الدرس في الإيمان الأوسط 13، الدرس الثالث عشر:(وهؤلاء المعرفون مثل حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة...من امتنع من أئمة الفقهاء أن يقول بنقصه كأنه ظن إذا قال ذلك يلزم ذهابه كله بخلاف إذا ما زاد) ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش تعريف الإيمان عند المرجئة والجهمية وردود شيخ الإسلام ابن تيمية على آرائهم. يُظهر المقطع كيف أن المرجئة والجهمية اختلفوا في تعريف الإيمان.
يتناول اختلاف الفرق الإسلامية في تعريف الإيمان وتجزئته، حيث يرى البعض أنه تصديق القلب فقط بينما يرى آخرون أنه قول وعمل. يُظهر أيضًا آراء أهل الحديث والسنة في ذلك.
يتناول تناقض الطوائف الإسلامية في فهم الإيمان وكيف أن كلام السلف يرد على الطرفين. يُظهر ضعف القياس المستخدم من قبل بعض الطوائف في فهم الإيمان.
يختتم الحديث عن التفصيل السابق ويؤكد على صحته. يُظهر انتهاء الوقت وانتهاء النقاش حول الموضوع المحدد.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال رحمه الله: هؤلاء المعروفون مثل حماد بن أبي سليمان، وبحنيف، وغيرهما من فقهاء الكوفة، كانوا يجعلون قول اللسان واعتقاد القلب من الإيمان، يعني لا يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان. ولهذا اجتمع معنى الإرجاء في شيئين اثنين: المرجع، كما مر معنا أقسام كثيرة، وسيأتي تفاصيل أكثر في فصل خاص بذكر مذاهبهم، لكن يجتمع معنى الإرجاء لهم جميعا في شيئين اثنين من الإرجاء، وهو التأخير: تأخير الأعمال عن مسمى الإيمان، ومأخوذ كذلك من إعطاء الرجاء، أي في حق الفاسق، تغليب باب الرجاء في حق الفاسق، أصله ثابت، لكن هذا التوسعة على خلاف أدلة الكتاب والسنة، سواء التوسعة في الأسماء حتى أطلقوا اسم المؤمن في كل من وقع منه معصية، وغير ذلك مما سبق، وسيأتي إن شاء الله. فلهذين المعنيين كان أهل هذا المذهب مرجئة. قال رحمه الله: وهو قول أبي محمد بن كلاب، أمثاله لم يختلف قولهم في ذلك، ولا نقل عنهم أنهم قالوا: الإيمان مجرد تصديق القلب، لأن هذا صار بعد ذلك قول المتأخرين، فهي بدع نكراء، ويخطئ من ينسب هذا إلى قول مرجئة الفقهاء. قال: لكن هذا القول حكوه عن الجهم بن الصفوان، يعني أن الإيمان مجرد التصديق. قال: ذكروا أنه قال: الإيمان مجرد معرفة القلب، يعني تصديقه كما تقدم. قال: وإن لم يقر بلسانه، يعني حتى إذا لم يظهر بلسانه ذلك، فلذلك إبليس عندهم مؤمن، إبليس عند الجهمية مؤمن، قالوا: لأنه بقلبه عارف بذلك، وفرعون عندهم مؤمن؛ لأن قلبه مقر ومصدق بذلك. قال: واشتد نكيرهم لذلك حتى أطلق وكيع بن الجراح، وأحمد بن حنبل، وغيرهما -رحمهم الله- كفر من قال ذلك، يعني من الجهمية ومن وافقهم. قال: فإنه من أقوال الجهمية، يعني حصر الإيمان في التصديق ومعرفة القلب. قال رحمه الله: وقالوا: إن فرعون وإبليس، وأبا طالب، واليهود، وأمثالهم، عرفوا بقلوبهم، وجحدوا بألسنتهم، فقد كانوا مؤمنين، يعني باعتبار ما في قلوبهم. قال: وذكروا قول الله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، وهذا باطل، أي الاستدلال به، الآية حق، لكن أن تدل على هذا المدلول الذي أرادوه باطل، فالآية لا تدل على ذلك. قال: وقوله: «لأن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان». قال: وقوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ يعني في حق اليهود، وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، أي كذلك هذا فيه دليل أن القلب كان مقرًا، ولكن هل يعني ذلك أنهم مؤمنين؟ الجواب: لا؛ لأن الإيمان بما دلت عليه أدلة الشرع من الكتاب والسنة. قال: وقالوا: إبليس لم يكذب خبرًا، ولم يجحد، فإن الله أمره بلا رسول، ولكن عصى واستكبر، وكان كافرًا من غير تكذيب في الباطن. وهذا كله من هوس أهل البدع والأهواء، ومن تلبيس الشيطان لهم، وإلا فمن تأمل تأملًا فيه شيء من الإنصاف والاتباع لدليل الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة، علم أن هذا من أبطل الباطل. قال: وتحقيق هذا مبسوط في غير هذا الموضع، يعني ليس هذا المقام مقام الرد على هذه الشبهة، فقد أجاب عن هذا في مواضع أخرى من كتبه، أشار إلى ذلك في الإيمان الكبير، وفي مواضع من كتبه، كـ«مجموع الفتاوى»، المجلد السابع، في ثنايا ذلك من مجلد، تجدون شيئًا كثيرًا في الرد على هذه الشبهة، وهذا القول الباطل، وأدلة الكتاب والسنة، ومن قول، ومعقول الأدلة يبطل هذا المعنى أشد البطلان، بل من عنده مسكة عقل، ولو يسيرة، يعرف بطلان هذا القول. قال: وحدث بعد هؤلاء قول الكرامية: إن الإيمان قول اللسان دون تصديق القلب، مع قولهم أن مثل هذا يعذب في الآخرة، ويخلد في النار، فصار على هذا المعنى المنافق مؤمن. وهذا من أبطل الباطل؛ لأنهم قالوا: من أظهر باللسان الإيمان فهو مؤمن، ولو كان باطنه ليس فيه إيمان. وهذا باطل آخر، وإن كانوا يقولون: المطلوب إيمان الظاهر والباطن، فعندهم المنافق مؤمن، لكنه مخلد في النار. وبطلان هذا معلوم كذلك بالضرورة من أدلة النقل والعقل. قال الله عز وجل في كتاب الكريم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾، فنفى عنهم الإيمان، فكيف يزعمون أنهم يصح أن يقال فيهم مؤمنين؟ قال رحمه الله تعالى: فقال أبو عبد الله الصالح: إن الإيمان مجرد تصديق القلب ومعرفته، لكن له لوازم، فإذا ذهبت دل ذلك على عدم تصديق القلب، وأن كل قول أو عمل ظاهر دل الشرع على أنه كفر، كان ذلك لأنه دليل على عدم تصديق القلب ومعرفته، وليس الكفر إلا تلك الخصلة الواحدة، وليس الإيمان إلا مجرد التصديق الذي في القلب والمعرفة. وهذا أشهر قولي أبي الحسن الأشعري، وعليه أصحابه، كالقاضي أبي بكر -يعني الباقلاني-، وأبي المعالي -يعني الجويني-، وأمثالهما. ولهذا عدهم أهل المقالات من المرجئة، يعني بهذا القول. والأشعري والقاضي الباقلاني توقفا في نصوص الوعيد خاصة، وسيأتي إن شاء الله الإشارة إلى هذا، وهذا التوقف، وقد سبقت إشارة خفيفة في أوائل هذا الكتاب، هو معنى من معاني الإرجاء، معنى من معاني الإرجاء، فلا يجوز التوقف في نصوص الوعيد. قال رحمه الله تعالى: والقول الآخر عنه كقول السلف أهل الحديث: أن الإيمان قول وعمل، وهو اختيار طائفة من أصحابه. ومع هذا فهو، وجمهرة أصحابه على قول أهل الحديث في الاستثناء في الإيمان، يعني لا يوافق المرجئة في كل مسائلهم؛ لأن قول المرجئة كذلك عدم الاستثناء ماذا في الإيمان؟ قال: والإيمان المطلق عنده ما يحصل به الموافاة، والاستثناء عنده يعود إلى ذلك لا إلى الكمال والنقصان والحال. ومعنى أن الإيمان المطلق عند هؤلاء، ومن ذهب مذهبهم، يحصل بما يكون عليه من حاله، فإذا كان كذلك فالاستثناء يقول: يعود إلى ذلك لا إلى الكمال والنقصان، فعلى هذا صار قولهم في الاستثناء في الحقيقة قول ناقص. قال: وقد منع أن يطلق القول بأن الإيمان مخلوق أو غير مخلوق، وصنف في ذلك مصنفًا معروفًا عند أهل السنة في كتاب المقالات، وقال: إنه يقول بقولهم. وقد ذهب طائفة من متأخر أصحاب أبي حنيفة، كأبي منصور الماتريدي، وأمثاله، إلى نظير هذا القول في الأصل، وقال: إن الإيمان هو ما في القلب، وأن القول الظاهر شرط لثبوت أحكام الدنيا، لكن هؤلاء يقولون بالاستثناء ونحو ذلك، كما عرف من أصلهم، يعني في باب الإرجاء. وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان، من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم: أنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا، إذا زال بعضه زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه. وقد تقدم معنا أن الإيمان يتبعض ويتجزأ، فيزيد بزيادة خصاله وشعبه، وينقص بنقصان خصاله وشعبه، كما أن بعض أعمال الإيمان تبطل هذا الإيمان وتزيله، يعني إذا ذهبت، كما تقدم. قال رحمه الله: ومر معنا: لا يلتبس هذا القول بقول آخر قد يظن الظان أنه هو قول هؤلاء، ممن نقل عنه أن الإيمان والإسلام شيء واحد، من أهل الحديث والسنة. وهذا النقل قد سبقت الإشارة أن بعضهم وُجوه بتوجيهات، وعلى كل حال ليس مرادهم مراد هؤلاء من الوعيدية والمرجئة. قال رحمه الله: وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه، فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان»، فأثبت حبة من إيمان. ومعنى أن الإيمان يتبعض حتى يكون أجزاء منه كثير، ومنه قليل. قال: ثم قالت الخوارج والمعتزلة: الطاعات كلها من الإيمان، فإذا ذهب بعضها ذهب بعض الإيمان، فذهب سائره على قاعدتهم: أنه شيء واحد، فحكموا بأن صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان. وقالت المرجئة: ليس الإيمان إلا شيئًا واحدًا لا يتبعض، إما مجرد تصديق القلب كقول الجهمية، أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة. قالوا: لأن إذا أدخلنا فيه الأعمال صارت جزءًا منه، فإذا ذهبت ذهب بعضه. فهم يريدون أن يردوا بدعة الوعيدية، فوقعوا في بدعة أخرى، أرادوا أن يردوا بدعة الوعيدية في عدم زوال الإيمان عن المؤمن العاصي، فوقعوا في بدعة أخرى، وهي بدعة الإرجاء. قال رحمه الله: فإذا ذهبت ذهب بعضه، فيلزم إخراج الكبيرة من الإيمان، وهو قول المعتزلة والخوارج. ففروا من قول المعتزلة والخوارج، ووقعوا في بدعة أخرى، وهي الإرجاء. قال: لكن قد يكون له لوازم ودلائل، فيستدل بعدمه على عدمه، أي: قد يكون بعض الناس منافقًا مثلًا، فهذا؛ لأن في قلبه شيء، لا لأنه ترك العمل. واضح؛ لأن في قلبه شيء، لا لأنه ترك العمل؛ لأن عندهم أنه قد يوجد من يعمل العمل وهو منافق، فكذلك عندهم قد يترك العمل وهو مؤمن. وهذه قاعدة ليست بصحيحة؛ لأن الأعمال التي في الجوارح لا يستلزم الحكم عليها ما في القلب. فمن الأعمال التي في الجوارح ما تكون سببًا لنقصان الإيمان، بل ولزواله، بغض النظر عما في القلب. واضح؛ بغض النظر عما في القلب. فمن سب الله ورسوله، أو سجد لغير الله، هل يشترط لأجل أن نسمي هذا كفرًا، وفاعله كافرًا، أن نعلم أن قلبه راض بهذا وغير راض؟ الجواب: لا، لا يشترط. قال رحمه الله: وكان كل من الطائفتين بعد السلف والجماعة وأهل الحديث متناقضين، حيث قالوا: الإيمان قول وعمل، وقالوا مع ذلك: لا يزول بزوال بعض الأعمال. حتى إن ابن الخطيب وأمثاله جعلوا الشافعي متناقضًا في ذلك. وحاجة الشافعية يكون متناقضًا في هذا الباب، لكنهم لم يفهموا كلام الإمام الشافعي رحمه الله؛ لأنهم أرادوا شيئًا باطلًا. أرادوا أن يردوا مذهب الوعيدية ببدعة تقابلها، فظنوا أن كلام السلف فيه تناقض؛ لأن كلام السلف يرد على الوعيدية، ويرد على المرجئة، فجعلوا ما يرد على الوعيدية صوابًا، وما يرد على المرجئة تناقضًا لذاك الصواب. وهذا ليس بصحيح. قال رحمه الله: حتى أن ابن الخطيب أمثاله جعل الشافعي متناقضًا في ذلك، فإن الشافعي كان من أئمة السنة، وله في الرد على المرجئة كلام مشهور، وقد ذكر في كتاب الطهارة من «الأم» إذا أرادوا شيئًا باطلًا، واستشكل قول الشافعي، ورآه متناقضًا. قال: وجماع شبهتهم بذلك: أن الحقيقة المركبة تزول ببعض أجزائها، كالعشرة؛ فإنه إذا زال بعضها لم تبق عشرة. يعني: إذا أنقصنا من العشرة واحد، هل يصح أن نسمي العشرة عشرة؟ سنسميها تسعة. فزعموا أن الإيمان كذلك، إذا نزعت منه واحدًا لم يسم إيمًا. وهذا اللازم باطل. أولًا: لأن القياس في هذا من أضعف أنواع القياس، وهو ما يسمى عند الأصوليين بقياس الشبه، قياس الشبه، وهو قياس إبليس. فكيف إذا كان الشبه بعيدًا؟ شابه بين معقول ومحسوس، بين شيء حسي وشيء معنوي. ولا يستلزم أن يكون الحسي مثل المعنوي. قال رحمه الله: وكذلك الأجسام المركبة، كالسنك جبين -هذا شراب كان يشربه بعض العرب، دخل عليهم من قبل بعض أهل فارس، فهو شراب مزيج بين شيء حلو وآخر حامض، قالوا: هو من العسل والخل يخلط فيشرب، أصله في الفارسية يسمى «فَرَكَ انْكُبَيْن»- وهو من أجود ما يستعان به لمن به شيء من الهبوط؛ لأنه يستطيع بحموضته أن يستكثر من شربه، وبحلاوته أن يدفع من هبوطه. قالوا: أجوده ما يسمى بالأرض. المهم هو شراب يتكون من حلو وحامض. قال: إذا زال أحد جزئيه خرج عن كونه سنك جبين. قالوا: فإذا كان الإيمان مركبًا من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة، لزم زواله بزوال بعضها. وهذا قول الخوارج والمعتزلة. قالوا: ولأنه يلزم أن يكون الرجل مؤمنًا بما فيه من الإيمان، كانفرًا بما فيه من الكفر، فيقوم به كفر وإيمان. فسموا المعاصي كفرًا. والشرع لم يسمها كفرًا، وإن كان بعضها سمي كفرًا، لكنه كفر دون كفر، كما سيأتي. قال: وادعوا أن هذا خلاف الإجماع. ولهذه الشبه -والله أعلم- امتنع كثير من الفقهاء أن يقول بنقصه، كأنه ظن إذا قال ذلك يلزم ذهابه كله، بخلاف ما إذا زاد. يعني من مرجئة الفقهاء، أو كذلك ممن عبر بتعبير لا يريد قول مرجئة الفقهاء، كما تقدم، فيكون بعضهم خلافهم لفظي، وبعضهم خلافهم معنوي. والصواب في هذا التفصيل الذي سبق. طيب، نقف لهنا لانتهاء الوقت، والله تعالى أعلم.