الإيمان الأوسط 22

الإيمان الأوسط 22

الدرس في الإيمان الأوسط 22، الدرس الثاني والعشرون:( والتصديق يستعمل في الخبر وفي الإرادة ... وصار في القلب من كراهية رضوان الله واتباع ما أسخطه ما كان كفراً لا ينفع معه العلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الإيمان وعلاقته بالعمل

يتناول شرح علاقة الإيمان بالعمل وتفاوت درجاته، ويبين أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. كما يشير إلى أن الإيمان ليس مجرد تصديق بالقلب بل يظهر أثره على الجوارح.

شروط الإيمان ومكوناته

يشرح أن الإيمان ليس مجرد المعرفة أو التصديق بالقلب، بل لا بد مع ذلك من محبة وتعظيم لله ورسوله، وبغض للمنكر. ويستدل على ذلك بالأدلة الشرعية والآيات القرآنية.

أهمية التصديق والعمل في تحقيق الإيمان

يشرح أهمية التصديق والعمل في الإيمان، ويبين أن المعرفة وحدها لا تكفي، وأن التصديق الصحيح يستلزم العمل. كما يوضح أن من لم يكن لديه تصديق صحيح لم يكن لديه إيمان ولا عمل.

مصير إبليس وعلاقته بالإيمان

يشير إلى أن إبليس لو كان لديه إيمان لكان ضعيفا وأبطلته أفعاله الكفرية، ويصنف ضمن أحد الصنفين السابقين المذكورين. النص يشير إلى أن الإيمان يلعب دورا في تحديد مصير الكائنات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم علينا نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: «التصديق يستعمل في الخبر، وفي الإرادة، يقال: فلان صادق العزم، وصادق المحبة». قال: «وحمل حملة صادقة». يريد أن يبين، رحمه الله، علاقة الظاهر بالباطن، والإرادة المقتضية للعمل. فهل أن صادق العزم، وصادق المحبة، أثمر عملا يدل على ذلك الصدق في العزم، وفي المحبة؟ فحملوا حملة صادقة، يعني وقفوا وقفة تدل على صدقهم. فأنت حين تقول: مثلا «والله إن فلان لصادق»، تريد بذلك صدق وقع محله في القلب، أم ظهر أثره إلى الجوارح؟ الجواب الثاني: تريد أن ذلك ظهر على الجوارح، فكانت له المواقف المشرفة التي تدل على صدقه. قال رحمه الله تعالى: «والسلف اشتد نكيرهم على المرجئة، لما أخرجوا العمل من الإيمان، وقالوا: إن الإيمان يتماثل الناس فيه». ولا ريب أن قولهم بتساوي إيمان الناس من أفحش الخطأ، بل لا يتساوي الناس في التصديق، ولا في الحب، ولا في الخشية، ولا في العلم، بل يتفاضلون من وجوه كثيرة. إذا كان ربنا جل وعلا قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، فهل معناه أن غير العلماء ما عندهم إيمان؟ الجواب: لا، بل غير العلماء عندهم إيمان، لكن إيمان العلماء زائد عن إيمان غير العلماء، ولهذا صار فيه من الخشية ما يدل على زيادة إيمانهم. فكيف بالأنبياء؟ قول المرجئة: أن الناس يتماثلون في الإيمان، من أفحش الخطأ. قال رحمه الله: «لا يتساوي الناس في التصديق، ولا في الحب، ولا في الخشية، ولا في العلم، بل يتفاضلون من وجوه كثيرة». فتفاضل العلم يدل على تفاضل الإيمان. ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. ويظهر هذا التفاضل على العمل، أليس كذلك؟ الجواب: بلى. فأنت ترى الجاهل من المسلمين قليل العمل الصالح، غافل عن طاعة ربه. وكلما ازداد معرفة بربه وعلما، ازداد توفيقا وعملا صالحا. وهذا يكفي به فرقا في الدلالة على أن ما في القلب من الإيمان لا يستوي عند هذا الجاهل، وذاك الذي أخذ شيئا من العلم. ولهذا ظهر أثر ما في القلب من تفاوت الإيمان في تفاوت أعمال الجوارح. قال رحمه الله تعالى: «وأيضا، فإخراجهم العمل يشعر أنهم أخرجوا أعمال القلوب أيضا». لماذا؟ لأن أعمال القلوب تتفاوت بتفاوت أعمال الجوارح. فكونهم يجعلون ما في القلب شيء واحد، كأنهم نسوا أو تناسوا أن تفاوت الظاهر علامة ودليل ولازم لتفاوت الباطن. فنفي التفاوت يدل على نفي هذين المعنيين جميعا، وهذا لا شك أنه باطل. قال: «وهذا باطل قطعا، فإن من صدق الرسول وأبغضه وعاداه بقلبه وبدنه، فهو كافر قطعا بالضرورة». وإن أدخلوا أعمال القلوب في الإيمان، أخطأوا أيضا، لامتناع قيام الإيمان بالجوارح من غير حركة بدن. فلا يتصور هذا. معنى كلامه: أن يحارب الرسول ﷺ، ويبغضه، ويعاديه قولا وفعلا، ثم يثبت له إيمان. هل يتصور مثل هذا؟ الجواب: مستحيل. إذا كان هناك صدق وإيمان، فلا يمكن أن يكون هناك مثل هذه المعادة. قال: «والصحيح أن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية». فإدخال عمل القلب في الإيمان، ما عدم إدخال عمل الجوارح كذلك، من أبطل الباطل. لأنهما متلازمان، لامتناع قيام الإيمان بالقلب من غير حركة بدن. قال رحمه الله: «وليس المقصود هنا ذكر عمل معين، بل من كان مؤمنا بالله ورسوله بقلبه». هل يتصور إذا رأى الرسول وأعداءه يقاتلونه، وهو قادر على أن ينصر الرسول بما لا يضره؟ هل يمكن مثل هذا في العادة أن لا يكون منه حركة ما إلى نصر الرسول؟ فمن المعلوم أن هذا ممتنع. فلهذا كان الجهاد المتعين بحسب الإمكان من الإيمان، وكان عدمه دليل على انتفاء حقيقة الإيمان. وانظروا إلى ما روي في قصة أبي بكر، حين قاتل الروم. المؤمنون ينظرون إلى الروم أنهم أهل كتاب، أهل إيمان، مع ما عندهم من ضلال. فتحرك في قلوبهم الفرح بنصر أهل الكتاب على أهل الشرك. وهذا معنى من معاني النصرة التي تستلزمها أو يستلزمها الإيمان في القلب. فإذا كان هذا بحق من عنده ضلال في أمثال هؤلاء، فكيف بمؤمن؟ وكيف من باب أولى بالرسول ﷺ؟ قال رحمه الله تعالى: «فمن المعلوم أن هذا ممتنع، يعني ما تقدم من أنه لا يمكن أن يوجد إيمان مع عدم ظهور أثر هذا الإيمان بحسب الاستطاعة في الظاهر». وأما إذا لم تكن استطاعة، كما تقدم في حق أهل الأعذار من المضطرين، الخائفين، المستخفين، فهذا لهم عذر. كما تقدم. ولكن لا معنى أنه لا عمل لهم، حتى مع الإمكان في الخفاء. بل لا بد أن يكون لهم شيء يدل على ذلك، كما ذكر في قصة امرأة فرعون، ونصرها وتأييدها لموسى عليه الصلاة والسلام في السر. فهذا من علامات إيمانها. فإن إيمانها في الباطن أثمر حسن عملها في الظاهر. وهكذا ما كان من النجاح في نصرة المسلمين المؤمنين، فإن إيمانه في الباطن أثمر حسن عمله في الظاهر، بقدر استطاعته. قال رحمه الله: «فلهذا كان الجهاد المتعين بحسب الإمكان من الإيمان، وكان عدمه دليلاً على انتفاء حقيقة الإيمان». بل قد ثبت بالصحيح عنه: «من مات ولم يغزو، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة نفاق». والحديث كما أشار رحمه الله في صحيح مسلم. قال: «وفي الحديث دلالة على أنه يكون فيه بعض شعب النفاق، مع ما معه من الإيمان». ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. فعلم أن من أعظم علامات الصدق، إتباع الإيمان بالعمل الصالح، ومنه الجهاد في سبيل الله. ولهذا فالمجاهدون في سبيل الله، كانت لهم المراتب العلية، لأنهم حققوا أعلى مراتب الإيمان. تحقق معهم من الصدق في الظاهر، ما يبرهن الصدق في الباطن. فلا يبذل مسلم نفسه وما له، وكل ما يملك، إلا وكان ذلك علامة صدقه في الغالب. قال رحمه الله أيضا: «فقد ثبت بالصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وفي رواية: «وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة من خردل». هذا هو حديث النعمان، الذي في صحيح مسلم. قال: «فهذا يبين أن القلب إذا لم يكن فيه بغض ما يكره الله من المنكرات، كان عادما للإيمان». والبغض والحب من أعمال القلوب. ومن المعلوم أن إبليس ونحوه، يعلمون أن الله عز وجل حرم هذه الأمور، ولا يبغضونها، بل يدعون إلى ما حرم الله ورسوله. وهذا ظاهر. فإن من علامات الإيمان، بغض المنكر، ويدفعه إيمانه أن يغيره بيده إن استطاع، أو بلسانه، أو على أقل الأحوال بقلبه. فقلب المؤمن لا يرضى بالمنكر. ولهذا كان ذلك أضعف الإيمان. قال رحمه الله: «وأيضا، فهؤلاء القائلون بقول جهم، والصالح، يعني ممن جعلوا الإيمان في المعرفة، قد صرحوا بأن سب الله ورسوله، والتكلم بالكفر، وكل كلمة من كلام الكفر، ليس هو كفرا في الباطن، ولكنه دليل في الظاهر على الكفر». ويجوز مع هذا أن يكون هذا الساب الشاتم في الباطن عارفا بالله، موحدا له، مؤمنا به. يعني يقولون: وهذا لازم قولهم. أنه قد يوجد من يكون عنده معرفة في الباطن، وإيمان وتوحيد، وقد ظهر في الظاهر منه الكفر. وهذا باطل، إلا لمضطر. المضطر نعم، إلا من أكره، وقلبه مطمئن بالإيمان. أما غير مضطر، ومن كان بمعنى المضطر، فهذا لا يعذر، أو يقال: هذا لا يتصور منه إيمان. فإيمانه يحجزه عن فعل وقول مثل ذلك. قال: «فإذا قيمت عليهم حجة بنص أو إجماع، أن هذا كافر باطنا وظاهرا». قالوا: «هذا يقتضي أن ذلك مستلزم للتكذيب الباطن، وأن الإيمان يستلزم عدم ذلك». فيقال لهم: «معنا أمران معلومان، أحدهما معلوم بالضرورة من الدين، والثاني معلوم بالضرورة من أنفسنا عند التأمل». أما الأول: فإننا نعلم أن من سب الله ورسوله طوعا، بغير كره، بل من تكلم بكلمات الكفر طائعا غير مكره، ومن استهزأ بالله وآياته ورسوله، فهو كافر باطنا وظاهرا. وهذا هو نص القرآن والسنة. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. قال رحمه الله تعالى: «ومن استهزأ بالله، وآياته ورسوله، فهو كافر باطنا وظاهرا». وأن من قال: أن مثل هذا قد يكون في الباطن مؤمنا بالله، وإنما هو كافر في الظاهر، فإنه قال قولا معلوم الفساد بالضرورة من الدين. وقد ذكر الله كلمات الكفار في القرآن، وحكم بكفرهم، واستحقاقهم الوعيد بها. ولو كان تقواهم الكفرية بمنزلة شهادة الشهود عليهم، أو بمنزلة الإقرار الذي يغلط فيه المقر، لم يجعلهم الله من أهل الوعيد. بالشهادة التي قد تكون صدقا، وقد تكون كذبا. بل كان ينبغي أن لا يعذبهم إلا بشرط صدق الشهادة. وهذا كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. فاكتفى ربنا جل وعلا