شرح أصول في التفسير للعثيمين 58

شرح أصول في التفسير للعثيمين 58

الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 58، الدرس الثامن والخمسون:من( الالتفات ... والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ) ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الالتفات وأهميته في القرآن الكريم

يتناول هذا الفصل مفهوم الالتفات في اللغة العربية وتحليله في سياق القرآن الكريم، مع التركيز على تحويل أسلوب الكلام من الغيبة إلى الخطاب وتوضيح فوائده البلاغية.

أنواع الالتفات وفوائده في القرآن الكريم

يناقش هذا الفصل أنواع الالتفات الثلاثة في القرآن الكريم: من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم، مع توضيح الفوائد العامة والخاصة لكل نوع.

تطبيقات الالتفات في الآيات القرآنية وتأكيد شمولية البحث

يتناول هذا الفصل أمثلة من الآيات القرآنية التي توضح مفهوم الالتفات وفوائده، مع الإشارة إلى شمولية البحث في علم البلاغة ووجود مباحث أخرى في كتب أخرى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى: قال: «الالتفات»، قال: «والالتفات تحويل أسلوب الكلام من وجه إلى آخر، وله صور، منها الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فحول الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ﴿إِيَّاكَ﴾». ختم المؤلف رحمه الله تعالى هذا الكتاب بهذا المبحث من المباحث اللغوية والقواعد والأصول التي يحتاجها الناظر في أصول التفسير. وأشار رحمه الله في شرحه أن الختم بهذا المبحث من براعة الاختتام؛ يعني كأنه وافق اللفظ والمعنى المقصود. أما المعنى فهو المذكور من مبحث الالتفات في هذا الموضع، وأما اللفظ فلأن ذكر لفظ الالتفات يشير ويلمح إلى انتهاء الكتاب؛ يعني كأن هذا من آخر مباحث الكتاب، وبه ينتقل إلى كتاب آخر، هكذا قال رحمه الله تعالى في شرحه. وقوله: «الالتفات تحويل أسلوب الكلام من وجه إلى آخر» ظاهر، وهو كذلك مما يفهم من لفظه. فإن الالتفات أصله تغير وجهة الوجه؛ أن يلتفت يمنة أو يسرة، فهذا التفات، وهو كذلك في هذا الموضع، وهو من المباحث البلاغية. وفائدته -كما سيأتي- أنه يدل الناظر والسامع إلى معاني لا تحصل إذا لم يوجد هذا الأسلوب في الكلام أو في الكتابة. فهو إذا تحويل أسلوب الكلام من وجه إلى آخر، وهذا التحويل له صور وكيفيات. أشار الشيخ رحمه الله إلى أربع صور وكيفيات، وإلا فله صور وكيفيات أخرى. الصورة الأولى من صور الالتفات: قال: «الالتفات من الغيبة إلى الخطاب»؛ يعني أن يكون سياق الكلام أو الكتابة للغائب، ثم يتحول للمخاطب؛ يتحول السياق من الغائب إلى المخاطب. هذا الالتفات له معاني بلاغية عامة وخاصة. فمن العامة ما ذكر في فوائد الالتفات وسيأتي، ومن الخاصة ما يتعلق بكل جملة بعينها بحسب ما تقتضيه معنى تلك الجملة. فمثلا قال: كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِينِ﴾ هذا كله غيبة، وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هذا خطاب، فتحول الآن الكلام من معنى الغيبة -أي الغائب- إلى معنى الخطاب -أي الحاضر المخاطب-. قال: «فحول الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ﴿إِيَّاكَ﴾». ما فائدة هذا؟ له فوائد عامة، وهو ما سيأتي ذكره من فوائد الالتفات على وجه العموم، وله فوائد خاصة. من الفوائد الخاصة أولا: إفادة الحصر المستفاد من تقديم المعمول بإسلوب الخطاب. وهكذا كذلك من الفوائد الخاصة: تنبيه هذا المتكلم -أو كذلك المتلفظ بهذه الجملة- إلى ما يجب أن يستحضره من قيامه بالعبودية لربه سبحانه وتعالى، كأنه يراه. وهذا أعلى مراتب العبادة؛ أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهو الإحسان. ضمير الغيبة يختلف عن ضمير الخطاب. ضمير الخطاب يستشعر صاحبه فيه ماذا؟ الحضور، وهذا يستلزم إتقان العبادة وإحسانها. وهذا معنى مستفاد من ضمير الخطاب. أنت إذا قلت في خطابك: «إياه نعبد» -ليس مثل- «إياك نعبد»، فإن «إياك نعبد» فيه ما لا يخفى مما يستلزم تحقيق العبودية من هذا المتكلم للمخاطب، وهذا أمر مطلوب. الثاني: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾، فحول الكلام من الخطاب إلى الغيبة في قوله: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾. وهذا هو أمر آخر، وصورة أخرى من صور الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، عكس الأول؛ الأول من الغيبة إلى الخطاب، وهذا من الخطاب إلى الغيبة. وفي هذا كذلك فوائد عامة وخاصة. من الفوائد العامة: فوائد الالتفات عموما، وهو ما سيأتي ذكره من الفوائد الثلاثة التي ذكرها: تنبيه السامع والمخاطب أو القارئ، وكذلك التفكر في المعنى والسبب الذي لأجله حصل هذا الالتفات، وهكذا كذلك دفع السآمة والملل. وهناك شيء خاص يتعلق بعين الجملة، وهو ما ذكر وقصد في هذا المثال. فأول الآية: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، هذا يشمل المسلم والكافر، ولهذا لما كان هذا فيه معنى العبودية والامتنان والإنعام ذكر بصيغة الخطاب. ولما انتقل الكلام من معنى الامتنان إلى معنى التحذير والتخويف من كفران هذه النعمة بالشرك الذي وقع فيه المشركون، انتقل الخطاب من أسلوب الخطاب إلى أسلوب الغيبة؛ لماذا؟ للتفريق بين سياق وصيغة الامتنان والإنعام، وكذلك سياق التحذير والتخويف الذي قد يقع فيه بعض المشركين والكافرين. ولهذا فإن الجزء الآخر من الآية: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾؛ معناه أنهم في الرخاء ما دعوا الله مخلصين له الدين، ولهذا قالوا: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. فماذا كان لما نجاهم؟ عادوا إلى شركهم الذي هم عليه. الثالث: الالتفات من الغيبة إلى التكلم، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾. قوله في أول الآية: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ هذا غيبة -يعني للغائب-، وقوله: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ هذا ضمير تكلم، وهو كذلك بصيغة الجمع. قال: «فحول الكلام من الغيبة إلى التكلم في قوله: ﴿وَبَعَثْنَا﴾». والفائدة من ذلك أولا: الفوائد الثلاثة التي سيأتي ذكرها من فوائد الالتفات، ثم فوائد خاصة تتعلق بعين الآية أو الجملة بحسب المثال الذي يمثل به. وهنا في هذه الآية المراد هو التنبيه إلى معنى التعظيم لله عز وجل، والتنبيه إلى معنى الاختصاص والاعتناء بالرسل والنقباء الذين بعثهم الله عز وجل. الرابع: الالتفات من التكلم إلى الغيبة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾؛ يعني كان مقتضى السياق الواحد أن يقول: «فصل لنا»؛ لأنه قال في الأول: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾. كان مقتضى السياق إذا كان السياق سياق التكلم من أوله إلى آخره أن يقول: «صلي لنا»، لكن قال: «صلي لربك». وفي هذا أولا: الفوائد الثلاث من فوائد الالتفات العامة، وثانيا: فوائد خاصة تتعلق بعين هذه الآية. وقريب منه -أي الالتفات من معنى التكلم إلى الغيبة- قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام فيما أخبر الله عنه: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾؛ حصل التفات. أولا: فيه معنى -يعني معنى غير المعنى الأول- ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾؛ قول: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي﴾ غيبة، ﴿فَطَرَنِي﴾ تكلم عن نفسه، كذلك في هذا التكلم، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هذا جمع وغيبة؛ جمع وغيبة. قالوا: إنه غير أصيغة في الثاني عن الأول؛ تلطفا في النصح منه لهم، وأنه واحد منهم في هذا النصح؛ يعني كلنا نرجع إلى الله سبحانه وتعالى، فإذا كلنا ينبغي أن نعبده جل وعلا وحده لا نشرك به غيره. قال رحمه الله تعالى: «وللالتفات فوائد؛ منها: حمل المخاطب على الانتباه لتغير وجه الأسلوب عليه»؛ يعني أن المخاطب إذا ذكرت له الجملة أولا بضمير غيبة، ثم صار خطاب، أو ضمير خطاب ثم صار غيبة، أو تكلم ثم غيبة، أو غيبة ثم تكلم؛ هذا التغير في السياق لمن يدقق وينتبه لذلك يعطيه شيئا من الانتباه. لماذا هذا التغير؟ ثانيا: حمله على التفكير في المعنى؛ لأن تغير وجه الأسلوب يؤدي إلى التفكير في السبب. أولا: يعطيه تنبيه، ثانيا: يجعله يبحث عن المعنى المقصود من هذا الالتفات؛ لماذا حصل هذا التغير؟ يبدأ يتأمل ويدقق في الكلام. ثالثا: دفع السآمة والملل عنه؛ لأن بقاء أسلوب على وجه واحد يؤدي إلى الملل غالبا، هذا إذا طال الكلام. والمقصود هو المعاني البلاغية المقصودة من هذا الالتفات، وهذه بحسب كل جملة وقع فيها الالتفات -كما سبق- يختلف من مقام إلى آخر، وهذا بماذا؟ بالتدقيق في التأمل. إذا تأمل الإنسان بدقة فإنه يجد معاني في هذا الالتفات. قال: «وهذه الفوائد عامة للالتفات في جميع صوره، أما الفوائد الخاصة فتتعين في كل صورة حسب ما يقتضيه المقام»؛ كما سبق التمثيل عليه فيما سمعتم. ثم قال رحمه الله: «والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين. تم ولله الحمد رب العالمين». وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الكتاب، ومن هذه المباحث على وجه الخصوص اللغوية المتعلقة بما يحتاجه المفسر. وليس هذا حصر، ولكن هذا ذكر للأهم، وإلا فهناك مباحث أخرى ذكرت فيما هو أوسع من هذا الكتاب، أو على ما يتعلق بهذا العلم الذي هو علم البلاغة؛ فإنه ذكر بصيغة وأسلوب أوسع، مثل بعض أساليب العطف والإفراد والجمع والإيهام أو التورية ونحو ذلك من مباحث تذكر في كتب أوسع، وفي كتب البلاغة. وبهذا ننتهي والحمد لله رب العالمين.