الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 43، الدرس الثالث والأربعون : من :(وقد ذكر العلماء رحمهم الله أمثلة كثيرة لما يوهم التعارض ... فليرجع إلى كتاب الشيخ الشنقيطي المشار إليه آنفاً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يذكر الشيخ أمثلة على آيات قرآنية توهم التعارض مثل هداية القرآن للمتقين وللناس، ويوضح أن الجمع بينها ممكن بتفسير الهداية بأنواع مختلفة. الهداية المنفية عن النبي هي هداية التوفيق بينما هداية الدلالة والإرشاد مثبتة له.
يُجمع بين الآيات التي تثبت ونفي الألوهية بأن الإله الحق هو الله وحده، بينما الألوهية لغيره باطلة. يُوضح الفرق بين الأمر الشرعي والكوني في القرآن مستشهدًا بآيات قرآنية مختلفة.
يشرح المقطع الفرق بين الأمر الشرعي والأمر الكوني في القرآن، ويوضح أن الأمر الشرعي يتعلق بما يحبه الله ويرضاه. يُستدل على ذلك بآيات قرآنية مثل قوله تعالى: ﴿قل إن الله لا يأمر بالفحشاء﴾ و﴿أمرنا مترفيها ففسقوا فيها﴾.
المقطع يشير إلى أن الله أسقط عن المريض صلاة الجماعة، وبالتالي فإن صلاة العيد تسقط عنه كذلك كونها من باب أولى. هذا يعني أن المريض غير مطالب بأداء صلاة العيد.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة في كتابه "وصول في التفسير". قال: وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أمثلة كثيرة لما يوهم التعارض، وبيّن الجمع في ذلك. ومن أجمع ما رأيت في هذا الموضوع كتاب "دفع إيهام الإضطراب عن آي الكتاب" للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، رحمه الله تعالى. فقد جمع في هذا الكتاب أشياء كثيرة قد يوهم لبعض المتوهمين أن فيها تعارضًا، وليس كذلك، بل لها أوجه. وجمع أوجهه رحمه الله بما علمه من كلام أهل العلم، أو بما وجهه بما دلت عليه عموم الأدلة. قال رحمه الله: فمن أمثلة ذلك قوله تعالى في القرآن: ﴿هدى للمتقين﴾، وقوله: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس﴾، وجعل هداية القرآن في الآية الأولى خاصة بالمتقين، وفي الثانية عامة للناس. والجمع بينهما أن الهداية في الأولى هداية التوفيق والانتفاع، والهداية في الثانية هداية التبيين والإرشاد. وكل المعنيين موجودان في القرآن. فالقرآن يهدي بمعنى يبين ويرشد، وهذا لجميع الناس، حتى الكافر. حتى الكافر لو نظر في القرآن بإنصاف وعدل، فإنه سيجد فيه الرشاد، ويتبين له طريق الحق. وهذه هي هداية الدلالة والإرشاد، وهذا هو السر في كونها لكل الناس. وفي القرآن كذلك هداية أخرى، وهي هداية التوفيق والانتفاع، والمراد التوفيق والتثبيت، تكون على حق وتزداد به ثباتًا وتوفيقًا. وهذه هي التي يخصها للمتقين، كما قال الله عز وجل: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا﴾، فإذا هذا خاص بالمؤمنين، وهم المتقون. خاص بالمؤمنين أنهم إذا تلوا آيات الله زادتهم إيمانًا. أما الكافر إذا تلا آيات الله، هل تزيده إيمانًا؟ الجواب: لا، ما ستزيده إيمانًا، إنما ستعطيه بصيرة إذا أنصف وعدل أن طريق الحق هنا، وأن الصواب في هذا الموضع. فهذه هي هداية الدلالة والإرشاد لجميع الناس، وتلك هداية التوفيق والسداد والثبات، وهي للمتقين خاصة. فلا معارضة بين هذين الدليلين. قال: ونظير هاتين الآيتين قوله تعالى في الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾، وقوله: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾. فالأولى هداية التوفيق، والثانية هداية التبيين. ومن أمثلة ذلك أيضًا، وهذا مثال وهو في نفس الوقت إيضاح لما قبله، أثبت للنبي عليه الصلاة والسلام هداية، ونفى عنه هداية. فهل هذا تعارض؟ الجواب: لا، ليس بينهما تعارض. وقد مر معنا من قبل أن المنصف إذا بلغه كلام العاقل المحسن، فإنه لا ينبغي عليه أن يحمله على التعارض. العاقل المحسن، ويتضمن فيه الصادق الأمين، لا ينبغي عليه أن يحمله على التعارض. بل المحسن إذا بلغه مثل هذا الكلام، سيقول: لعله له وجه. أما المسيء وصاحب الظن السيء والمقاصد السيئة، فهو الذي سيتتبع كما يقال، ويصطاد في الماء العكر، لأنه يبحث عن ما يظهر به المعائب. أما المنصف فسيقول: ولو كان هذا من كلام سائر الناس، كيف فلان يقول كذا، وأثبت وقال لي رجل آخر كذا، فنفى. إذا هو كذاب، هذا مريض. يستعجل فيقول كذلك. أما الذي عنده حسن ظن، ويعرف أن هذا الرجل ما علم إلا بالصدق، وظاهره السلامة، فسيقول: لا، لا تستعجل. ربما له وجه، ربما ما فهمنا كلامه. يوجه الكلام الأول على معنى، والثاني على معنى. نسأله وننظر ماذا يريد بالأول، وماذا يريد بالثاني. فكيف بكلام الله عز وجل، وهو القائل عن نفسه: ﴿ومن أصدق من الله حديثا﴾؟ فالله عز وجل أصدق الصادقين، ينبغي أن يحمل كلامه على أحسن المحامل، وأن يجمع على أحسن الجمع. فالله أصدق حديثًا وأصدق قيلًا، وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام. فإذا هنا آية نفت الهداية، وآية أثبتت الهداية. الجمع كما تقدم: المنفي عن النبي عليه الصلاة والسلام هي هداية التوفيق والسداد، لا يستطيع النبي عليه الصلاة والسلام أن يدخل الإيمان بالقوة إلى أحد. ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾، لو كان يستطيع يفعل ذلك لفعله لعمه، ولكنه ما استطاع. أحب أن يؤمن عمه ويدخل في دين الإسلام، فما استطاع. حاول معه إلى آخر لحظة من حياته: "يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله". وهو في آخر لحظات حياته، فكان آخر ما قال: أنه على ملة عبد المطلب. فهذا يدل أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يهدي من يشاء أبدًا، بل الله عز وجل هو الذي يهديه. بمعنى لا يستطيع توفيق أحد وإدخاله في الإسلام، إلا أن يشاء الله. هو من نفسه ما يستطيع هذه الهداية المنفية: هداية التوفيق والسداد والتثبيت. أما هداية الدلالة والإرشاد، فهذا موجود عند النبي عليه الصلاة والسلام، وهو المثبت: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾. وهنا لفتة مرت معنا في دروس سابقة، أن الهداية عديت بإلى، فضمن الفعل معنى آخر يناسب هذا الحرف، وهو الإيصال. وهذه على قاعدة التضمين التي مرت معنا وتكررت في دروس سابقة، وأشار إليها ابن القيم رحمه الله تعالى في عدد من كتبه. ومعناه: ﴿وإنك لتهدي وتوصل إلى صراط مستقيم﴾. فالنبي عليه الصلاة والسلام يدل ويرشد ويبين، وهو كذلك يوصل. إن أنت استمسكت بطريقته وهديه عليه الصلاة والسلام في حياته بمتابعته الحسية، وبعد مماته بمتابعته المعنوية، بتتبع هديه وطريقته عليه الصلاة والسلام