بوصف هؤلاء بالكفر، مع قولهم. فعلم أن هذا يكفي في وصف قائله بالكفر. قال: «وأما الثاني، فالقلب إذا كان معتقدا صدق الرسول، يعني المعلوم بالاضطرار من النفس». قال: «فالقلب إذا كان معتقدا صدق الرسول، وأنه رسول الله، وكان محبا لرسول الله، معظما له، امتنع مع هذا أن يلعنه ويسبه». فلا يتصور ذلك منه، إلا مع نوع من الاستخفاف به وبحرمته. فعلم بذلك أن مجرد اعتقاد أنه صادق، لا يكون إيمانا، إلا مع محبته وتعظيمه بالقلب. وهذا ظاهر، معلوم بالاضطرار. فلا يمكن أن تسب أحدا وتزعم أنك تحبه، وتلعنه وتزعم أنك تؤمن به. فهذا لا يتصور أبدا. قال: «وأيضا، فإن الله سبحانه قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾. وقال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾». فتبين أن الطاغوت يؤمن به، ويكفر به. ومعلوم أن مجرد التصديق بوجوده، وما هو عليه من الصفات، يشترك فيه المؤمن والكافر. فإن الأصنام والشيطان والسحر، يشترك في العلم بحاله المؤمن والكافر. قال: «وقد قال الله تعالى في السحر: ﴿حَتَّى إِنَّهُمَا لَيُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾». فهؤلاء الذين اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون. يعلمون أنه لا خلاق لهم في الآخرة، ومع هذا يكفرون. فعلم بهذا أنه لا بد مع الإثبات من نفي. لا بد مع الإثبات من نفي. فكما تثبت العبودية لله، تنفيها عما سوى الله. وكما تؤمن بالله، تكفر بالجبت والطاغوت. ولهذا قرر هذا المعنى في هذه الآيات، ونحوها. ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. فلا يتصور إيمان بالله، مع عدم كفر بالطاغوت. قال رحمه الله تعالى: «وكذلك المؤمن بالجبت والطاغوت، إذا كان عالما بما يحصل بالسحر من التفريق بين المرء وزوجه، ونحو ذلك من الجبت، وكان عالما بأحوال الشيطان والأصنام، وما يحصل بها من الفتنة، لم يكن مؤمنا بها». مع العلم بأحوالها. ومعلوم أنه لم يعتقد أحد فيها أنها تخلق الأعيان، وأنها تفعل ما تشاء، نحو ذلك من خصائص الربوبية. ولكن كانوا يعتقدون أنه يحصل بعبادتها لهم نوع من المطالب. كما كانت الشياطين تخاطبهم من الأصنام، وتخبرهم بأمور. وكما يوجد مثل ذلك في هذه الأزمان، في الأصنام التي يعبد أهل الهند والصين والترك وغيرهم. وكان كفرهم بها: الخضوع لها، والدعاء، والعبادة، واتخاذها وسيلة، ونحو ذلك. لا مجرد التصديق بما يكون عند ذلك من الآثار. فإن هذا يعلمه العالم من المؤمنين، ويصدق بوجوده. لكنه يعلم ما يترتب على ذلك من الضرر بالدنيا والآخرة، فيبغضه. والكافر قد يعلم وجود ذلك الضرر، لكنه يحمله حب العاجلة على الكفر. قال: «فهذا توضيح من المؤلف، رحمه الله، إلى أنه لا يتصور وجود تصديق مع فعل ما يناقضه في الظاهر». هذا بالنسبة للمؤمن. وأن العلم بالشيء ليس هو التصديق به وحبه. فإن علم المؤمن والكافر بصفات الأصنام والشياطين والسحر وغيرها من الخبائث الحسية والمعنوية، قد يستوي فيه علمهما. المؤمن والكافر. وهذا لا يعني حبا ولا تعظيما. فإذا وجد حب وتعظيم، دل ذلك على وجود ما يستلزمه في الظاهر من الكفر. وإذا وجد بغض وكراهية، دل على ما يستلزمه في الظاهر من إيمان. وهو كفر بهذه الخبائث. وهذا هو الفرق بين المؤمن والكافر. فالمعرفة سواء، والتصديق في القلب مختلف، والعمل في الجوارح مختلف، بحسب ما في القلب من تصديق أو تكذيب، وحب أو بغض، وإيمان أو كفر. قال رحمه الله: «يبين ذلك قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾». فقد ذكر تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه، وذكر وعيده بالآخرة. ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. وبين تعالى أن الوعيد استحقه بهذا. ومعلوم أن باب التصديق والتكذيب، والعلم والجهل، ليس هو من باب الحب والبغض. وهؤلاء يقولون: إنما استحقوا الوعيد لزوال التصديق والإيمان من قلوبهم. وإن كان ذلك قد يكون سبب حب الدنيا على الآخرة. قال: «والله سبحانه وتعالى جعل استحباب الدنيا على الآخرة هو الأصل الموجب للخسران». واستحباب الدنيا على الآخرة قد يكون مع العلم والتصديق بأن الكفر يضر في الآخرة، وبأنه ما له في الآخرة من خلاق. وبهذا يعلم أن تحقق حصول الكفر في الظاهر، مع عدم العذر، علامة على الكفر في الباطن. وإن وجد إيمان، فهذا إيمان ضعيف، قد انتقض بفعل ذلك الكفر. كما ذكر معناه في هذه الآية، وغيرها من الآيات. ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾. أثبت له إيمان، وأثبت له بعد ذلك كفر. فدل على أن فعل الكفر في الظاهر يبطل الإيمان في الباطن، وينقضه إذا لم يكن له عذر. قال: «قال رحمه الله تعالى: وأيضا، فإنه سبحانه استثنى المكره من الكفار». ولو كان الكفر لا يكون إلا بتكذيب القلب وجهله، لم يستثن منه المكره. لماذا؟ لأنه ما دام قلبه فيه إيمان، لا يحتاج الاستثناء. لكن لما كان فعل الكفر في الظاهر يبطل الإيمان في الباطن، بين ربنا جل وعلا أنه يستثنى من هذا المكره. يستثنى من هذا. وهي رخصة من الله سبحانه وتعالى. وإلا إذا لم تكن رخصة، لوجب على المؤمن أن يفدي بنفسه لحفظ إيمانه. لكنها رخصة من الله، رخص بها سبحانه وتعالى لهذه الأمة. قال رحمه الله تعالى: «ولو كان الكفر لا يكون إلا بتكذيب القلب وجهله، لم يستثن منه المكره». لأن الإكراه على ذلك ممتنع. فعلم أن التكلم بالكفر كفر، لا في حال الإكراه. يعني بهذا الاستثناء. فأما إذا لم يكن في حال الإكراه، فهو كفر. وهذا الكفر على أحد صورتين: قد يكون كفرا لأنه لا وجود للإيمان أصلا في الباطن، كحال المنافقين الذين سرعان ما ينقلبون في الفتن. فإذا أصابتهم فتنة، انقلبوا على وجههم. علامة على أنه لا إيمان في قلوبهم. قال: «وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ أي لاستحبابه الدنيا على الآخرة». ومنه قول النبي ﷺ: «يصبح الرجل مؤمنا، ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا، ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا». والحديث كما أشار في مسلم، وغيره، من حديث أبي هريرة. والمعنى: أنه يقع لبعض الناس تقلب في آخر الزمان، حتى يكون في اليوم الواحد قد جمع بين الإيمان والكفر. وهذا يتصور من أحد صنفين: إما من إنسان ليس عنده إيمان أصلا، فهو إذا كان مع المؤمنين أظهر الإيمان، وإذا كان مع الكافرين أظهر الكفر. كحال الكثير من المنافقين قديما وحديثا. وصنف آخر: عنده إيمان ضعيف، مستعد أن يضحي به لأجل الدنيا. وهذا هو قوله: «يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل». نسأل الله السلامة والعافية. قال: «والآية نزلت في عمار بن ياسر، وبلال بن رباح، وأمثالهما من المؤمنين المستضعفين». لما أكرههم المشركون على سب النبي ﷺ، ونحو ذلك من كلمات الكفر. فمنهم من أجاب بلسانه كعمار، ومنهم من صبر على المحنة كبلال. ولم يكره أحد منهم على خلاف ما في قلبه، بل أكره على التكلم. فمن تكلم بدون الإكراه، لم يتكلم إلا وصدره منشرح به. يعني كمن لا يبتلى، ولا يقع له إكراه، ولكنه يتقدم نفاقا ورياء ومجاملة، وطلبا لحفظ الدنيا، بالكفر. لأجل أن يحفظ على نفسه ما له وما يحب من الدنيا. فأمثال هؤلاء إن وجد أمثالهم في مجتمع من المجتمعات، دل ذلك على أنهم أحد الصنفين السابقين. قال رحمه الله أيضا: «فقد جاء نفر من اليهود إلى النبي ﷺ، فقالوا: نشهد إنك لرسول الله». ولم يكونوا مسلمين بذلك. لأنهم قالوا ذلك على سبيل الإخبار عما في أنفسهم. أي نعلم ونجزم أنك رسول الله. قال: «فأيما لا تتبعوني». قالوا: «نخاف من يهود». فعلم أن مجرد العلم والإخبار عنه، ليس بإيمان. حتى يتكلم بالإيمان على وجه الإنشاء، المتضمن للالتزام والانقياد، مع تضمن ذلك الإخبار عما في أنفسهم. بل تبين بهذا أن العلم بالشيء ليس هو التصديق به. فلو كان علمهم برسالته يكفي، كما ادعت المرجئة من الجهمية والصالحية، لسلم ذلك إيمانهم. ولكن لا يتم ذلك حتى يكون معه تصديق. وأن من لازم التصديق: المتابعة والانقياد. قال: «فالمعرفة وحدها لا تكفي، والتصديق الصحيح لا يتخلف عنه العمل». ننتبه لهذين الأمرين. المعرفة وحدها لا تكفي. والتصديق الصحيح لا يتخلف عنه العمل. ولهذا لم يكن هؤلاء اليهود من المؤمنين، بل كانوا كفارا. والحديث أصله في الصحيح. وقد جاء بهذا اللفظ، كما أشار المعلق، عند الترمذي وغيره، وهو حديث حسن. وأصله جاء في البخاري وغيره. قال رحمه الله تعالى: «قال: فالمنافقون قالوا مخبرين كاذبين، فكانوا كفارا في الباطن». وهؤلاء قالوها غير ملتزمين، ولا منقادين، فكانوا كفارا في الظاهر والباطن. وكذلك أبو طالب، قد استفاض عنه أنه كان يعلم بنبوة محمد، وأنشد عنه: «ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا». لكن امتنع من الإقرار بالتوحيد والنبوة، حبا لدين سلفه، وكراهة أن يعيره قومه. فلما لم يقترن بعلمه الباطن الحب والانقياد، الذي يمنع ما يضاد ذلك من حب الباطل وكراهة الحق، لم يكن مؤمنا. قال: «فعرف بهذا أن المعرفة وحدها لا تكفي، وأن التصديق الصحيح يستلزم العمل». فلما لم يكن عند هؤلاء تصديق صحيح، لم يكن عندهم إيمان ولا عمل. قال: «وأما إبليس، وفرعون، واليهود، ونحوهم، فمن قام بأنفسهم». فلما قام بأنفسهم من الكفر، وإرادة العلو والحسد، منع من حب الله، وعبادة القلب له، الذي لا يتم الإيمان إلا به. وصار في القلب من كراهية رضوان الله، واتباع ما أسخطه، ما كان كفرا لا ينفع معه العلم. فهؤلاء عندهم علم، كما تقدم، وليس عندهم تصديق صحيح. ولهذا حصل الكفر في الظاهر. وإبليس لو قدر أنه كان عنده شيء من الإيمان والتصديق، لكان ضعيفا، أبطله فعله للكفر. فهو كما تقدم: صنف من الصنفين المذكورين السابقين. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.