الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 99، الدرس التاسع والتسعون:من( باب قول الله تعالى:ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ... أو معنى تصريحاً أو تأويلاً أو تحريفاً وكل ذلك منافٍ للتوحيد والإيمان ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
المقطع يشرح معنى الإلحاد في أسماء الله وأمثلة عليه، ويوضح أن الأسماء الحسنى توقيفية. كما يبين أهمية إثبات أسماء الله الحسنى ودعاءه بها.
يناقش معاني إثبات أسماء الله الحسنى ودعاءه بها، ويبين أن أسماء الله ليست محصورة في عدد معين، ويشرح كيفية الدعاء بأسماء الله الحسنى.
أسماء الله الحسنى تملأ القلب مراقبة وحراسة، والإلحاد بأسماء الله ينافي هذا المقصد، ويتضمن نفي معانيها أو تشبيهها بصفات المخلوقين. كما أن التحريف مناف للتوحيد والإيمان.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه "كتاب التوحيد": باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال: ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس: "يلحدون في أسمائه" قال: "يشركون". وعنه: "سموا اللات من الإله، والعزة من العزيز". وعن الأعمش: "يدخلون فيها ما ليس منها". قال: فيه مسائل: الأولى: إثبات الأسماء. الثانية: كونها "حسنى". الثالثة: الأمر بدعائه بها. الرابعة: ترك من عارض من الجاهلين الملحدين. الخامسة: تفسير الإلحاد فيها. السادسة: وعيد من ألحد. قوله: "باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾"، أي: مما ينافي التوحيد فينقضه أو ينقصه. الإلحاد في أسماء الله: وقوله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، أي: بأسمائه الحسنى التي ذكر بعضها في بعض أدلة الكتاب والسنة. وقد جمع بعضها في آخر سورة الإسراء والحشر. وقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾، أي: اتركوا وأعرضوا. والمراد ليس الأشخاص، ولكن الأعمال، أي: يجتنبوا إلحاد هؤلاء الملحدين. وقوله عن ابن عباس: "يلحدون في أسمائه" قال: "يشركون"، هذا هو الشاهد أنه سمى الإلحاد شركا، فهو مما ينافي التوحيد. وعنه أي: عن ابن عباس: "سموا اللات من الإله والعز من العزيز"، وهذا من إلحاد المشركين، وهو نوع من أنواع الإلحاد. وقد ذكر الإمام ابن القيم، رحمه الله، معاني للإلحاد. فمن معاني الإلحاد: تسمية الأصنام بشيء من أسماء الله أو كذلك بعض المخلوقين، مثل فعل المشركين: "اللات من الإله والعز من العزيز". وهكذا كذلك مثله فعل بعض المشركين المتأخرين بجعل شيء ما هو من أسماء الله وصفاته للمخلوقين، سواء من جهة الإسم أو من جهة الصفة. والثاني مما ذكره ابن القيم: تسمية الله بما لا يليق به، كالنصارى سموا الرب جل وعلا أبا، والفلاسفة سموه علة موجبة. وهذا من الإلحاد في أسماء الله. ومن الإلحاد: وصفه بالنقائص، كفعل اليهود حين قالوا: "فقير" و"يد الله مغلولة". والرابع: تعطيل المعاني وجحود الحقائق، بأن تجعل ألفاظ مجردة خالية عن المعاني، كقول بعض المعطلة: "سميع بلا سمع". والخامس من الإلحاد: تشبيهه بصفات خلقه، كفعل طوائف من الممثلة كبعض الرافضة وغيرهم. وروي هذا المعنى، أي: "سموا اللات من الإله والعز من العزيز" كذلك عن مجاهد وغيره. وقال: ولعن الأعمش: "يدخلون فيها ما ليس منها"، يعني في أسماء الله. وهذا كذلك نوع آخر من معاني الإلحاد كما ذكر معناه الإمام ابن القيم، رحمه الله. وقوله: "فيه مسائل: الأولى: إثبات الأسماء"، يعني على ما أثبتها الله عز وجل لنفسه بكتابه وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا الباب كما تقدم توقيفي. ثم