به وصف إلا مقيدا، قال: فيقال: ماكر وكائد، بل يوقف عندما ورد به النص من أنه «خير الماكرين»، وأنه يكيد لأعدائه الكافرين. وعلى هذا، وهو كما قال رحمه الله، فيكون المراد بالكيد الكيد المحمود، والمكر المحمود، وهو الكيد بمن يكيد به، والمكر بمن يمكر به. قال: أما قوله سبحانه: ﴿وهو شديد المحال﴾، فمعناه: شديد الأخذ بالعقوبة، معناه: شديد الأخذ بالعقوبة. وقيل: هو المكر، ويدل عليه فعل المؤلف رحمه الله، أنه جمع هذه الآية مع آيات المكر والكيد. فإن المؤلف صنيعه يدل أنه يريد بأن شديد المحال معناه شديد الأخذ بالعقوبة، وهو من المكر والكيد، إذ أن الله عز وجل يمهلهم ولا يهملهم، يمهلهم ولا يهملهم، فإذا وقع وعد ربنا سبحانه وتعالى، أخذهم أخذ عزيز مقتدر، فهو أمهلهم وأمهلهم وأمهلهم وتركهم، وهذا من الكيد بهم، كما أنهم كادوا في دين الله وفي شرع الله. وكذلك «أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد»، كما في قوله تعالى: ﴿إن بطش ربك لشديد﴾، إن أخذه أليم شديد. وقال ابن عباس: معناه شديد الحول. وقال مجاهد: شديد القوة. وروي عن علي: شديد الأخذ. وكلها أقوال متقاربة. قال رحمه الله تعالى: والأقوال متقاربة. وأما قوله: ﴿والله خير الماكرين﴾، فمعنى: أنفذهم وأسرعهم. والصحيح أن العبارة أوسع من النفاذ والسرعة، فهو خير الماكرين، إذ مكره كله عدل، بخلاف مكر الإنسان والمخلوق، فمكره فيه الجور، وفيه الظلم، وفيه الانتقام للنفس على غير حق. وأما مكر الله جل وعلا فكله عدل. ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين، وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، ويمكرون يمكر الله، فإن الله عز وجل يمكر المكر الخير. ومن مكره الخير أنه يمهل هؤلاء الماكرين، وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون يستمرون بالمكر والإيذاء، وربنا جل وعلا يمهل ولا يهمل. فإذا قوله: أنفذهم وأسرعهم، هذا بعض المعنى، والمعنى أوسع من ذلك. قال: أنفذهم وأسرعهم مكرا. وقد فسر بعض السلف مكر الله بعباده بأنه استدراجهم بالنعم من حيث لا يعلمون. وهذا التفسير تفسير ببعض المعنى، وإلا فمن مكر الله جل وعلا الإمهال، ومن مكر الله جل وعلا كذلك ما ذكر الاستدراج. وعلق ابن القيم رحمه الله على معنى هذه العبارة، وأكثر شرح المؤلف رحمه الله معناه مأخوذ من كلام الشيخين: شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. علق ابن القيم بأن هذا ليس بتأويل، بل هذا تفسير، كون أن بعض السلف يفسر المكر بأنه استدراج بالنعم، ليس هذا بتأويل ولا تحريف للفظ عن ظاهره، بل هذا تفسير، يعني من معاني المكر الاستدراج بالنعم، من معاني المكر. وإلا فالمكر معناه معروف في اللغة. قال: «وفي الحديث إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا ما يحب وهو مقيم على معصيته فاعلم أنما ذلك منه استدراج». والحديث جاء عن عقبة بن عامر، عند أحمد، والطبراني، والبيهقي. وكما أشار المعلق رحمه الله أنه صححه العلامة الألباني رحمه الله في الصحيحة. قال: وقد نزلت هذه الآية في شأن عيسى عليه السلام حين أراد اليهود قتله، ودخل بيتا به كوة، وقد أيده الله بجبريل عليه السلام، فرفعه إلى السماء من الكوة، فدخل عليه يهودا ليدلهم عليه فيقتلوه، فألقى الله شبه عيسى على ذلك الخائن، فلما دخل البيت فلم يجد فيه عيسى خرج إليهم ويقول: ما في البيت أحد، فقتلوه وهم يرون أنه عيسى، فذلك قوله تعالى: ﴿ومكروا ومكر الله﴾، وهذا أحد التفاسير لمعنى القصة. وقد روي ذلك عن ابن عباس وغيره، كما أشار المعلق. وبعضه ربما مأخوذ من بعض الأخبار الإسرائيلية. وأما أصل القصة أن الله عز وجل رفع عيسى وألقى الشبه على غيره، فهذا ثابت بنص القرآن والسنة، وأما هذا التفصيل فالله تعالى أعلم به. المهم أن الله عز وجل مكر بمن مكر بأنبيائه. قالوا: أما قوله تعالى: ﴿ومكروا مكرا﴾ إلى آخره، فهي في شأن الرهط التسعة من قوم صالح عليه السلام، حين تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله، أي: ليقتلنه بياتا هو وأهله، ثم لنقولن لوليه: ما شهدنا مهلك أهله. فكان عاقبة هذا المكر منهم أن مكر الله بهم، فدمرهم وقومهم أجمعين. وكذلك هذا نوع آخر من المكر، فمكر الله عز وجل بهم فأهلكهم، وكله يدل على إثبات هذه الصفة على حقيقتها مقيدة على ما يليق بجلال الله وعظمته سبحانه وتعالى. طيب، بذلك نكتفي، والله تعالى أعلم.