الإيمان الأوسط 10

الإيمان الأوسط 10

الدرس في الإيمان الأوسط 10، الدرس العاشر:( السبب الرابع:الدافع للعقاب دعاء المؤمنين للمؤمن ... يقول:ما تم عذاب أصلا إنما هو تخويف لا حقيقة له وهذا من أقوال الملاحدة والكفار ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أسباب انتفاع الميت بأعمال البر

ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أسبابًا تنفع الميت مثل دعاء المؤمنين وأعمال البر، واستدل لذلك بأحاديث نبوية. هذه الأسباب تدل على أن أصحاب المعاصي ليسوا كفارًا ولا خارجين من الإسلام.

أسباب النجاة من النار وأهوال يوم القيامة

يتناول المقطع أسباب النجاة من النار مثل شفاعة النبي والمصائب التي يكفر الله بها الخطايا، ويشرح كيف أن الله يرحم العباد بأسباب يفعلها العباد. الله يكفر عنهم خطاياهم بفضل هذه الأسباب.

أقوال أهل البدع في أهل الكبائر ونقدها

يناقش المقطع أقوال الخوارج والمعتزلة والمرجئة في أهل الكبائر ويبين بطلانها، ويشير إلى أن أهل السنة لا يكفرون بمطلق الذنوب. النصوص الشرعية دلت على أن أهل الكبائر قد يدخلون النار ولكن يخرجون منها بشفاعة أو تطهير.