إذا أثبتت الأسماء تثبت مع ما تتضمنه من معاني وحقائق، لا يجحد شيء من ذلك خلافا لأهل التعطيل من جهمية ومعتزلة وكلابية وأشاعرة وماترويدية. فمنهم من ينفي الأسماء والصفات إلا بعض الأسماء كالجهمية. ومنهم من يثبت الأسماء مجردة عن الصفات كالمعتزلة. ومنهم من يثبت الأسماء وبعض الصفات وينفي بعضا ويعطل بعضا كالكلابية والأشاعرة والماترويدية. وكل هؤلاء ألحدوا في أسماء الله وصفاته. ومن معاني إثبات أسماء الله: أن نثبتها غير محصورة. وأما ما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيح: "إن لله تسعة وتسعين اسما"، فالصحيح أن هذا ليس حصر، وإنما هذا ذكر لبعض الأسماء التي ورد فيها الفضل. فمن أحصاها دخل الجنة. وأما أسماء الله فهي أكثر من تسع وتسعين. فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يدعو كما في حديث ابن مسعود عند أحمد وغيره، أو علمه أن يدعو فيقول: "أنه ما يصيب الإنسان ما يصيب أحد هم ولا حزن فيقول: أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك". وقوله: "الثانية: كونها حسنى"، أي: بالغ في الحسن غايته. فهذه الصيغة تدل على المبالغ في الحسن، أي: فعلاء. وقوله: "الثالثة: الأمر بدعائه بها"، لأن الله عز وجل أمر بذلك، فهو من العبادة. ويدعى بما تقتضي هذه الأسماء، وتقول: "يا رحمن ارحمني، ويا كريم ارزقني"، ونحو ذلك. وقوله: "الرابعة: ترك من عارض من الجاهلين الملحدين"، لأن الله قال: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ بِأَسْمَائِهِ﴾. والمراد ترك أعمالهم، وكذلك أشخاصهم، لكن المقصود بالأول هو ترك أعمالهم من الإلحاد. وقوله: "الخامس: تفسير الإلحاد"، يعني كما جاء بعض معنى الإلحاد في تفسير ابن عباس والأعمش، وهي خمسة أنواع كما مر معنا. فيدخل فيه جميع أنواع الإلحاد والجحود. قوله: "السادس: وعيد من ألحد"، يعني فيما ورد في حقه سيجزون بما كانوا يفترون. تتمة الآية. قال الشارح، رحمه الله تعالى: "باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾". قال: "أصل التوحيد: إثبات ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله من الأسماء الحسنى، ومعرفة ما احتوت عليه من المعاني الجليلة والمعارف الجميلة، والتعبد لله ودعاءه بها". ودعاءه بها: فكل مطلب يطلبه العبد من ربه من أمور دينه ودنياه، فليتوسل إليه باسم مناسب له من أسماء الله الحسنى. فمن دعاه لحصول الرزق فليسأله باسمه "الرزاق" أو كذلك "الكريم". ولحصول رحمة ومغفرة فباسمه "الرحيم الرحمن البر الكريم العفو الغفور التواب"، ونحو ذلك. وأفضل من ذلك أن يدعوه بأسماءه وصفاته دعاء العبادة، وذلك باستحضار معاني الأسماء الحسنى، يعني: عبادة بما يكون من التعبد لله بها باللسان وبالقلب وبالجوارح. فباللسان بذكره، وبالقلب بتعظيمه، وبالجوارح بالإتيان بلوازم هذه الأسماء. فكونك تعرف أن الله عليم فأنت تسجد له وتخضع وتذل. كونك تعرف أن الله جل وعلا رحمن رحيم تواب كريم، فأنت تقف بين يديه تدعوه وتتوب وتستغفر. وهذا من عبادته ودعائه بأسماء وصفاته. قال: "باستحضار معاني الأسماء الحسنى وتحصيلها بالقلوب حتى تتأثر القلوب بآثارها ومقتضياتها وتمتلئ بأجل المعارف". فمثلا أسماء العظمة والكبرياء والمجد والجلال والهيبة تملأ القلوب تعظيما لله وإجلالا له. وهكذا إذا امتلأت القلوب بالصدق من ذلك أثمرت أعضاء تقوم بحق الله فيها. قال: "وأسماء الجمال والبر والإحسان والرحمة والجود تملأ القلب محبة لله وشوقا له وحمدا وشكرا". وهذا كذلك يستلزم أن تتبع الجوارح بمعاني الشكر والحمد. قال: "وأسماء العز والحكمة والعلم والقدرة