الإيمان الأوسط 11

الإيمان الأوسط 11

الدرس في الإيمان الأوسط 11، الدرس الحادي عشر:( وربما احتج بعضهم بقوله:ذلك يخوف الله به عباده ... وفيهما من الكفر ما ليس في دين اليهود والنصارى ومشركي العرب والله أعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الرد على القول بالتخييل في دين الإسلام

يناقش الرد على قول الملاحدة والفلاسفة بأن الرسل خاطبوا الناس بأمور وهمية، ويبين بطلان هذا القول. يشرح أن هذا القول يؤدي إلى زوال الأمر والنهي عند خواص الملاحدة والفلاسفة.

انتقاد مذهب الباطنية وتأويلهم للاستقامة واليقين

يناقش مذهب الباطنية الذي يبيح المحظورات عند بلوغ الاستقامة، ويبين بطلانه بمقارنة سلوك الصحابة. ينتقد تأويلهم لآية اليقين ويقارنهم بملاحدة المتصوفة.

مشاهد المتصوفة وأهل الوحدة وانتقاد مذاهبهم

يناقش آراء المتصوفة وأهل الوحدة القائلين بوحدة الوجود، ويبين كيف يبررون تحليل المحرمات. يشير إلى تقارب إلحاد الجهمية الصوفية والقرامطة الشيعة في الكفر والضلال.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال وربما احتج بعضهم بقوله: «ذلك يخوف الله به عباده»، يعني أن المراد التخويف على ما نقل عن هؤلاء أهل التخييل. قال: فيقال لهذا التخويف: إنما يكون تخويفًا إذا كان هناك مخوف يمكن وقوعه بالمخوف. قال: فإن لم يكن هناك ما يمكن وقوعه، امتنع التخويف، لكن يكون حاصله إيهام الخائفين بما لا حقيقة له، كما توهم الصبي الصغير. ومعلوم أن مثل هذا لا يحصل به تخويف للعقلاء المميزين؛ لأنهم إذا علموا أنه ليس هناك شيء مخوف زال الخوف. وهذا شبيه بما تقول الملاحدة المتفلسفة والقرامطة ونحوهم؛ لأن القول بالتخييل هو قول الفلاسفة ومن سار بسيرهم من الباطنية الملاحدة. فمن المتصوفة طوائف، ومن الرافضة طوائف، والقرامطة من الرافضة. قال: من أن الرسل صلوات الله وسلام عليهم خاطبوا الناس بإظهار أمور من الوعد والوعيد لا حقيقة لها في الباطن، وإنما هي أمثال مضروبة لتفهم حال النفس بعد المفارقة. وما أظهروه لهم من الوعد والوعيد وإن كان لا حقيقة له، فإنما يعلق لمصلحتهم بالدنيا؛ إذ كان لا يمكن تقويمهم إلا بهذه الطريقة. وهذا القول مع أنه معلوم الفساد بالضرورة من دين الرسل، وفساده معلوم كما ذكر رحمه الله بتضافر الأدلة، ليس المنقول في دين الإسلام، بل دين الرسل جميعًا. حتى لو أخبرت يهوديًا أو نصرانيًا بهذا، لاستطاع أن يأتي بالأدلة من دينه على فساد وبطلان هذا القول. فدلائل ذلك بالأدلة الشرعية، وهكذا كذلك الأدلة العقلية والحسية كثيرة مما يدفع به بطلان هذا القول. فلم يزل الناس ليس في دين الإسلام فحسب، بل في سائر الأديان، وهم يرون آثار أحوال الناس من صلاح وغيره على أهله في الدنيا وفي الآخرة. فلو كانت هذه أمور تخيل، لما كان لذاك معنى. ولكن هم يرون بأعينهم ويشاهدون في الحس، فضلًا عن أخبار الصدق عن الله عز وجل، وما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام مما فيه هذا المعلوم بالضرورة. قال: فلو كان الأمر كذلك، لكان خواص الرسل الأذكياء يعلمون ذلك، وإذا علموه زالت محافظتهم على الأمر والنهي، كما يصيب خواص ملاحدة المتفلسفة والقرامطة من الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم؛ لأن هؤلاء زعموا أنهم عرفوا حقيقة هذا الدين، فلما زعموا أنهم عرفوا حقيقة هذا الدين وأنه مبني على الخيال، تركوا الأمر والنهي. فزعموا أن المهم أن تكون عندك استقامة، إذا حصلت الاستقامة فلا تبالي بامتثال أمر أو اقتحام نهي. مع أن الحقيقة لا تكون استقامة إلا بامتثال الأمر وترك النهي. حتى لو قدر أن هذا الباب تخيل، ما أنه كذب ليس هو بتخيل، بل هي حقائق لم يزل الناس يرون آثارها الحسية، فضلًا عن أدلتها