أقوال ضالة في أصل الإيمان وتأصيل الخلاف

يذكر المقطع مذهبين مختلفين حول أصل الإيمان ويشير إلى أن هذه الأقوال ضالة. سيأتي الكلام على أقوال المرجئة في فصل خاص.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «الأوسط»: قال: «السبب الرابع الدافع للعقاب: دعاء المؤمنين للمؤمن، مثل صلاتهم على جنازته». فعن عائشة رضي الله عنها، وأنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مئة، كلهم يشفعون، إلا شفعوا فيه». وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا، إلا شفعهم الله فيه». رواهما مسلم. وفي هذين الحديثين ما نرى من إثبات الشفاعة في الصلاة إذا صلى أهل التوحيد بهذا العدد، ولا شك أن الشفاعة تكون لمن يحتاجها. قال: «وهذا دعاء له بعد الموت، فلا يجوز أن تحمل المغفرة على المؤمن التقي الذي اجتنب الكبائر وكفرت عنه الصغائر وحده، فإن ذلك مغفور له عند المتنازعين». فعلم أن هذا الدعاء من أسباب المغفرة للميت، وهو يدل كذلك على نظائره من دعاء أهل التوحيد، سواء أكان من النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأمة، أو كذلك الصالحين من أتباعه من الصديقين والشهداء والصالحين. فهؤلاء كذلك يشفعون، وسيأتي إن شاء الله معنى ذلك. وفي هذا رد على الوعيدية، وفيه كذلك رد على المرجئة. وجه الرد على الوعيدية هو كون الأدلة الشرعية أثبتت انتفاع هؤلاء بهذه الأسباب، فدل أنهم حصل لهم نقص، فلم يخرجهم النقص من الإسلام إلى الكفر، إذ لو كانوا كفارًا لم ينتفعوا بمثل هذه الأسباب. فالله عز وجل قد أخبرنا في آيات كثيرة أن أعمال الكفار محبطة، «وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا» وغير ذلك من أدلة الكتاب والسنة. وهكذا فيه رد على المرجئة؛ لأن المرجئة يزعمون أن أمثال هؤلاء من أهل المعاصي مؤمنون، ومنهم من يقول: لا يضره ألا تضره معصيته، ولا يعذب بها، على ما سيأتي إن شاء الله بيانه من اختلافهم في التفاصيل بعد هذا. فهذه الأدلة تدل على أنهم ليسوا كذلك، ولهذا احتاجوا إلى هذه الأسباب فانتفعوا بها، فكان بهذا ردًا على كل الطائفتين. قال رحمه الله: «السبب الخامس: ما يعمل للميت من أعمال البر، كالصدقة ونحوها، فإن هذا ينتفع به بنصوص السنة الصحيحة الصريحة واتفاق الأئمة». وكذلك العتق والحج، بل قد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: «من مات وعليه صيام، صام عنه وليه». وأدلة الصدقة كثيرة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». والصدقة الجارية، سواء كانت منه مباشرة أو وضعت له من أبنائه من بعده، فيلحقه ذلك وينتفع به بنص الحديث. وهكذا كذلك الحج، وأدلة كثيرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل وغُبِط في عدة أحاديث عن الحج عن الغير، فأذن به، فأذن به عليه الصلاة والسلام، فهو ينتفع -أي الميت- بما يكون من الصدقة والحج، وكذا العتق والصيام. هذا الحديث، والمقصود أن أعمال البر التي دل الشرع أنها تصل إلى الميت وينتفع بها، يكون فيها هذا المعنى مما فيه رد على الخوارج والوعيدية عمومًا والمرجئة. قال: «وثبت مثل ذلك بالصحيح من صوم النذر، يعني أنه أحق بالقضاء». فدين الله حقًا يقضى. وفي هذا مسائل تتعلق بمباحث الفقه: هل يقيد هذا الحديث العام بالنذر، فيكون المقصود منه صيام النذر؟ في هذا خلاف، والصحيح أن هذا على عمومه، وصيام النذر كذلك، فيجوز أن يصام عن الميت صيام الفرض وصيام النذر، سواء. هذا هو الصحيح عملًا بكلا الأحاديث المروية: حديث عائشة وحديث ابن عباس في هذا الباب. قال: «ولا يجوز أن يعارض هذا بقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾» لوجوه: «أحدهما: أنه قد ثبت بالنصوص المتواترة وإجماع سلف الأمة أن المؤمن ينتفع بما ليس من سعيه، كدعاء الملائكة واستغفارهم له، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، ودعاء النبيين والمؤمنين واستغفارهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾. ولو لم يكن ينفع لما أمره الله عز وجل بهذا الدعاء، وكذلك لما نهاه من الدعاء للمنافق؛ لأن المنافق لا ينتفع بهذا الدعاء». قال: «وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾» وهذا يدل على أن صلوات الرسول -أي دعواته- تنفع. قال: «وقوله عز وجل: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، وكدعاء المصلين للميت، ولمن زاروا قبره من المؤمنين». وهذه كلها صحت بها النصوص عن النبي عليه الصلاة والسلام، فإن المسلم إذا زار أهل القبور دعا لهم، وهذا يدل على ما تقدم. قال: «الثاني -يعني معناه-: إذا ثبت هذا الأصل، علم أن الآية فيها استثناء، وأن ﴿لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ فيها استثناء، فإذا ثبت هذا الاستثناء، فلا مانع أن يثبت استثناء آخر، لا مانع أن يثبت استثناء آخر». قال: «الثاني: أن الآية ليست في ظاهرها إلا أنه ليس له إلا سعيه، وهذا حق، فإنه لا يملك ولا يستحق إلا سعي نفسه، وأما سعي غيره فلا يملكه ولا يستحقه، لكن هذا لا يمنع أن ينفعه الله -يرحمه- به، كما أنه دائمًا يرحم عباده بأسباب خارجة عن مقدورهم، وهو سبحانه بحكمته ورحمته يرحم العباد بأسباب يفعلها العباد، ليثيب أولئك على تلك الأسباب، فيرحم الجميع». وممكن أن يقال: إنه مقيد بالدليل على أن هذا الذي روي ينقسم إلى قسمين: قسم منه ما يكون بمعنى الدعاء، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى: دعاء النبي عليه الصلاة والسلام والمؤمنين. ومنه ما يكون من الأعمال، وهذا لو تأمل وجدناه أنه يكون في قرابة الميت، وهم من كسبه. ولهذا فسر بعضهم ما روي في هذا الباب أنه لا ينافي أنه من سعي الإنسان، فالصدقة الجارية والعلم الذي ينتفع به هو من كسب هذا الإنسان؛ لأنه إما من ماله أو من مال ولده، إما من جهده أو من جهد نسله. وإذا كان كذلك، ومثله الولد الصالح، فهو لا يخرج عن معنى السعي. قال رحمه الله: «وهو سبحانه بحكمته ورحمته يرحم العباد بأسباب يفعلها العباد، يثيب أولئك على تلك الأسباب، فيرحم الجميع». كما في الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من رجل يدعو لأخيه بدعوة إلا وكل الله به ملكًا، كلما دعا لأخيه، قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل». وهذا من الدعاء. قال: «وكما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم بالصحيح أنه قال: من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان، أصغرهما مثل أحد». فهو قد يرحم المصلي على الميت بدعائه له، ويرحم الميت أيضًا بدعاء هذا الحي له، فالرحمة تقع للجميع بفضل الله سبحانه وتعالى، وهذا يدل على انتفاع المصلي والمصلى عليه. قال: «السبب السادس: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وغيره في أهل الذنوب يوم القيامة». وبعضهم جعل شفاعة غير النبي صلى الله عليه وسلم سببًا سابعًا، فجعل هذا سببًا -أي شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام خاصة- وشفاعة غيره سببًا آخر. قال: «كما قد تواترت عنه أحاديث الشفاعة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم بالحديث الصحيح: شفاعته لأهل الكبائر من أمتي». وقوله صلى الله عليه وسلم -يعني في الحديث الصحيح-: «ليس معناه في الصحيحين، لكن في عداد الأحاديث الصحيحة، فهو خارج الصحيح، لكن له طرق كثيرة تجعله من الأحاديث الصحيحة، ولو كان في بعضها شيء من الضعف، لكنها كثيرة فهو صحيح». قال: «وقوله صلى الله عليه وسلم: خيرت بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة؛ لأنها عم أكثر. أترونها للمتقين؟ لا، ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين». وفي هذا دليل صحيح صريح، مع ما قبله، على أن أهل المعاصي من أهل هذا الدين لا يخلدون في النار، وأنهم ليسوا بكفار. هذا إذا دخلوا، وإلا فإن منهم من يشفع الله عز وجل أو يقبل الشفاعة فيهم فلا يدخلون النار. وقد تقدم معنا أن هؤلاء أقسام: فمنهم من تغلب حسنته، ومنهم من تستوي حسنته وسيئته، ومنهم من تغلب سيئته. ومن غلبت سيئته لا يلزم أن يدخل النار، بل هو تحت مشيئة الله، فقد يجعل الله عز وجل له سببًا من هذه الأسباب العشرة، وما كان بمعناها، فيكون ناجيًا بفضل الله ورحمته. ومع ذلك لا يتكل الإنسان على هذا، بل عليه أن يحسن ويجتهد في إصلاح أحوال نفسه؛ لأننا لو تأملنا أحوال الناجين كما جاءت به الأدلة، نجد أن لهم أعمالًا صالحة أعانتهم على الخروج مما هم فيه. قال: «السبب السابع: المصائب التي يكفر الله بها الخطايا في الدنيا، كما في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا أذى، حتى الشوك يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه». وهذا كذلك سبب آخر يكفر الله عز وجل به عن أهل الذنوب ذنوبهم. وما أحد يسلم من أذى، فمن رحمة الله وفضله أنه جعل ما يصيب الإنسان من مصائب: أحزان وهموم وغموم وأذى، حتى الشوكة، كفىار له لخطيئته. فأحيانًا تكون كفارة، وأحيانًا تكون رفع درجة. فإن كان العبد قد طهرت خطاياه، فإنه يرفع بهذا العمل. كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة عند أحمد وغيره: «إن الله ليرفع العبد المنزلة بغير عمل يعمله، ولكن ببلاء يبتليه». فإن من الناس ليس عندهم أعمال يرفعون بها المنازل العلية، فيتفضل الله عز وجل عليهم بتلك المنازل بشيء من البلاء، وشيء من المصائب، فيكون سببًا لرفع درجاتهم. قال: «السبب الثامن: ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة، فإن هذا مما يكفر به الخطايا». وهذا يدخل في عموم ما سبق، وهو كذلك قد صحت به الآثار التي تدل على هذا الأصل. قال: «السبب التاسع: أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها، فكذلك هذه تدخل في عموم ما سبق، وقد جاءت فيها نصوص، وكلها تدل على هذا المعنى». قال: «السبب العاشر: رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد». فإذا ثبت أن الذنب والعقاب قد يدفع عن أهل الذنوب بهذه الأسباب العشرة، ومعنى أن من الناس من لا يكون له سبب، ومع ذلك يجعل الله عز وجل له من فضله ورحمته ما يعفو عنهم، كما جاء في حديث الجهنميين، في قوم يخرجهم الله عز وجل بفضله ورحمته -سبحانه وتعالى- فيكونون عتقاءه من النار، بعد أن يشفع النبيون والملائكة وصالحوا البشر. فيقول الله عز وجل: «بقيت شفاعة رب العالمين»، فيقبض قبضة، فيخرج قومًا من النار بفضله ورحمته، ويرمون في نهر الحياة، كما صحت به الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم وغيره. قال رحمه الله: «فإذا ثبت أن الذنب والعقاب قد يدفع عن أهل الذنوب بهذه الأسباب العشرة، كان دعواهم أن عقوبات أهل الكبائر لا تندفع إلا بالتوبة مخالفًا لذلك -يعني الوعيدية- فيما ادعوه». قال: «فصل: فهذان القولان: قول الخوارج الذين يكفرون بمطلق الذنوب ويخلدون في النار، وقول من يخلدهم في النار ويجزم بأن الله لا يغفر لهم إلا بالتوبة، ويقول: ليس معهم من الإيمان شيء -وهؤلاء المعتزلة-». فتقدم معنا أن الخوارج والمعتزلة اتفقوا في شيئين واختلفوا في شيئين. فالخوارج الذين يكفرون بمطلق الذنوب، وقوله: «مطلق الذنوب»؛ لأن أهل السنة لا يكفرون بمطلق الذنوب، وإن كان بعض الذنوب قد يكفرون بها. فأهل السنة لا يكفرون بكل ذنب، فلا يكفرون بالذنب على وجه الإطلاق، ولكن يكفرون بما دل الشرع على