تملأ القلب خضوعا لله وخشوعا وانكسارا بين يديه". وأسماء العلم والخبرة يعني "خبير" والإحاطة والمراقبة والمشاهدة تملأ القلب مراقبة لله في الحركات والسكنات وحراسة للخواطر عن الأفكار الردية والإرادات الفاسدة. لعلمك أن علمه قد حاط بكل شيء وأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ولا تخفى عليه خافية وأنه لطيف خبير وأنه بكل شيء محيط وأنه معك أينما كنت وأنه لك سميع بصير. فكل هذه المعاني تقتضي أن تحرس نفسك في طاعة الله وعبادته. فتخلص قلبك من الخواطر والأفكار الردية والإرادات الفاسدة. وهكذا جوارحك: لسانك وسمعك وبصرك وسائر جوارحك بما يقتضي قيامك بعبودية ربك جل وعلا بمعاني هذه الأسماء والصفات. قالوا: "أسماء الغنى واللطف تملأ القلب افتقارا وطرارا إليه والتفات إليه كل وقت في كل حال". فإذا علمت أنه الغني وحده فأنت فقير إليه على استمرار. ولا تتعلق بأحد من المخلوقين لعلمك أن الجميع فقير إلى الله. قال: "فهذه المعارف التي تحصل للقلوب بسبب معرفة العبد بأسماء وصفاته وتعبده بها لله لا يحصل العبد في الدنيا أجل ولا أفضل ولا أكمل منها". وهي أفضل العطايا من الله لعبده، وهي روح التوحيد وروحه. ومن انفتح له هذا الباب انفتح له باب التوحيد الخالص والإيمان الكامل الذي لا يحصل إلا للكمل من الموحدين. ولهذا فالناس يتفاوتون في مراتب التوحيد بتفاوت مراتب علمهم وعملهم وتحقيق هذا العلم والعمل في الجوارح. قال: "وإثبات الأسماء والصفات والأصل لهذا المطلب بالأعلى". وأما الإلحاد بأسماء الله وصفاته فإنه ينافي هذا المقصد العظيم أعظم منافاة. والإلحاد أنواع: إما أن ينفي الملحد معانيها كما تفعله الجهمية ومن تبعهم. بل وتنفي الأسماء. لكن مراده بالجهمية كل أهل التعطيل يتناول الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتردية. قال: "وإما بتشبيهها بصفات المخلوقين كما يفعله المشبهة من الرافض وغيرهم"، يعني الكرامية ونحوهم من أهل التمثيل. فهنا اختصر رحمه الله فجعل من الإلحاد فعل أهل التعطيل عموما سواء بنفي الأسماء أو تعطيل معاني الأسماء أو نفي بعض الصفات أو نفي جميع الأسماء الصفات. قال: "وإما بتسمية المخلوقين بها كما يفعله المشركون حيث سموا اللات من الإله والعزة من العزيز ومنات من المنان". فاشتقوا لها من أسماء الله الحسنى فشبهوها بالله ثم جعلوا لها من حقوق العبادة ما هو من حقوق الله الخاصة. ومثله كما تقدم ما يفعله بعض المشركون المتأخرون أو بعض المشركين المتأخرين. قال: "فحقيقة الإلحاد في أسماء الله والميل بها عن مقصودها لفظا أو معنا تصريحا أو تأويلا أو تحريفا". لفظا بأن ينفى اللفظ مثل قول المشركين أن الرحمن ليس من أسماء الله. وهكذا قول الجهمية في نفي جميع الأسماء والصفات إلا ثلاثة أسماء. أو المعنى كفعل المعتزلة إثبات أسماء جامدة لا معاني لها. فيقولون: "سميع بلا سمع". أو معنا تصريحا مثل المعتزلة تصريح "سميع بلا سمع". أو تأويلا مثل الأشاعر والكلابية والماتريدية بقولهم: "الرحمة إرادة الإحسان". فهذا ميل بها عن معناها تأويلا وتحريفا. والمراد بالتأويل على اصطلاح المتأخرين. وإلا ليس في الكتاب والسنة ولا في اللغة التأويل أنه صرف اللفظ عن ظاهره. بل التأويل يأتي بمعنى الحقيقة أو الوقوع أو التفسير. أما صرف اللفظ عن ظاهره ليس له أصل لا في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام سالف الأمة ولا في اللغة. وإنما هو معنى محدث. ولكن أراد رحمه الله على اصطلاح هؤلاء. قال: "أو تحريفا". وكل ذلك مناف للتوحيد والإيمان كما تقدم. وجه منافاته. إلى هنا والله تعالى أعلم.