الكثيرة التي تدل أن دعوة تخيل في هذا الباب من أعظم الكذب والإفتراء، ومن أعظم ما يخالف العقل والنقل، فهو معلوم الفساد تمام العلم. قال رحمه الله: فإن البارع منهم في العلم والمعرفة يزول عنه عندهم الأمر والنهي، تباح له المحظورات. هكذا هو الحال عند القرامطة والإسماعيلية والنصيرية، وكما ترى أكثر هؤلاء من فرق الرافضة ونحوهم، فرق المتصوفة من الباطنية. قال رحمه الله: وتباح له المحظورات وتسقط عنه الواجبات، فتظهر أبغضهم وتنكشف أسرارهم، ويعرف عموم الناس حقيقة دينهم الباطن، حتى سموهم باطنية لإبطانهم خلاف ما يظهرون. فلو كان والعياذ بالله دين الرسل كذلك، لكان خواصه قد عرفوه وأظهروا باطنه. ولو سأل هؤلاء أنفسهم سؤال صدق: ما هو الذي حرمهم من الاستقامة وجعلهم يعيشون هذا التخبط حتى أحلوا المحرمات الفضيعة؟ فهم يتناكحون بالمحارم، ينكح الرجل أمه ولا يبالي، وبنته ولا يبالي، وأخته ولا يبالي، ويأكل ما يشاء من المحرمات، ويشرب ما يشاء من المحرمات. ثم بعد ذلك يزعم أن المقصود هو الاستقامة إذا حصلت فلا تبالي بأمر ولا نهي. فهل هذا في الحقيقة تحقق لهم؟ الجواب: لا؛ لأن حقيقة الاستقامة إنما هو بامتثال المأمور وترك المحظور. مع ما سبق من عظيم فسادهم في هذا المذهب الباطل. قال رحمه الله: ومن المعلوم بالاضطرار أن الصحابة الذين كانوا أعلم الناس بباطل الرسول صلى الله عليه وسلم وظاهره، وأخبر الناس بمقاصده ومراداته، كانوا أعظم الأمة لزومًا لطاعة أمره سرًا وعلانية، ومحافظة على ذلك إلى الموت. وكل من كان منهم إليه أقرب وبه أخص وبباطنه أعلم، كأبي بكر وعمر، كانوا أعظمهم لزومًا للطاعة سرًا وعلانية، ومحافظة على أداء الواجب واجتناب المحرم باطنًا وظاهرًا. فعلم بهذا بطلان مذهب هؤلاء الملاحدة، وأن حقيقة الاستقامة بالاستمساك بالشرع وامتثال الأمر والنهي، والتصديق بالأخبار التي جاءت بها الرسل عليهم الصلاة والسلام. فهم لا أصلحوا لأنفسهم الدنيا ولا أصلحوا لأنفسهم الآخرة، حرموا أنفسهم الدنيا والآخرة. قال رحمه الله: وقد أشبه هؤلاء في بعض الأمور ملاحدة المتصوفة الذين يجعلون فعل المأمور وترك المحظور واجبًا على السالك حتى يصير عارفًا محققًا في زعمهم. وحينئذ يسقط عنه التكليف، ويتأولون على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، زاعمين أن اليقين هو ما يدعونه من المعرفة. واليقين هنا الموت وما بعده، كما قال تعالى عن أهل النار: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ۝ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ۝ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾، يعني الموت وما بعده مما رأوا به يقين ما أجرموا وتركوا من دين الله. قال: فما تنفعهم شفاعة الشافعين. قال الحسن البصري رحمه الله: إن الله لم يجعل لعباده المؤمنين أجلا دون الموت. وتلا هذه الآية. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لما توفي عثمان بن مضعون: «أما عثمان بن مضعون فقد أتاه اليقين من ربه». والحديث كما أشار في الصحيح في البخاري وغيره. والمقصود أنه سمى الموت يقينًا. وهؤلاء المتصوفة أهل المذهب الباطني الذين يجعلون الناس لقسمين: عامة وخاصة، وخاصة الخاصة من ضمن الخاصة. فيجعلون أن من بلغ مرتبة اليقين جاز له أن يترك الشرع. شابه هؤلاء الملاحدة الذين سبق ذكرهم من أهل التخيل كالقرامطة من الإسماعيلية والنصيرية وغيرهم. وهذه الفرق موجودة في زماننا هذا، ولا يزال لها أجهات معروفة مشهورة. وهم من أعظم أصولهم التقية، يظهرون للناس خلاف ما يبطنون. فهم إذا جاءوا مع الناس كأنهم مسلمون مثل المسلمين، وربما أتوا يصلون وربما فعلوا وفعلوا. ولكن في حقيقة أمرهم، وإذا خلوا بأنفسهم أو بعشيرتهم وأصحاب مذهبهم، فإنهم