التكفير به، مثل من ترك ما أمر الله به من الإيمان: كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، وهكذا كذلك يكفرون بعدم اعتقاد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، أو عدم تحريم المحرمات الظاهرة المتواترة. وما سوى ذلك ففيه نزاع لاختلاف ورود بعض الأدلة فيه. حتى مباني الإسلام ما دون الشهادتين، كما روي عن غير واحد من أهل العلم، ذكره ابن رجب، وقبله شيخ الإسلام وغيره من أهل العلم: أن في ذلك خلاف عند أهل السنة. الصلاة والزكاة والصوم والحج. وقول: «ويخلدون في النار»، وقول: «من يخلدهم في النار ويجزم بأن الله لا يغفر لهم إلا بالتوبة، ويقول: ليس معهم من الإيمان شيء» -يعني هؤلاء المعتزلة- لا يطلقون مسمى الكفر، ولكن هم متفقون مع الخوارج في نزع مسمى الإيمان. قال: «لم يذهب إليهما أحد من أئمة الدين: أهل الفقه والحديث، بل هما من الأقوال المشهورة عن أهل البدع». وهل معناه في هذا إشارة إلى أنه قد قال به بعض الناس، يظنه أنه ينسب عن بعض أهل الفقه والحديث وأئمة الدين؟ الجواب: نعم. أشار في بعض كتبه رحمه الله أن بعض الناس ممن أصابته لوثة الوعيدية ظن أن بعض المسائل هي منقول عن بعض الأئمة، وليس الأمر كذلك، بل هو خطأ. ولهذا يكرر شيخ الإسلام رحمه الله هذا المعنى، وما تقدم من أن أهل السنة لا يكفرون بذنب على ما سبقت الإشارة إليه في مواضع من كتبه. قال: «وكذلك قول من وقف في أهل الكبائر من غلات المرجئة، وقال: لا أعلم أن أحدًا منهم يدخل النار، هو أيضًا من الأقوال المبتدعة». بل السلف -على ما- متفقون على ما تواترت به النصوص من أنه لا بد أن يدخل النار قوم من أهل القبلة، ثم يخرجون منها. وقد تقدم أن هذا على وجه الإجمال، لا التعيين لكل أحد بعينه. فنحن نجزم أن أناسًا ممن يستحقون النار لا يدخلون النار بنص أحاديث الشفاعة، وهذه الأسباب المتقدمة. ونجزم أن أصنافًا ممن يستحقون النار يدخلون النار، ولكن يخرجون: إما يخرجون بشفاعة من يشفع لهم، ويدخل في ذلك معنى الأسباب المتقدمة، وإما بعد أن تطهرهم النار من ذنوبهم. وعلى كلا المعنيين لا يخلدون في النار. وهذا ليس بالرأي، ولكن لأن النصوص الشرعية دلت على ذلك. والواجب على أهل الإسلام أن يتابعوا ما دلت عليه النصوص الشرعية. فهو يشير هنا إلى بطلان قول الوعيدية والمرجئة على وجه العموم، ومن نسب شيئًا من ذلك إلى بعض أهل الفقه والحديث وأئمة الدين، وأن هذا لا قائل به، بل لا يعرف إلا عن أهل البدع والأهواء. فمن ادعى من المتأخرين عن هؤلاء فهو خطأ أو كذب. قال رحمه الله تعالى: «وأما من جزم بأنه لا يدخل النار أحد من أهل القبلة، فهذا لا نعرفه قولًا لأحد». يعني: جزم بأنه لا يدخل النار أحد من أهل القبلة، معناه أنه يخرج أهل الكبائر من أن يكون فيهم أحد يدخل النار. وهذا باطل، بل ولا قائل به كما ذكر رحمه الله. وإن كان قد قيل بالتوقف، كما هو مشهور عن الأشاعرة وغيرهم، كما سيأتي. لكن الجزم بأنه لا يدخل -لا يعرف له قائل من الأئمة- حتى من أهل الأهواء ممن سبق. قال: «وبعده قول من يقول: ما ثم عذاب أصلا، وإنما هو تخويف لا حقيقة له». وهذا من أقوال الملاحدة والكفار، وهم الذين يسميهم محيانًا في بعض كتبه «بأهل التخيل»، أكثرهم من الفلاسفة، ومن سار بسيرهم من الباطنية، وربما وافقهم بعض المتصوفة والمتكلمة والمتفقهة. وهو مشهور -أي هذا القول- من فرق الباطنية: عن الإسماعيلية، فيجعلون أن ما يذكر بهذا الباب هو تخيل. ثم هم في هذا على مذهبين: فمنهم من يجعله له أصل، ومنهم من يجعله لا أصل له، على ما بينه رحمه الله في مواضع من كتبه، ومنها ما أشار إليه في «الحموية» رحمه الله. فهذه أقوال ضالة، سيأتي إن شاء الله الكلام على أقوال المرجئة في فصل خاص. طيب، نقف إلى هنا، والله تعالى أعلم.