الإيمان الأوسط 21

الإيمان الأوسط 21

الدرس في الإيمان الأوسط 21، الدرس الحادي والعشرون:(فصل:إذا عرف أن أصل الإيمان في القلب ... والرجل تزني وزناها المشي والقلب يتمنى ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الإيمان وعلاقته بالإسلام

يتناول هذا الفصل تعريف الإيمان وبيان علاقته بالإسلام، حيث يوضح أن الإيمان قد يطلق على ما في القلب من الأقوال والأعمال القلبية أو على ما في القلب والبدن معًا. كما يبين أن الأعمال الظاهرة تسمى إسلامًا وتدخل في مسمى الإيمان أحيانًا ولا تدخل فيه أحيانًا أخرى حسب السياق.

التفريق بين الإسلام والإيمان وعلاقة الظاهر بالباطن

يشرح هذا الفصل العلاقة بين الإسلام والإيمان، حيث يشير إلى أن الإيمان يقع في القلب والإسلام يظهر في الأفعال، وأن وجود الإيمان الحقيقي يستلزم وجود الإسلام الظاهر بقدر الإمكان. كما يوضح أن من آمن بقلبه إيمانًا جازمًا لا يمكن أن يمتنع عن التعبير عن إسلامه بالشهادتين إذا كان قادرًا على ذلك.

نية الصحابة والتابعين في نصرة النبي وعلاقة الظاهر والباطن بالإيمان

يتناول هذا الفصل الفرق بين نية الصحابة والتابعين في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث يبين أن الصحابة كانوا ينصرون النبي ابتغاء وجه الله. كما يشرح العلاقة بين الظاهر والباطن في الإيمان، حيث يبين أن العمل الظاهر والباطن متلازمان، وأن زيادة الإيمان في الباطن تستلزم زيادة الأعمال في الظاهر.

