الدرس في الإيمان الأوسط 12، الدرس الثاني عشر:(فصل:ثم بعد ذلك تنازع الناس في اسم المؤمن والإيمان نزاعاً كثيراً ...رعاية حقوق المؤمنين من الأئمة والأمة وإن كانوا جهالاً مبتدعين وظلمة فاسقين) ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ ابن مرعي بن بريك الاختلاف بين الناس في تعريف الإيمان، موضحا أن الخلاف يكون لفظيا ومعنويا، وأن الإيمان عند أهل السنة قول وعمل يزيد وينقص.
يتحدث عن تفاوت الإيمان وزيادته ونقصانه، ومسألة الاستثناء في الإيمان، ويفرق بين موقف أهل السنة والجماعة وموقف المرجئة في هذه القضايا.
يتناول آراء المرجئة وأهل السنة في مسائل الإيمان والتكفير، ويشرح موقف الإمام أحمد بن حنبل من تكفير بعض الطوائف، ويفرق بين القول بالبدعة وتكفير أصحابها.
يذكر بعض المصادر التاريخية الهامة التي تحتوي على تفاصيل حول محنة الإمام أحمد وآراء العلماء في تلك الفترة، ويشير إلى تنوع الآراء حول حكم بعض الطوائف.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «الإيمان الأوسط»: «قال فصل، ثم بعد ذلك تنازع الناس في اسم المؤمن والإيمان نزاعا كثيرا، منه لفظي وكثير منه معنوي. واللفظي هو الذي لا يضر، فإن الكثير من الخلاف اللفظي لا يؤدي إلى خلاف معنوي. وكما قيل: لا مشاحة في الاصطلاح، كما سيأتي معنا إن شاء الله في ثنايا هذا الفصل وهذا المبحث. وأما المعنوي فهو الذي يضر، فإن الاختلاف في المعنى يؤدي إلى اختلاف المذاهب وحصول التفرق. ثم منه ما هو كثير، ومنه ما هو يسير، يعني اختلاف كبير واختلاف في شيء يسير، كما سيأتي معنا إن شاء الله بيانه». قال رحمه الله: «فإن إمة الفقهاء لم ينازعوا في شيء مما ذكرناه من الأحكام، وإن كان بعضهم أعلم بالدين أقوى به من بعض. ولكن تنازعوا في الأسماء، كتنازعهم في الإيمان: هل يزيد وينقص؟ وهل يستثنى فيه أم لا؟ وهل الأعمال من الإيمان أم لا؟ وهل الفاسق الملي مؤمن كامل الإيمان أم لا؟ والمأثور عن الصحابة وإمة التابعين وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث، وهو المنسوب لأهل السنة: أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأنه يجوز الاستثناء فيه، على تفصيل سيأتي إن شاء الله الكلام عليه في مسألة الاستثناء». قال: «كما قال عمير بن حبيب الخطمي وغير من الصحابة: الإيمان يزيد وينقص. فقيل له: وما زيادته ونقصانه؟ فقال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه، فتلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا، فذلك نقصانه. فهذه الألفاظ المأثور عن جمهورهم -يعني كما تقدم من الصحابة وإمة التابعين وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث والمنسوب لأهل السنة والجماعة-». قال: «وربما قال بعضهم، وكثير من المتأخرين: قول وعمل ونية. وربما قال آخر: قول وعمل ونية واتباع السنة. وربما قال: قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان -أي بالجوارح-. ومر معنا قريبا الإشارة إلى هذه الأقوال، وأن هذه الأقوال ليس بينها اختلاف معنوي، فهي اختلاف في الألفاظ، كما أشارها هنا، والمعنى واحد، ولكن فيه تفصيل وإجمال، فيه تفصيل وإجمال، بعضهم فصل وبعضهم أجمل، وإلا فمرادهم شيء واحد، وهو ما تقدم من المنقول عن السلف من الصحابة والتابعين، جمهور السلف، أهل الحديث، وهو قول أهل السنة والجماعة». قال: «وروا بعضهم هذا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في