يظهرون ما هم عليه من الدين الباطل الفاسد، فيحللون المحرمات ويتركون الواجبات وينخلعون من دين الله سبحانه وتعالى بمثل هذا الباطل. قال رحمه الله: وقد يقول أحدهم: العارف شهد أولًا الطاعة والمعصية، ثم شهد طاعة بلا معصية، يريد بذلك طاعة القدر. كقول بعض شيوخهم: «أنا كافر برب يُعصى». وقيل له عن بعض الظالمين: «هذا ماله حرام»، فقال: «إن كان عصى الأمر فقد أطاع الإرادة». ثم ينتقلون إلى المشهد الثالث: لا طاعة ولا معصية، وهو مشهد أهل الوحدة القائلين بوحدة الوجود. وهذا غاية إلحاد المبتدعة جهمية الصوفية، كما أن القرامطة آخر إلحاد الشيعة. وكل الإلحادين يتقاربان، وفيهما من الكفر ما ليس في دين اليهود والنصارى ومشركي العرب. والله أعلم. وهو يشير رحمه الله هنا إلى طوائف هؤلاء باطنية المتصوفة، وكيف ينتقلون في هذه البدع والضلالات بمثل هذه الآراء الضالة، فيجعلون مشهدًا هو مشهد بلوغ اليقين، ومشهد آخر هو مشهد القدر. قال: وبلوغ اليقين علمناه أن من الناس من تزكو نفسه حتى يرتقي إلى مرتبة يسقط عنه التكليف كما يزعمون. وهذه بماذا يصلون إليها؟ يزعمون أنهم يصلون إليها بأقوال وأفعال هي من تلك الشعوذات والأحوال الشيطانية التي ينسلخون بها من الدين. فعند ذلك يقولون: فلان بلغ مرتبة اليقين، فلا يصلي ولا يصوم ولا يقف عن أي حرام، لا يفعلوا واجبًا ولا يتركوا محرمًا. ومرتبة أخرى أو مشهد آخر لهم: مشهد القدر. وهم أنهم يزعمون أن مشهدًا يصل إليه الإنسان ممن وصل إلى معرفة عظيمة بالله، فعند ذلك ينظر إلى ما يجري في هذا الكون باعتبار تقدير الله عز وجل. ثم عند ذلك يرى أن ما جرى في الكون فهو مما رضيه الله وأحبه. وهذا مذهب الجبرية. إذ يرون أن كل ما في الكون ما دام قد وقع، إذن أحبه الله. وهذا باطل؛ لأن الإرادة إرادتان: إرادة شرعية وإرادة كونية. فالإرادة الكونية ما تقع في هذا الكون، ولا يلزم أن يحبها الله ويرضاها، قد يكون مما يحبه الله، وقد يكون مما يبغضه الله. وأما الإرادة الشرعية فهي ما يحبها الله، وهو مناط التكليف، وقد يقع وقد لا يقع. أما الإرادة الكونية ليست هي مناط التكليف، إنما هي من قدر الله الذي يبتل الله عز وجل به عباده. وهؤلاء خلطوا في هذا الباب. ولما كان الكثير من المتصوفة على مذهب الجبرية في هذا الباب، زعموا أن مشهدًا يصله العارف فيرتقي حتى تستوي عنده المأمورات والمنهيات. ولهذا قال: حتى إذا قيل لبعضهم: كقول بعض شيوخهم: «أنا كافر برب يُعصى». ومعناه أنه على طريقة الجبرية. ولما قيل لبعض الظالمين: «هذا ماله حرام»، فقال: «إن كان عصى الأمر فقد أطاع الإرادة». معناه: ليس بحرام. وهذا مشهد من مشاهد هؤلاء في تحليل المحرمات وترك الواجبات، وهو مذهب الجبر. والمشهد الثالث: مشهد أهل وحدة الوجود الذين يجعلون كل شيء هو الله، وكل ما يجري هو من فعل الله. فعند ذلك لا فرق بين طاعة ومعصية، ولا فرق بين حلال وحرام، ولا فرق بين أسود وأبيض، ولا فرق بين مأكول وآكل، ومنكوح وناكح، وغير ذلك. على ذلكم القول الباطل الذي لا تستسيغه الفطر والعقول، فضلًا عن أن ينسى بلدين الله عز وجل. ثم أشار في آخر هذا الفصل إلى هذا الشبه بين مذهبي هؤلاء المبتدعة من الجهمية الصوفية والقرامطة الشيعة، فهما إلحادان يتقاربان، وفيهما من الكفر ما ليس في دين اليهود والنصارى ومشركي العرب. يعني أن أولئك كانوا عندهم شيء من التدين يتقربون بطاعات ويستنكفون عن بعض المحرمات على كفرهم الذي هم فيه والشرك الذي هم فيه. أما هؤلاء فبلغ بهم الكفر أن صححوا كل الأديان الباطلة. ولهذا إبليس عندهم ليس بكافر، واليهود والنصارى والمشركون كلهم على صواب. لماذا؟ لأنه ليس عندهم شيء حرام ولا شيء واجب ولا أمر ولا نهي، فالأمور كلها مفلوتة بهذا المذهب الباطل.