ختام الدرس وتأجيل المتابعة

يتم في هذا الفصل ختام الدرس الحالي مع الإشارة إلى استكمال الموضوع في درس لاحق، مع الدعاء بالعلم من الله تعالى. يشير إلى نهاية المعالجة الأولية للموضوع واعدًا باستمرارية النقاش في جلسة قادمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «الإيمان الأوسط»: «قال: فصل. قال: إذا عرف أن أصل الإيمان في القلب، فاسم الإيمان تارة يطلق على ما في القلب من الأقوال القلبية والأعمال القلبية، من التصديق والمحبة والتعظيم ونحو ذلك، وتكون الأقوال الظاهرة والأعمال لوازمه وموجباته ودلائله، وتارة على ما في القلب والبدن، جعلًا للموجب الإيمان وموجباته، داخلا في مسمى الإيمان. وبهذا يتبين أن الأعمال الظاهرة تسمى إسلامًا، وأنها تدخل في مسمى الإيمان تارة، ولا تدخل فيه تارة. ووجه دخولها فيه، لأنها - كما أشار - مما يدخل في معنى الإيمان الذي يتناول ما في القلب وما في الجوارح، وعدم دخوله باعتبار ما إذا أريد بالإيمان ما في القلب. فتارة يطلق ويراد به ما في القلب مع ما في الجوارح، وتارة يراد به ما في القلب فقط. قال: وذلك أن الإسم الواحد تختلف دلالته بالإفراد والاقتران، فقد يكون عند الإفراد فيه عموم لمعنيين، وعند الاقتران لا يدل إلا على أحدهما، كلفظ الفقير والمسكين. فلفظ الفقير والمسكين إذا أطلق اللفظ لوحده قد يدخل هذا في هذا، وهذا في هذا، فتقول: فلان فقير، وقد يكون مسكينًا، وفلان مسكين، وقد يكون فقيرًا، فيتناول الفقير والمسكين. لكن إذا قلت: هذا فقير، وهذا مسكين، صار هذا تفريقًا، فالمسكين أحسن حالًا من الفقير، والفقير أشد حالًا وفقرًا من المسكين، كما قد بيّنه وذكر العلماء في كتاب الزكاة، وفرقوا بين هذين اللفظين والوصفين. وكذلك الإيمان والإسلام، إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، وهذا هو المقصود في هذا الموضع. قال رحمه الله تعالى: وعند الاقتران لا يدل إلا على أحدهما، كلفظ الفقير والمسكين، إذا أفرد أحدهما تناول الآخر، وإذا جمع بينهما كان لكل واحد مسمى يخصه. وكذلك لفظ المعروف والمنكر، إذا أطلقا - كما في قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ - دخل فيه الفحشاء والبغي. وإذا قرن بالمنكر أحدهما - كما في قول: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ - حصل التفريق، فعلم أن الفحشاء معنى أخص من المنكر، وإن كان يدخل في المنكر، كما أن الفقير معنى أخص من المسكين، وإن كان يدخل في المسكين. قال: أو كلاهما - كما في قوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ - فهنا حصل التفريق بين هذه الثلاثة، وإن كان الفحشاء والبغي يدخل في المنكر، فهو من المنكر. لكن إذا اجتمعت هذه الألفاظ حصل التفريق، فعلم بأن الفحشاء هو نوع خاص من المنكر، وهو ما كان فيه فحش قولًا أو فعلًا، والبغي نوع خاص من المنكر، وهو ما كان فيه عدوان قولًا أو فعلًا، وكله من المنكر. قال: كان اسم المنكر مختصًا بما خرج من ذلك على قول، أو متناولًا للجميع على قول، بناء على أن الخاص المعطوف على العام هل يمنع شمول العام له، أو يكون قد ذكر مرتين؟ فيه نزاع. والأقوال والأعمال الظاهرة نتيجة الأعمال الباطنة ولازمها، والصواب في هذه المسألة الأصولية أنها تدخل فيه. ولكنه ذكر من باب التأكيد عليه والتنبيه على أهميته، مثل: «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى»، فالصلاة الوسطى من الصلوات، ولكن ذكر تنويهًا وتنبيهًا لأهميتها. وهكذا كذلك كما أشار رحمه الله في مسألة تفاصيل معنى الإيمان، سواء الأقوال والأعمال الظاهرة أو الأعمال والأقوال الباطنة. وقوله: «والأقوال والأعمال الظاهرة نتيجة الأعمال الباطنة ولازمها»، قد تبين معنى ذلك. فلما كان المنافق لا إيمان في قلبه، كان العمل ثمرة ذلك ضعيفًا أو غير موجود. ولما كان المؤمن الإيمان في قلبه قوي، كانت أعماله قوية، فهذا هو قوله رحمه الله. وقد مر معنا المثال في شجرة الإيمان التي هي بمثابة كلمة التوحيد وما تستلزمه. قال: «وإذا أفرد اسم الإيمان، فقد يتناول هذا