النسخة المنسوبة إلى أبي الصلت الهروي عن علي بن أبي موسى الرضا، وذلك من الموضوعات على النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل العلم بحديثه. وليس بين هذه العبارات اختلاف معنوي، ولكن القول المطلق والعمل المطلق في كلام السلف يتناول قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح. فقول اللسان بدون اعتقاد القلب هو قول المنافقين، وهذا لا يسمى قولا إلا بالتقييد، كقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾، فقيد؛ لأن الأصل أن الإنسان إذا قال شيئا بكلامه وهو صادق، فهذا الذي قاله بكلامه أصله أين موجود؟ في القلب، أصله موجود بالقلب». قال: «فالقول قول اللسان والقلب، وهكذا كذلك الفعل، فعل اللسان والقلب. ولا يحصل قول منافي لما في القلب إلا وقيد، إذا كان لا يراد على ظاهره، فإنه يقيد، كما قالها هنا: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾، وهؤلاء هم المنافقون. ومراد السلف إذا بالقول والعمل هو قول وعمل القلب والجوارح واللسان». قال رحمه الله: «وكذلك عمل الجوارح بدون أعمال القلوب هي من أعمال المنافقين التي لا يتقبلها الله، كما قال الله عز وجل في الصلاة: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾، فقيامهم عمل، لكن ليس معه إيمان في القلب، فلذلك كان القيام إليه بثقل. قال: التي لا يتقبلها الله. فقول السلف يتضمن القول والعمل الباطن والظاهر، لكن لما كان بعض الناس قد لا يفهم دخول النية في ذلك، قال بعضهم: ونية. وقد مر معنا بيان ذلك في فصول متقدمة قريبة. فإذا لا خلاف معنوي، وإنما هو خلاف لفظي، بعضهم أطلق وبعضهم فصل». قال رحمه الله: «ثم بيّن آخرون أن مطلق القول والعمل والنية لا يكون مقبولا إلا بموافقة السنة، وهذا حق أيضا. فإن أولئك قالوا: قول وعمل، ليبين اجتماله على الجنس -أي جنس الأقوال والأعمال المتضمنة لمعنى الظاهر والباطن- قال: ولم يكن مقصودهم ذكر صفات الأقوال والأعمال -يعني تقييدها-. وكذلك قول من قال: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، جعل القول والعمل اسما لما يظهر، فاحتاج أن يضم إلى ذلك اعتقاد القلب، وهو من باب التأكيد، وإلا فهو يتضمنه، كما تقدم». قال: «جعل القول والعمل اسما لما يظهر، فاحتاج أن يضم إلى ذلك اعتقاد القلب. ولا بد أن يدخل في قول اعتقاد القلب أعمال القلب المقارنة لتصديقه، مثل حب الله وخشية الله والتوكل على الله ونحو ذلك. فإن دخول أعمال القلب في الإيمان أولى من دخول أعمال الجوارح باتفاق الطوائف كلها». قال: «وكان بعض الفقهاء من أتباع التابعين لم يوافقوا في إطلاق النقصان عليه، لأنهم وجدوا ذكر الزيادة في القرآن، ولم يجدوا ذكر النقص. وهذا إحدى الروايتين عن مالك، والرواية الأخرى عنه -وهو المشهور عند أصحابه- كقول سائرهم: إنه يزيد وينقص. وبعضهم عدل عن لفظ الزيادة والنقصان إلى لفظ التفاضلي، فقال: أقول: الإيمان يتفاضل ويتفاوت. ويروى هذا عن ابن المبارك. وكان مقصوده الإعراض عن لفظ وقع فيه النزاع إلى معنى لا ريب في ثبوته، وهذا خلاف لفظي. من قال: يزيد وينقص، أو قال: يتفاضل ويتفاوت، فهو معنى واحد». قال: «لكن قد يكون عند بعضهم شيء ومقصد، مثل ما أشارها هنا، إذا كان لفظ الزيادة والنقصان قد يسبب إشكالا عند بعض الناس في أصل الإيمان: هل يزيد وينقص؟ لأنه لوء كان يزيد وينقص، ضر في ماذا؟ ضر في أصل إيمانه الذي يتميز به عن الكافرين والمنافقين. فلأجل ذلك عبر من عبر بالتفاضل والتفاوت، حتى يكون المعنى للمعنى المجمل، لا لأصل الإيمان. عندنا للإيمان معنيين اثنين: أصل الإيمان الذي خرج به المسلم عن الكفر والنفاق، فهذا عند جمهور أهل السنة والجماعة، ومن سبقهم من الأئمة وأتباع السلف: أنه ثابت -يعني الذي يميزه عن الكفر- وأخرجه عن الكفر والنفاق». قال: «وأما بالنسبة لمجمل الإيمان، فهو يتفاضل، يزيد بالطاعات وينقص بالمعصية. ومن ذلك أنه يتفاوت في الصدق والقوة، بحسب اليقين والإخلاص وغير ذلك من أعمال القلوب والجوارح واللسان. فلذلك صار بعض أهل العلم يعبر بالتفاضل والتفاوت، حتى لا يخالفه من يظن أن ذلك -أي لفظ الزيادة والنقصان- لأصل الإيمان. وإن كان في الحقيقة أن كان في الحقيقة الإيمان عبارة عن كل ما يكون عند هذا الإنسان مما في قلبه ولسانه وجوارحه، فهو في الحقيقة يزيد وينقص جملة، يزيد وينقص، فيزيد بالطاعة وينقص بالمعصية». قال: «وأهله فيه ليسوا سواء، فإيمان الأنبياء ليس كإيمان من دونهم، بلا شك. وإن كان أصل الإيمان واحد باللفظ، لكنه باعتبار أصله وجملته، فهو يتفاوت. حتى أصل الإيمان الذي يخرج به المسلم عن الكفر والنفاق هو في الحقيقة -لو دقق فيه الناس- ليس سواء. هذه هي الحقيقة. فالحاصل: الخلاف لفظي، أراد أن يشير: تفاضل وتفاوت، وزيادة ونقصان، الخلاف لفظي». قال: «وأنكر حماد بن أبي سليمان ومن اتبعه تفاضل الإيمان ودخول الأعمال فيه والاستثناء فيه. وهذه المخالفة ليست مخالفة لفظية، وإن كان من ينظر إلى لفظها قد يظن أنها مخالفة لفظية، لكن هي مع كونها تخالف في اللفظ، تتضمن معنى فيه خطأ. من ذهب هذا المذهب ممن يسمى بمرجئة الفقهاء، كما سيأتي معنا إن شاء الله؛ لأن هؤلاء يرون أن اسم الإيمان لا ينقص بالمعصية، وإن كانت المعصية تضر صاحب الإيمان. ولهذا المعنى صارت هذه الألفاظ ليست من الخلاف اللفظي؛ لتضمنها معاني عليها عقيدة أهل الإرجاء». قال رحمه الله: «وأنكر حماد بن أبي سليمان ومن اتبعه تفاضل الإيمان ودخول الأعمال فيه والاستثناء فيه. الاستثناء أولا: التفاضل، أي أنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، كما تقدم. أما عند أهل الإرجاء الذين يرون أن المؤمن لا ينقص إيمانه بمعصيته، فينفون هذا التفاضل. فهنا إذن ليس كالخلاف الذي تقدم، ليس لأصل الإيمان الذي يخرجه عن مسمى الكفر والنفاق، وإنما لكل معنى من معاني الإيمان. فصار الخلاف معنوي وليس لفظي. فننتبه لهذا». قال: «ولهذا قال: من قال من أهل العلم عبارات عبارات أهل الأهواء، إذا صار فيها من الألفاظ ما لا يوافق الصواب، فإنه يساء بهم الظن؛ لأنها مبنية على عقائد فاسدة، مبنية على عقائد فاسدة. بخلاف صاحب السنة، قد يعبر بتعبير قاصر عن الكمال، يفهم من سياق كلامه ما يجلي ذلك الإشكال. فهنا نقول: هذا نقص في كمال التعبير، ولكنه لا يدخله في معنى البدعة، ولا يخرجه عن دائرة السنة. وهذا كثير في كلام أهل العلم قديما وحديثا». قال: «ولهذا تجد شيخ الإسلام رحمه الله ها هنا فرق بين من نقل عنه من أهل السنة الخلاف في الزيادة والنقصان، وخرج عن هذا بالتعبير إلى التفاوت والتفاضل، فهو لا ينكر عقيدة أهل السنة والجماعة في هذا الباب. وبين من ينكر الزيادة والنقصان، لكنه لا يعني أنه يقر بالتفاوت والتفاضل. وبين هذين المذهبين فرق واضح». قال: «الآن الذي يقول: يتفاوت ويتفاضل، وهو يثبت ما يقول، من يقول: أنه يزيد وينقص، قوله ما سواء. لكن