الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 4، الدرس الرابع:من( باب بيان فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب ... العشرون:معرفة ذكر الوجه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب مستندا إلى كلام الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي. يبين أن التوحيد له فضائل وثمرات منها الأمن والهداية وأنه يكفر الذنوب لمن حققه وأتى به مع العمل الصالح.
المقطع يشرح حديثا ضعيفا لكنه يدل على فضل التوحيد ومغفرة الذنوب، ويبين أن الله يغفر الذنوب لمن يلقاه بلا شرك. يعدد فوائد الحديث ومسائله المتعلقة بفضل التوحيد وتفسير بعض الآيات.
يشرح المقطع فوائد مستنبطة من حديث عتبان بن مالك، منها أن تحقيق كلمة التوحيد يتطلب ترك الشرك بالقلب واللسان والجوارح. يبين أن العبودية درجات وأن الإيمان بالجنة والنار له فضل عظيم لمن حققه بصدق.
يثبت لله سبحانه وتعالى وجه يليق بجلاله وعظمته. هذا جانب من جوانب معرفة أسماء الله وصفاته، حيث يركز الدرس على هذا الجانب ويترك الباقي لدرس لاحق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي، رحمه الله تعالى، في تعليقه على كتاب التوحيد: قال المؤلف، رحمه الله: «باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب»، أي: هذا مدخل لمعرفة فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب. فالباب لغة: ما يدخل منه ويخرج، والمراد هنا الدخول والخروج المعنوي. وانظر إلى صنيع هذا الإمام في تبويباته، وهو يسلك مسلك أئمة الحديث، وعلى رأسه الإمام البخاري، رحمه الله، في تبويباته، وبه تعرف معنى النفس السلفي الذي كان عليه هذا الإمام، رحمه الله تعالى. وقوله: «فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب»، يعني: ما في التوحيد من فضل، فله فضائل، وهكذا ما يكفر من الذنوب له نتائج وثمرات، له نتائج وثمرات، فمن ثمراته ونتائجه ما سيذكر، إن شاء الله، في المتن، وفي شرحه، في تعليق الشيخ، رحمهم الله. قال، رحمه الله: «وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾﴾، ووجه الشاهد منها ظاهر في تكملة الآية: ﴿فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾، «قال: وعن عباد بن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمة ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل»، أخرجاه. وفيه: أن من أتى بهذه الخمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، إلى آخره، من أتى بهذه الخمس، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل. وفيه: أن هذه الخمس لابد معها من عمل، لا يكفي اعتقاد من دون عمل. قال: «وله ما في حديث عثبان»، يعني: في الصحيحين. وبه تعرف معرفة الشيخ لعلم الحديث، ومن زعم أنه لا يعرف علم الحديث، فهو لا يعرف علم الحديث. فإن التخريج والاعتناء به ليس هو إلا عند العارفين، لكن الحكم على الأحاديث أو الاستدلال بأنواعها، هذا يتفاوت علم الناس به، وفهو كل لعلم عليم. وقد كان أئمة لهم وجهات نظر في أحاديث، ولهذا، كما مر معنا، ليس في هذا الكتاب حديث موضوع، ولا أصل له، ولا شديد الضعف، ولكن أكثر ما فيه من ضعيف هو مما ليس فيه شدة الضعف، يعني: مما إما تؤيده نصوص، أو هو محتمل، أو حسنه بعض أهل العلم. قال: «ولهما في حديث عتبان: «فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله»». وعن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «قال موسى عليه السلام: يا رب علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأراضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله». رواه ابن حبان والحاكم، وصححه. والحديث، كما أشار المعلق، أنه ضعيف، وقد ضعفه العلامة الألباني، وقبله آخرون، في مواضع، كما أشار إليه، لكنه ليس بشديد الضعف، ولهذا حسنه جماعة من أهل العلم. قال: «وللترمذي وحسنه عن أنس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالى: يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة»». والحديث، كما هو معلق عندكم، معناه بصحيح مسلم، من حديث أبي ذر: «ولو لقيتني بقراب الأرض خطيئة، لا يشرك بي شيئًا، لقيتك بمثلها مغفرة». وبهذا اللفظ، صححه العلامة الألباني، رحمه الله، في صحيح الترمذي وغيره. قال، رحمه الله تعالى: «فيه مسائل: الأولى: سعة فضل الله»، يعني: لما يغفر للموحد. «الثانية: كثرة ثواب التوحيد عند الله»، يعني: بما يكون من فضله، من مغفرة الذنوب، وحصول الأمن، وغير ذلك. «الثالثة: تكفيره مع ذلك للذنوب»، يعني: التوحيد، كما سبق في الأحاديث. «الرابعة: تفسير الآية التي في سورة الأنعام»، فعلم بهذه الآية من هم أصحاب الأمن: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، فهم أهل الأمن التام، لماذا؟ لأن إيمانهم كان تامًا، لم يلبسوا إيمانهم بظلم. «الخامسة: تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة»، من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا رسول الله، وأن عيسى كذلك عبد الله ورسوله، والجنة حق، والنار حق، هذه خمس. «السادسة: أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان وما بعده، تبين لك معنى قول لا إله إلا الله، وتبين لك خطأ المغرورين»، يعني: قوله: «يبتغي بذلك وجه الله»، مع ما جاء في حديث عتبان، وحديث عبادة. حديث عتبان: «يبتغي بذلك وجه الله»، وحديث عبادة: «على ما كان من العمل»، فلا يغتر أحد بكلمة لا إله إلا الله، فيظن أن من قال: لا إله إلا الله، دخل الجنة من غير عمل، لا، لابد من عمل. «السابعة: التنبيه للشرط الذي في حديث عتبان: يبتغي بذلك وجه الله»، يعني: لابد كذلك من قول لا إله إلا الله، معها ماذا؟ من صدق وإخلاص. ولا يكون صدق وإخلاص من دون عمل، لا يمكن أن يوجد صدق وإخلاص من دون عمل. «الثامنة: كون الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله»، فإذا كان الأنبياء، وهذا في حديث أبي سعيد، في قصة موسى عليه السلام، والحديث ضعيف، لكن معناه بالجملة صحيح، وهو يريد هذه الفقرة: إذا كان الأنبياء يحتاجون التنبيه إلى لا إله إلا الله، وفضلها وأهميتها، فمن دونهم من سائر الناس من باب أولى. «التاسعة: التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات»، عندي: «المخلوفات»، صوابه: «المخلوقات»، مع أن كثيرًا ممن يقولها يخف ميزانه، وذلك بقوله: «مالت بهن لا إله إلا الله»، ويخف ميزانه بسبب ماذا؟ بسبب عدم تحقق معنى ومقتضى الكلمة، فلابد أن يكون لها أثر ظاهرا وباطنا، وأن لا ينخرم شيء من شروطها التي سمعناها. «العاشرة: النص على أن الأراضيين سبع كالسماوات»، وفيه رد على الكثير من العقلانيين والمنطقيين وغيرهم. «الحادي عشر: أن لهن عمارا»، يعني: السماوات والأراضيين لهن عمارا، لا نعلمهم، الله يعلمهم، وهذا على صحة الحديث. «الثاني عشر: إثبات الصفات»، خلافًا للأشعرية، يعني: أن لله صفات تليق بجلاله وعظمته، ما جاء في هذا الحديث، وما جاء في غيره من الآيات والأحاديث الأخرى. «الثالث عشر: أنك إذا عرفت حديث أنس، عرفت أن قوله في حديث عتبان: «فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله»، أن ترك الشرك ليس قولها باللسان، إذن ماذا؟ ترك الشرك بماذا؟ بالقلب واللسان والجوارح، ليس أن يقول المرء بلسانه: لا إله إلا الله، ثم يسجد للقبر، أو يطوف بالقبر، أو يذبح للقبر، أو يأخذ تربة القبر، يستشفي بها، أو خرقة من على تابوت القبر، فيستشفي به، كل هذا شرك ينافي قول كلمة التوحيد. «الرابعة عشر: تأمل الجمع بين كون عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم»، أو عليهما الصلاة والسلام، أحسن، قال: «عبد الله ورسوله»، وهذا ينبه به أن الواجب أن ينزل منزلتهما، فلا إفراط ولا تفريط، فهما رسل من رسل الله، وفي نفس الوقت من عباد الله. والعبودية وعبوديتان: عبودية عامة، وعبودية خاصة، والعبودية العامة تشمل كل مخلوق من مخلوقات الله: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا﴾، يدخل فيها الشجر والحجر، فضلا عن سائر الأحياء، ومنهم الكفار، يدخلون في معنى العبودية العامة. وأما العبودية الخاصة، فهي لعباده الصالحين، وكذلك رسله المقربين، كما قال الله عز وجل: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾، وهكذا كذلك: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾. وبه تعرف أن العبودية درجات، العبودية الخاصة درجات، فمنها عبودية الأنبياء، ومنها عبودية الملائكة، ومنها عبودية سائر الصالحين من أتباع الأنبياء. «الخامس عشر: معرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله»، ومعنى كلمة الله: ليس كما تقول النصارى: أنه صفة الله التي حلت في المخلوق، لا، ولكن كلمة الله: أي الذي خلق بكلمة الله. وأما زعم النصارى: أن صفة الخالق، وهي الكلام، حلت في المخلوق، فيزعمون أن اللاهوت حل في الناسوت، فتكون أقنومًا متكونًا من لاهوت وناسوت، هذا باطل، وليس بصحيح، وترده الأدلة الشرعية والعقلية والحسية. بل هو كلمة الله: أي خلق بكلمة الله الخاصة، كل المخلوقات خلقت بكلمة الله، لكن العامة: كن فيكون، إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن، فيكون. وفي حديث ابن مسعود: أن الملكين، قبل أن ينفخ الروح، يؤمر بما يؤمر، فكل مخلوق يخلق بكلمة الله، لكن عيسى خلق بكلمة الله الخاصة، التي خصه بالخلق دون سائر المخلوقات، وهي ما أمر به جبريل، فنفخ في فرج أمه مريم، عليه الصلاة والسلام. «السادسة عشر: معرفة كونه روحًا منه»، فليس روحًا منه فيه صفة من صفات الخالق، ولكن روح منه: يعني خلقه الله عز وجل بنفخة خاصة، وروح خاصة، فهو خلق من أم: معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار، وأن من حقق هذا الإيمان بصدق، كان له ما ذكر في حديث عبادة، من الفضل. «السابعة عشر: معرفة قوله: على ما كان من العمل»، وبه رد على المرجئة، ومن تشبه بهم من عامة الناس، الذين عندهم عقيدة الإرجاء بالفعل، ولو لم يكن عندهم ذلك بالاعتقاد، فربما تعلق بعضهم بفضل التوحيد، مبررين فعلهم للمعاصي بذلك. فعلم أن من قال: لا إله إلا الله، ومعه عمل، هو الذي ينتفع بلا إله إلا الله. «الثامنة عشر: معرفة أن الميزان له كفتان»، وقد جاءت أدلة أخرى تدل على ذلك، ولو لم يصح هذا الحديث، كحديث صاحب البطاقة. «التاسعة عشر: معرفة ذكر الوجه»، يعني: وجه الله سبحانه، على ما يليق بجلاله وعظمته، يثبت لله سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا، ونترك الباقي إلى درس لاحق.