وهذا، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق». وحينئذ فيكون الإسلام داخلًا في مسمى الإيمان وجزءًا منه، فيقال حينئذ: إن الإيمان إسم لجميع الطاعات الباطن والظاهرة. قال: ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس: «آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وتؤدوا خمس المغنم». أخرجاه في الصحيحين. فذكرها هنا - كما ترون - خصال الإسلام، وفسر به الإيمان، فدل أنه بهذا المعنى يدخل الإسلام في الإيمان. قال: بينما إذا اجتمع الإيمان والإسلام، صار الإسلام لفظًا يطلق ويراد به عمل الجوارح، والإيمان يطلق ويراد به ما في القلب. ولهذا نفي الإيمان عن الأعراب، وأثبت لهم الإسلام، قالت الأعراب: «آمنا»، قل: «لم تؤمنوا، ولكن قولوا: أسلمنا، ولما يدخل الإيمان في قلوبكم». وفي قوله: «بضع وسبعون شعبة»، هذه رواية الإيمان عند مسلم، وقد انتقدها بعض أهل العلم، والرواية التي جاء بها لفظ الصحيحين - اتفق عليها الشيخان - «بضع وستون شعبة». قال رحمه الله: ففسر الإيمان هنا بما فسر به الإسلام، لأنه أراد بالشهادتين هنا أن يشهد بهما باطنًا وظاهرًا. وهذا فائدة التفسير الإسلام للإيمان ومعناه: آمركم بالإيمان الظاهر والباطن. قال رحمه الله تعالى: وكان الخطاب لوفد عبد القيس، وكانوا من خيار الناس، وهم أول من صلى الجمعة ببلدهم بعد جمعة أهل المدينة، كما قال ابن عباس: «أول جمعة جمعت في الإسلام بعد جمعة المدينة، جمعة بجواثة»، أو «بجواثي»، جواث وجواثي يقال هذا وهذا، قرية من قرى البحرين. والحديث في الصحيحين من حديث ابن عباس، وجاء مفصلًا مطولًا عند الطبراني في «الأوسط» و«الكبير» بإسناد صحيح. قال: وقالوا: يا رسول الله، إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإننا لا نصل إليك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر فصل نعمل به وندعو إليهم من وراءنا. وأرادوا بذلك أهل نجد من تميم وأزد وغطفان وغيرهم، كانوا كفارًا. فهؤلاء كانوا صادقين راغبين في طلب الدين. قال: فإذا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأقوال وأعمال ظاهرة، فعلوها باطنًا وظاهرًا، فكانوا بها مؤمنين. فعلم بهذا أن إطلاق الإسلام على الإيمان يكون من لازمه تحقيق معنى هذا الإسلام في القلب، بخلاف ما إذا أطلق الإسلام في حق مجهول الحال أو حديث العهد أو نحو ذلك، فلنا الظاهر، والله أعلم بالباطن. والظاهر الإسلام، والباطن الإيمان. قال: وأما إذا قرنا الإيمان بالإسلام، فإن الإيمان في القلب، والإسلام ظاهر، كما في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الإسلام على نية والإيمان في القلب». وهذا لم يصح مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد شار إلى ذلك في التعليق. قال: والإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، تؤمن بالقدر خيره وشره. وهو حديث جبريل المتقدم، ومر معنا كثيرًا، وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وفي مسلم من حديث ابن عمر، عن أبيه. وما أشار إليه: «الإسلام على نية والإيمان في القلب»، هذا معنى صحيح، وقد دلت عليه الأحاديث، ومنها هذا الحديث، حديث جبريل. فالإسلام ما يكون في الظاهر، والإيمان ما يكون في القلب، هذا إذا اجتمع هذان اللفظان. قال: ومتى حصل له هذا الإيمان، وجب ضرورة أن يحصل له الإسلام الذي هو الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج. ولهذا لا يتصور إيمان بدون إسلام، لا يتصور إيمان بدون إسلام، إذ لو وجد الإيمان لزم ذلك أن يوجد الإسلام، ولا يلزم إذا وجد الإسلام أن يوجد الإيمان، كما لا يلزم إذا وجد الإيمان أن يوجد الإحسان. فهناك مؤمن لكنه ليس بمحسن، وهناك مسلم لكنه ليس بمؤمن. وبهذا نعرف الفرق بين مراتب الدين الثلاثة، وقد تقدم في أوائل الكتاب الإشارة إلى ذلك من كلام المؤلف رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: لأن إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله يقتضي الاستسلام لله والانقياد له. فمن الممتنع أن يكون قد حصل له