الذي ينكر الزيادة والنقصان، ولا يثبت التفاوت والتفاضل؛ لأنه يرى أن الإيمان شيء واحد، كما تقدم من مذهبي المرجئة والوعيدية، وسيأتي إن شاء الله زيادة بيان وتفصيل فيما يأتي». قال رحمه الله: «وهذا كذلك مسألة الاستثناء، الصحيح فيها التفصيل. وقع الخلاف بين بعض أهل السنة في مسألة الاستثناء، وخالف كذلك المرجئة. لكن خلاف أهل السنة غير خلاف المرجئة. خلاف أهل السنة يدور حول استثناء في أصل الإيمان الذي يميز المسلم عن النفاق والكفر، فهذا ليس فيه استثناء. فأنت ما تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، تريد بذلك أنك لست بكافر ومنافق. هل أحد يقول هذا؟ بل كل مسلم يفتخر أنه مؤمن ويعتز بذلك، يقول: أنا مؤمن والحمد لله». قال: «لكن إذا أراد به كمال خصال الإيمان، فماذا سيقول؟ من تواضعه، ومن كذلك حسن أدبه في هذا الباب، سيقول: أنا مؤمن إن شاء الله. ومثله خصال الإيمان: صليت، ستقول: الحمد لله. إذا أردت أصل الصلاة، وإذا أردت كمالها، فتقول: ماذا؟ إن شاء الله صليت. إن شاء الله تريد أنه إيش؟ إن شاء الله على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه من الكمال. وهكذا قل في سائر خصال الإيمان». قال: «فمثل هذا الخلاف خلاف لفظي، خلاف لفظي. والتفصيل فيه هو الأصوب، حتى يزول الإشكال. لكن الذي ينفي الاستثناء مطلقا، ينفي الاستثناء مطلقا، فهذا خلافه لفظي أو معنوي؟ هذا خلافه معنوي، وهذا هو مذهب المرجئة». قال رحمه الله: «وهؤلاء من مرجئة الفقهاء. وأما إبراهيم النخعي، إمام أهل الكوفة، شيخ حماد بن أبي سليمان، وأمثاله، ومن قبله من أصحاب بن مسعود، كعلقمة والأسود، فكانوا من أشد الناس مخالفة للمرجئة، وكانوا يستثنون في الإيمان -يعني معناه أن حماد أخذ مذهبه من أهل الأهواء، ولم يأخذه من أئمة الحديث وأتباع السلف الذين أشار إلى بعضهم رحمه الله-». قال: «لكن حماد بن أبي سليمان خالف سلفه، واتبعه من اتبعه، ودخل في هذا طوائف من أهل الكوفة ومن بعدهم. وقوله: ودخل -يعني حتى من كان يحسن بهم الظن ممن هو معدود في أهل السنة- دخلت عليه هذه البدعة من حيث لم يشعر. من حيث لم يشعر. ولهذا عذر بعض هؤلاء؛ لأن مثل هذه المسألة -كما ترون- مسألة دقيقة». قال: «قال: ببعضها بعض من ينتسب إلى الحديث والسنة، لكن فرق بين القولين، كما تقدم. فرق بين القولين: بين قول من قال ذلك من أهل الحديث والسنة: ماذا أراد في المسألتين؟ في مسألة تفاضل الإيمان، وفي مسألة الاستثناء في الإيمان، كما فهمنا. وفرق بين من قال هذا القول على مذهب أهل الأهواء. فلذلك بعض هؤلاء عذروا في هذا الباب». قال: «ثم إن السلف ولا إمة اشتد إنكارهم على هؤلاء وتبديعهم وتغليظ القول فيهم. ومن يقرأ كتاب «السنة» للخلال، و«السنة» لعبد الله بن أحمد، وغيرها من كتب السنة والاعتقاد، يجد الآثار الكثير المروية عن السلف ولا إمة في إنكارهم لهذه الأقوال». قال رحمه الله تعالى: «ولم أعلم أحدا منهم نطق بتكفيرهم، بل هم متفقون على أنهم لا يكفرون في ذلك. وقد نص أحمد وغير من الأئمة على عدم تكفير هؤلاء المرجئة -أي مرجئة الفقهاء-. فالناس في هذا الباب -كما مر معنا ويزاد تجلية ها هنا- ثلاث جهات: أي في مسألة معاصي أهل هذا الدين، وهو ما يسمى بمسألة الفاسق أو الفاسق الملي». قال: «فالوعيدية -كما تقدم معنا- يقولون: ليس بمؤمن. ثم اختلف الخوارج والمرجئة، فمنهم من يقول: كافر -كالخوارج-. ومنهم يقول: منزل بين منزلتين -وهم