الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 27، الدرس السابع والعشرون : من : (رابعاً كلام التابعين الذين اعتنوا بأخذ ... بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعاً). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُبرز الشيخ أهمية كلام التابعين في تفسير القرآن لكونهم تلقوا التفسير عن الصحابة وكانوا بعيدين عن الأهواء والبدع. كما يشير إلى أن إجماعهم على تفسير آية يعتبر حجة قوية.
يناقش الشيخ مسألة حجية تفسير التابعين والصحابة، ويُفصل القول بأن إجماعهم حجة بينما اختلافهم ليس كذلك، ويُرجع الاختلاف إلى أصول مثل لغة القرآن والسنة وأقوال الصحابة ولغة العرب. كما يشير إلى أن قول الصحابة حجة إذا توفرت شروط معينة.
يُبين أهمية اتباع أقوال العلماء في فهم الدليل والمدلول، ويوضح أن مخالفتهم تعتبر خطأ في كلا الجانبين. يشير إلى كلام شيخ الإسلام في أصول التفسير كمثال على ذلك.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله تعالى: قال كلام التابعين الذين اعتنوا بأخذ التفسير عن الصحابة، رضي الله عنهم، لأن التابعين خير الناس بعد الصحابة، وأسلم من الأهواء ممن بعدهم، ولم تكن اللغة العربية تغيرت كثيرًا في عصرهم، فكانوا أقرب إلى الصواب في فهم القرآن ممن بعدهم. هذا هو المرجع الثالث الذي به يفسر القرآن، قد علمنا أن القرآن يفسر بالقرآن، وبكلام الرسول عليه الصلاة والسلام، وبكلام الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، ورابعًا بكلام التابعين، رحمهم الله تعالى. وذكر الشيخ، رحمه الله تعالى، أهمية الاعتناء بكلام التابعين في تفسير القرآن مرجحات، فمن هذه المرجحات أنهم أخذوا التفسير عن الصحابة، بل كما سيأتي معنا إن شاء الله أن بعضهم أخذ جميع التفسير عن الصحابة. وبعضهم غالب ما يفسر به عن الصحابة، كما سيأتي. والمرجح الثاني أنهم أسلم الناس بعد الصحابة من الأهواء والبدع. وهكذا المرجح الثالث أنهم أقرب لمعرفة اللغة العربية بعد الصحابة، فهذه المرجحات ترجح قبول قول التابعين. وسيأتي الخلاف في قول التابعين في التفسير، هل هو حجة أو ليس بحجة؟ قال رحمه الله تعالى: قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: إذا أجمعوا -أي التابعين- يريد التابعين إذا أجمعوا على الشيء، فلا يرتاب في كونه حجة. فإن اختلفوا، والمراد بالإجماع أي الاتفاق، أي إذا اتفق التابعون على تفسير آية، فإن ذلك يكون حجة، أي هذا التفسير. وهذا الاتفاق يكون على صور، إما اتفاق في اللفظ والمعنى، وإما اتفاق في المعنى. مثال الاتفاق في اللفظ والمعنى تفسير الزيادة بأنه النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى، فقد نقل عن التابعين بمثل ما نقل عن الصحابة. وقد يكون التفسير حصل فيه اتفاق عند التابعين بالمعنى لا باللفظ، وهذا الاتفاق الذي يكون بالمعنى قد يكون بتفسير الشيء ببعض معناه، مثل تفسير الصراط المستقيم بأنه العبودية، أو أنه القرآن، أو أنه طاعة الله، طاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، أو أنه الإسلام. هذه التفاسير من التفاسير ببعض المعنى، كلها ترجع إلى معنى واحد بالجملة، ترجع إلى معنى واحد بالجملة، فهذا مما اتفقوا عليه، ولا نقول أنه من الاختلاف، فهو ليس باختلاف. أو كذلك إذا حصل الاتفاق بالمعنى، ولو اختلف اللفظ، وكان اختلاف اللفظ من باب التمثيل، كتفسير قول الله عز وجل: ﴿وَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، كسر الظالم بأنه مانع الزكاة، أو أنه تارك الواجبات، أو فاعل المحرمات، أو تارك الصلاة، أو تارك صلاة العصر، هذه التفاسير كلها تفاسير بماذا؟ من باب التمثيل، فإذن المعنى واحد. قال رحمه الله تعالى: فلا يرتاب في كونه حجة، يعني إذا اتفقوا. فإن اختلفوا، فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض، ولا على من بعدهم. قد مر معنا في مقدمة التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، ما ذكره عن شعبة أن قول التابعين ليس بحجة، فكيف يكون في التفسير حجة؟ وهذا هو الصواب. فإذا كان كذلك، فإذن الصحيح التفصيل، قد اختلف أهل العلم في تفسير التابعين، هل هو حجة أو ليس بحجة؟ وحكي عن إمام أحمد، رحمه الله، في هذا روايتان، رواية بأنه حجة، ورواية بأنه ليس بحجة. ويكون الجمع في ذلك ما ذكره هنا شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، من أنهم إذا اتفقوا كان حجة، وإذا اختلفوا فهو ليس بحجة. وعلى هذا يحمل قول الإمام أحمد، رحمه الله: ثلاثة علوم ليس لها أصول، ذكر التفسير والملاحم والمغازي، ومعناه أن أكثر ما يروى في التفسير مما ليس له أصل، وقليل منه، خصوصًا ما يروى عن التابعين واتباع التابعين مما له أصل. قال: فإن اختلفوا، فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض، ولا على من بعدهم، لماذا؟ لأنه ليس عند الاختلاف قول التابعي بحجة. قال: ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك. إذا اختلفوا اختلافًا لا يمكن جمع بعضها مع بعض، فعند ذلك نرجع إلى القرآن، إن وجدنا شيء رجحنا هذا الاختلاف، فكان منه راجح وآخر مرجوح. أو نظرنا إلى السنة، فكان منه راجح وآخر مرجوح. أو نظرنا إلى لغة العرب، وقبل لغة العرب أقوال الصحابة، فعلمنا من الراجح من المرجوح. وأخيرًا لغة العرب، فعلمنا الراجح من المرجوح بمقتضى لغة العرب، لأن القرآن أنزل بلسان عربي مبين. قال رحمه الله: وقال أيضًا: من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالفه ذلك، انظر قرن أقوال الصحابة بأقوال التابعين، فصار هذا مثل الإجماع، إجماع السلف الصالح. قال: من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالفه ذلك، كان مخطئًا في ذلك، بل مبتدعًا. فليست المخالفة لأحد الصحابة، ولا كذلك لأحد التابعين، ولكن الصحابة والتابعين، أي ما اتفقوا عليه. وأما قول الصحابة الواحد، قد مر معنا أنه متى يكون حجة بشروط، ما هذه الشروط؟ ألا يكون للرأي فيه مجال، ألا يخالف الشرع، ألا يأتي في اللغة ما يدل على معنى بهذه الشروط الثلاثة يكون قول الصحابة حجة في التفسير. ويزداد قوة إذا كان في ذكر سبب النزول، فهو لا شك أنه من باب المرفوع، لا شك أنه من باب المرفوع. فإذا قوله: من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالفه ذلك، كان مخطئًا في ذلك، بل مبتدعًا، ليس مخطئًا فحسب، بل مبتدعًا إن تعمد ذلك، وقيمت عليه الحجة في ذلك. وأما إذا كان مجتهدًا مغفورًا له خطأه، هو قد يكون مجتهدًا اجتهد فخطأه مغفور، لكن هذا القول يكون بدعة، وهذا القول يكون خطأ. وفي هذا التنبيه إلى أن المخالف على حالين، إما أن يكون قد قيمت عليه الحجة في ذلك، فيكون مبتدعًا، وإما لم يكن فخالف وهو لم يدري، فقوله بدعة، ولو كان هو ليس بمبتدع، لأن الصحيح أنه ليس كل من وقع في البدعة فهو مبتدع، لا، ليس كل من وقع في البدعة فهو مبتدع. قال رحمه الله تعالى: ثم قال: فمن خالف قولهم وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم، فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعًا. وقد مر معنا الكلام على هذا في مقدمة أصول التفسير لشيخ الإسلام، رحمه الله، وأحوال الناس في مخالفة الدليل والمدلول. فالمراد بالدليل أي دليل الكتاب والسنة، والمراد بالمدلول أي المعنى المقتضب المأخوذ من دليل الكتاب والسنة. وقوله رحمه الله: فمن خالف قولهم مفسر القرآن بخلاف تفسيره، فقد أخطأ في الدليل والمدلول. أما مخالفة الدليل، لأن الدليل دل على لزوم الاعتداد بتفسير الصحابة واعتباره، كما قال سبحانه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، فكيف إذا أجمعوا واتفقوا، أي الصحابة والتابعون؟ وهو أشد. والله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾، في هذه الآية الصحابة والتابعون الذين قال عنهم النبي عليه الصلاة والسلام: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، ويتبع غير سبيل المؤمنين، نوله ما تولى ونصله جهنم. فإذا خالف الدليل وخالف المدلول، لماذا؟ لأن مقتضى فهمه له اعتبارات، من هذه الاعتبارات موافقة الكتاب، مقصود الكتاب والسنة. من هذه الاعتبارات معرفة المقصد بمعرفة سبب النزول، وحضور الوحي، وليس أحد أعرف بذلك بمثل الصحابة، ثم بعدهم بمثل التابعين، لأن التابعين أخذوه عن الصحابة. والمقتضى الثالث معرفة اللفظ دلالة اللفظ من جهة معناه في اللغة، وليس أحد أعرف بمقتضى اللغة لذلكم اللفظ المراد تفسيره بمثل الصحابة والتابعين، لأنهم أقرب الناس إلى اللغة، وأعرفهم بها، وأبعدهم عن اللحن والخطأ فيها. فلذلك كان خطأ من خالف قولهم خطأ في الدليل والمدلول جميعًا. وكما سبق مر أمثلته بشيء من التفصيل في كلام شيخ الإسلام في أصول التفسير، أو مقدمة في أصول التفسير. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.