الإقرار والحب والانقياد باطنًا، ولا يحصل له ذلك في الظاهر مع القدرة عليه. كما يمتنع وجود الإرادة الجازمة مع القدرة بدون وجود المراد. وبهذا تعرف أن من آمن قلبه إيمانًا جازمًا، امتنع أن لا يتكلم بالشهادتين مع القدرة. فعدم الشهادتين مع القدرة مستلزم انتفاء الإيمان القلبي التام. وبهذا يظهر خطأ جهم ومن اتبعه في زعمهم أن مجرد الإيمان بدون الإيمان الظاهر ينفع في الآخرة. فإن هذا ممتنع، إذ لا يحصل الإيمان التام في القلب إلا ويحصل في الظاهر موجبه بحسب القدرة. ويقيد شيخ الإسلام رحمه الله القدرة، لأنه قد يحصل الامتناع مع عدم القدرة، قال: فقد يخفي الإنسان إسلامه، ولا يعني ذلك أنه ليس بمسلم. لكن لا يلزم أن من يخفي إسلامه أنه لا يعمل بشيء من خصال الإسلام إذا علمها في الخفاء. بل لازم الإيمان يدفعه أن يعمل بهذا الإسلام في الخفاء. وبهذا يعلم كذلك أن مدعي الاستخفاء بالإيمان قد يكون فيهم منافق. أليس كذلك يتصور؟ الجواب: بل يتصور. فطائفة تخفي إيمانها قد يدخل فيهم بعض المنافقين. فكيف يعلم هذا منافق، وهذا غير منافق؟ بظهور خصال الإسلام مع الأمن. فعند الأمن من في قلبه إيمان يدفع إيمانه أن يحقق خصال الإسلام، ومن ليس في قلبه إيمان وإنما هو نفاق، فهذا سيكون تحقيق خصال الإسلام عنده ثقيلًا، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾. فوجود الإيمان في الباطن يستلزم وجود الإسلام في الظاهر، ولا بد. قال رحمه الله تعالى: «إذ لا يحصل الإيمان التام في القلب إلا ويحصل في الظاهر موجبه بحسب القدرة». فإن من الممتنع أن يحب الإنسان غيره حبًا جازمًا، وهو قادر على مواصلته، ولا يحصل منه حركة ظاهرة لذلك. وهذا معلوم بالفطرة والعقل والحس، فضلًا عن دلالة الشرع. قال: «وأبو طالب إنما كانت محبته للنبي صلى الله عليه وسلم لقرابته منه، لا لله. وبهذا يزول الإشكال، لأنه قد يقول قائل: كيف كان من أبي طالب هذه المناصرة، وكذلك هذا الحب والمدافعة، ومع ذلك لم يتحقق فيه الإسلام، ولم يمت على ذلك، وقد قال كلمة التوحيد؟». فالجواب كما ذكر رحمه الله: هذه المحبة كانت لأجل القرابة. بل كذلك لنفس السبب الذي منعه من الإسلام، وهو ألا يقول الناس: إن أبا طالب قد ترك قرابته تذل وتخضع لأحد. وكان هذا من أعظم المعايب عند العرب ألا ينصر القريب قريبه مع الإمكان. ربما يموت، ربما يموت ولا يكون له مثل هذه المثابة. فكان هذا ولما كان كذلك، كان هذا المانع له من دخول الإسلام، فمات على ملة عبد المطلب. قال: «وإنما نصره وذب عنه لحمية النسب والقرابة. ولهذا لم يتقبل الله ذلك منه. وإلا فلو كان ذلك عن إيمان في القلب، لتكلم بالشهادتين ضرورة. والسبب الذي أوجب نصره للنبي صلى الله عليه وسلم هو الحمية، هو الذي أوجب امتناعه من الشهادتين - كما سبق - بخلاف أبي بكر الصديق ونحوه. قال الله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾. ومن شاء الغلط في هذه المواضع من وجوه، ومعنى ذلك أن الفرق: أن هذا أراد ما عند الله والآخرة، فبذل نفسه وماله في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم. وذاك أراد الحمية وأثرة الناس، فكان ما كان. قال رحمه الله تعالى: «ومن شأ الغلط في هذه المواضع من وجوه»، يعني غلط المرجئة، ويقابله غلط الوعيدية في هذا الباب، في الالتباس بين الظاهر والباطن، وبقاء الإيمان بزوال بعضه، وكذلك زواله إذا اكتفى بعضه، ما يزيله. قال: «أحدها: أن العلم والتصديق مستلزم لجميع موجبات الإيمان. الثاني: ظن الظان أن ما في القلوب لا يتفاضل الناس فيه. الثالث: ظن الظان أن ما في القلب من الإيمان المقبول يمكن تخلف القول الظاهر والعمل الظاهر عنه». وهذه سبقت الإشارة إلى معانيها وإضاح ذلك فيها. فقوله: «أن العلم والتصديق مستلزم لجميع موجبات الإيمان»، كما تقدم: لو تحقق علم وتصديق فيه صدق ويقين وطمأنينة وحب، لاستلزم ذلك ظهور آثاره في الظاهر، وهذا هو موجبات الإيمان، العمل بخصال الإسلام الظاهرة قولية وفعلية. والثاني: قوله: «ظن الظان أن ما في القلوب لا يتفاضل الناس فيه»، وهذا هو ظن