من المعتزلة- مع اتفاقهم أنه مخلد في النار، واتفاقهم نزع مسمى الإيمان من هذا الإنسان. واختلفوا في شيئين: في إطلاق لفظ الكفر، وفي استحلال دمه وماله وعرضه في الدنيا». قال: «والجهة الأخرى: المرجئة، قالوا: مؤمن، هذا الفاسق مؤمن، وليس بناقص الإيمان. حتى نقصان الإيمان نفوه. ثم بعد ذلك منهم من قال: كامل الإيمان مع المعصية. ومنهم من قال: كامل الإيمان حتى مع الكفر، وهذا قول الجهمية، كما سيأتي. ومنهم من قال: كامل الإيمان، وإن كانت المعاصي تضره، وهذا قول من مرجئة الفقهاء: كامل الإيمان، وإن كانت المعصية تضره. وهذا قول مرجئة الفقهاء». قال: «إذن هم ثلاث مذاهب مشهورة، وهناك مذاهب أخرى كما سيأتي معنا تدخل تحت هذه المعاني الثلاثة. أما قول أهل السنة -وهي الجهة الثالثة في هذا المعنى وهذه المسألة- فهم يقولون: مؤمن ناقص الإيمان. وبعضهم يقول: مسلم ليس بمؤمن. يقولون: مسلم ليس بمؤمن. وبعضهم يقول: ليس بمؤمن في وقت المعصية. هذه ثلاث أقوال مشهورة، وكلها من الخلاف: المعنوي أو اللفظي؟ لفظي. من الخلاف اللفظي. وكلها من أقوال أهل السنة والجماعة». قال رحمه الله تعالى: «إذن الإمام أحمد لا يكفر هذه الطائفة من المرجئة، لكن سيأتي معنا أن بعض الطوائف المرجئة يكفرهم رحمه الله. قال: ومن نقل عن أحمد أو غيره من الأئمة تكفيرا لهؤلاء أو جعل هؤلاء من أهل البدع المتنازع في تكفيرهم، فقد غلط غلطا عظيما. إذن هم متفقون أن هذا القول من قول أهل البدع -أي قول مرجئة الفقهاء- ولكن هم مختلفون في الحكم على أعيانهم بالبدعة». قال: «فنفرق بين هذا. وأما تكفير هؤلاء، فلم يختلف القول عن إمة السنة أنهم لا يكفرون. انتبهوا لهذه الأمور الثلاثة: هم من أهل البدع بالإجمال، وبالتفصيل يختلف في أفرادهم. وربما حصل الخلاف في بعض هؤلاء، مثل أبي حنيفة رحمه الله -أحد إمة الأربعة- نقل عنه قول مرجئة الفقهاء، واختلف إمة السنة في الحكم عليه». قال: «فمنهم من حكم عليه بالبدعة، ومنهم من قال: قال بالبدعة ثم رجع. ومنهم من لم يحكم عليه بالبدعة فعذره. ومنهم من ظن أنه لم يقل هذه البدعة، وأن ذلك من المكذوب عليه. هذه أربعة أقوال مشهورة في أبي حنيفة رحمه الله في مسألة إرجاء الفقهاء. فمثل هذا وقع الخلاف فيه. أما تكفير مرجئة الفقهاء على وجه الإجمال أو التفصيل، فهذا لم يقله أحد من أئمة أهل الحديث والسنة». قال رحمه الله: «والمحفوظ عن أحمد وأمثاله من الإئمة إنما هو تكفير الجهمية المشبهة وأمثال هؤلاء -يعني من غلاة المرجئة الذين يقولون: كامل الإيمان حتى مع الكفر- حتى مع الكفر. قال رحمه الله: ولم يكفر أحمد الخوارج ولا القدرية. وهناك رواية عن أحمد في تكفير الخوارج وبعض القدرية، كما سيأتي إن شاء الله. فيكون ذلك على وجه التفصيل، جمعا بين الروايات المروية عن بعض الخوارج: يصلون إلى الكفر. وهكذا القدرية: ممن أنكر العلم، وبعضهم ليس كذلك». قال: «قال: وأنكروا خلق الأفعال وعموم المشيئة. لكن حكي عنه في تكفيرهم روايتان: أي الخوارج والقدرية. وبعض أهل العلم رجح هذه، وبعضهم رجح هذه، وبعضهم فصل. وهو الذي يشير إليه شيخ الإسلام في مواضع من كتبه، وهو العدل والظن بهذا الإمام رحمه الله: التفصيل، أن بعض الخوارج والقدرية بدعتهم تصل إلى الكفر، وبعضهم لا تصل إلى الكفر». قال رحمه الله: «وأما المرجئة، فلا يختلف قوله في عدم تكفيرهم، هذا هو الأصل. إلا من استثنى قبل قليل ممن غلاء في الإرجاء، كالجهمية ونحوهم. قال: مع أن أحمد لم يكفر أعيان الجهمية. وهذه مسألة أخرى، وهي: يكثر استطرادها، يكثر استطرادها، وهي أن القول بأن هذا المذهب بدعة وكفر، شيء. والقول بأن القائل به كافر ومبتدع، شيء آخر. انتبهوا لهذا». قال: «القول بين أن هذا المذهب كفر أو بدعة يختلف، ولا يستلزم أن يكون كل قائل به فهو كافر وماذا؟ ومبتدع. قال رحمه الله تعالى: مع أن أحمد رحمه الله لم يكفر أعيان الجهمية، ولا كل من قال: إنه جهمي كفره، ولا كل من وافقه الجهمية في بعض بدعهم. بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم، كما ثبت في محنة القرآن رحمه الله». قال: «وقد ذكر ابنه عبد الله آثارا كثيرا عنه في هذا الباب، من الصلاة خلف المأمون وغيره ممن قال ببدعة القرآن وامتحن الناس على ذلك. فقد فرق رحمه الله بين القائل بذلك عن علم، ومن قال ذلك عن جهل واتباع. فكان لا يجيز الصلاة خلف رؤوس الجهمية، ولا يصلي خلفهم. بخلاف بعض أتباع هؤلاء الرؤوس، فإنه كان يصلي خلفهم، على ما أشار إليه رحمه الله هنا». قال رحمه الله: «وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة، كما هو معلوم ومشهور في محنة القرآن التي ابتلي بها لأئمة، ومنهم الإمام أحمد رحمه الله. قال: لم يكفرهم أحمد أمثاله، مع أن بعضهم كفر. ولكن الصواب هو ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله وجمهور لأئمة أمثاله وأتباع السلف في هذا الباب، على القاعدة التي سبقت». قال: «بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم، ويدعو لهم، ويرى الإئتمام بهم في الصلوات خلفهم، والغزو معهم، والمنع من الخروج عليهم، ما يراه لأمثالهم من الأئمة. وقد صح أن جماعة جاءوا إليه يستأذنونه في الخروج على هؤلاء، فحذرهم من الفتنة. فقالوا: وأي فتنة أعظم مما نحن فيه؟ فقال: هذه فتنة الخاصة، ولكن إذا رفع السيف، فهذه فتنة العامة». قال رحمه الله تعالى: «والمنع من الخروج عليهم ما يراه لأمثالهم من الأئمة، وينكر ما أحدث من القول الباطل الذي هو كفر عظيم -قولهم كفر عظيم- لكنهم ليسوا بكفار. تأمل هذا، وهذا شيء مهم. يغلط فيه الكثير ممن ليس عنده معرفة بالعلم، خصوصا ممن فيه لوثة من مذهب الخوارج». قال رحمه الله: «وإن لم يعلموا هم أنه كفر. وهذا هو السبب الذي يُعذرون به: أن بعض قائل الكفر قد لا يعلم أنه كفر. وبعض من يقول بالبدعة قد لا يعلم أنه يقول ماذا؟ بالبدعة. تأمل هذا التفصيل من هذا الإمام، وقارنه بحال الكثير من الناس اليوم الذين يرمون العلماء وألئمة بالبدعة فضلا. فتعرف ضلال أمثال هؤلاء: كيف حصل عندهم الانحراف في الاعتقاد وفي المنهج العلمي، وهم يزعمون أنهم يسيرون بسير السلف ولا إمة». قال رحمه الله: «وكان ينكره ويجاهدهم على رده بحسب الإمكان، فيجمع بين طاعة الله ورسوله في إظهار السنة والدين، وإنكار بدعة الجهمية الملحدين، وبين رعاية حقوق المؤمنين من الأمة. والأمة وإن كانوا جهالا مبتدعين وظلمة فاسقين. ومن تأمل حال الإمام أحمد رحمه الله في محنة القرآن، علم ذلك، وتجل له ما يشير إليه رحمه الله في هذا. ومن أحسن ما يقرأ من آثار مروية وتفاصيل مذكورة: ما ذكره الخلال في «السنة»، وعبد الله بن أحمد في «السنة»، في تفاصيل محنة الإمام أحمد رحمه الله، وما روي عنه في هذا الباب: عن كل الطائفتين: ممن حكم عليهم بالكفر، وممن لم يحكم عليهم بالكفر، وألزم بالطاعة والصلاة خلفهم، وإقامة سائر شرائع الدين. إلى هنا والله تعالى أعلم.