المرجئة، كما تقدم: استلزم ذلك من لازم الباطل، أو أثمر النتيجة الباطلة: أنه قد يوجد إيمان في القلب - كما يزعمون - ولا توجد خصال الإسلام والإيمان في الجوارح، وهذا باطل. وقوله: «ظن الظان أن ما في القلب من الإيمان المقبول يمكن تخلف القول الظاهر والعمل الظاهر عنه»، كذلك هذا غير متصور، إذا كان الإيمان الذي في القلب هو الإيمان المقبول الصحيح، لأن الإيمان المقبول الصحيح يستلزم وجود عمل الجوارح، يستلزم ذلك، كما تقدم، سبقة الإشارة إليه، هذا مع ما سبقت الإشارة من التقييد فيه: مع القدرة، مع القدرة. قال: «الرابع: ظن الظان أن ليس في القلب إلا التصديق، وأن ليس الظاهر إلا عمل الجوارح. والصواب: أن القلب له عمل مع التصديق، والظاهر قول ظاهر وعمل ظاهر، وكلاهما مستلزم للباطن». وقد تقدم معنا أن بين الظاهر والباطن علاقة متلازمة، فالظاهر يستلزم الباطن، والظاهر يزيد في الباطن. قال: فوجود الإيمان الصادق في الباطن يستلزم وجود عمل الجوارح في الظاهر، وإلا كان منافقًا. وزيادة الأعمال في الظاهر ووجودها سبب لزيادة الإيمان في الباطن، كما مر معنا في المثال المضروب في الشجرة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء. قال رحمه الله تعالى: «والمرجئة أخرجوا العمل الظاهر عن الإيمان. فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب أيضًا، وجعلها هي التصديق، فهذا ضلال بين. ومن قصد إخراج العمل الظاهر، قيل لهم: العمل الظاهر لازم للعمل الباطن، لا ينفك عنه، وانتفاء الظاهر دليل انتفاء الباطن. قال: فبقي النزاع في أن العمل الظاهر: هل هو جزء من مسمى الإيمان يدل عليه بالتضمن، أو لازم لمسمى الإيمان؟ والتحقيق: أنه تارة يدخل في الإسم، وتارة يكون لازمًا للمسمى، بحسب إفراد الإسم واقترانه. قال: فإذا قرن الإيمان بالإسلام، كان مسمى الإسلام خارجًا عنه - كما في حديث جبريل - وإن كان لازما له. وكذلك إذا قرن الإيمان بالعمل - كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ - فقد يقال: اسم الإيمان لم يدخل فيه العمل، وإن كان لازما له. وقد يقال: بل دخل فيه، وعطف عليه عطف الخاص على العام. وقد مر معنا الكلام على هذا، وأن الخلاف في هذا مع ثبوت الاتفاق المعنوي خلاف لفظي. وإن كان من الناحية الأصولية يقتضي دخوله فيه، فهو من عطف الخاص على العام، تأكيدًا عليه. قال: وبكل حال، فالعمل تحقيق لمسمى الإيمان وتصديق له. ولهذا قال طائفة من العلماء - كالشيخ إسماعيل الأنصاري وغيره -: «الإيمان كله تصديق». فالقلب يصدق ما جاءت به الرسل، واللسان يصدق ما في القلب، والعمل يصدق القول. كما يقال: «صدق عمله قوله». ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذنان تزنيان وزناهما السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والقلب يتمنى ويشتهي، والفرج يصدق ذلك ويكذبه». فإذا تأملت هذا الحديث، بيّن لك ووضح أن ما في الظاهر والباطن من زيادة الإيمان ونقصانه، مستلزم لمثله فيما يقابله في الظاهر والباطن. فإذا حصل نقص في الباطن، ظهر هذا النقص في الظاهر. وإذا حصل نقص في الظاهر، أثر هذا النقص على الباطن. فزنا العين والأذن واليد والرجل يكون بسبب ضعف الإيمان في القلب، وهو كذلك. بفعله ذلك يؤثر على ضعف الإيمان زيادة في القلب. فهو قبل وقوع هذا العمل لضعف إيمانه توجه إليه، ووسوس الشيطان له، فصار بضعف إيمانه يتوجه لهذا العمل السيء. وبعد وقوعه فيه أثمر ذلك ضعفًا زائدًا في إيمانه، عن الإيمان الضعيف الذي كان قبل ذلك. كما جاء في حديث أبي هريرة وغيره: «إذا أذنب العبد، نكت في قلبه نكتة سوداء». وهذه النكتة السوداء أثر هذه المعصية، فنقص الظاهر سبب لنقص الباطن، كما أن كمال الباطن سبب لكمال الظاهر، وكمال الظاهر سبب لزيادة كمال الباطن. فهما أمران متلازمان، كما أشار إليه رحمه الله تعالى. وفي قوله: «أنه يختلف، فتارة يكون لازما للمسمى، وتارة لا يكون»، مراده ما سبقت الإشارة إليه فيما تقدم: أن الإيمان والإسلام إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق. والله تعالى أعلم.