وسنته. قال رحمه الله: من أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم﴾، وقوله: ﴿وما من إله إلا الله﴾، وقوله: ﴿ولا تدعو مع الله إلها آخر﴾، وقوله: ﴿فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب﴾. قال: ففي الآيتين الأوليين نفي الألوهية عما سوى الله تعالى، وفي الأخريين إثبات الألوهية لغيره. والجمع بين ذلك أن الألوهية الخاصة بالله عز وجل هي الألوهية الحق، وأن المثبتة لغيره هي الألوهية الباطلة، لقوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير﴾. وهذا مثال آخر قد يظن ويتوهم متوهم أن بينها تعارضًا، وليس الأمر كذلك. ففي الآيتين الأوليين، كما قال: إثبات الألوهية لله وحده، في قوله: ﴿لا إله إلا هو﴾، إذن لا يوجد إله إلا هو سبحانه وحده. وفي الآية الثانية: ﴿وما من إله إلا الله﴾، كذلك نفي الألوهية عما سوى الله. وفي الآيتين الأخريين، كما قال: ﴿ولا تدعو مع الله إلها آخر﴾، سمى المعبود من دون الله إلهًا. وهكذا: ﴿فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله﴾، سمى ما يعبد من دون الله إلهًا. فالجواب كما ذكر شيخنا رحمه الله: بأن المثبت والذي فيه الحصر: ﴿لا إله إلا هو﴾، أي لا إله بحق إلا هو سبحانه. ولهذا كان معنى كلمة التوحيد: "لا إله إلا الله"، أي لا معبود بحق إلا الله. لا معبود بحق إلا الله. فهذا المعنى هو المثبت، وهو الذي حصل فيه الحصر، ونفي عما سوى الله. أي لا إله حق إلا الله وحده. وأما ما سمي إلهًا فهو كثير، لكنه إله بباطل. فهذا هو الجمع: أن المثبت الإله الحق، والمنفي هو الإله الباطل. فحصل الحصر لله لأنه هو الإله الحق، وجعل لفظ الإله لغير الله لأنه سمي إلهًا، وهو إله باطل. ولهذا نحن نقول: "لا إله إلا الله". ليس معناه: لا إله أي لا موجود. ولكن معناه: لا إله بحق. وجد إله في الأرض غير الله، لكنه إله بباطل. صرفت له معاني الألوهية بباطل. فمن الناس من يعبد الشجر والحجر والقمر والشمس وهكذا. كذلك عبد الأنبياء والصالحين والقبور وغيرها. فهذه مألوهات عند بعض الناس، لكنها مألوهات بباطل. والإله الحق هو الله الذي يجب أن تصرف العبادة له وحده. قال رحمه الله تعالى: ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿قل إن الله لا يأمر بالفحشاء﴾، وقوله: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا﴾. ففي الآية الأولى نفي أن يأمر الله تعالى بالفحشاء، وظاهر الثانية أن الله تعالى يأمر بما هو فسق. والجمع بينهما أن الأمر في الآية الأولى هو الأمر الشرعي، والله تعالى لا يأمر شرعًا بالفحشاء، لقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي﴾. والأمر في الآية الثانية هو الأمر الكوني، والله تعالى يأمر كونًا بما شاء، حسب ما تقتضيه حكمته، لقوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾. وهذا مثال آخر مثّل به رحمه الله تعالى كذلك. كما مثل وذكر الآية الأولى: ﴿قل إن الله لا يأمر بالفحشاء﴾، هذا المنفي هو المنفي شرعًا. ليس في شرع الله أمر بالفحشاء. لا يأمر الله إلا بالخير وبالعدل وبالإحسان. وذلك الذي أثبت: ﴿أمرنا مترفيها ففسقوا فيها﴾، كما قال الشيخ: هو الأمر الكوني. هو الأمر الكوني. وذلك أن الأمر الشرعي هو ما يحبه الله ويرضاه. وقد يقع، وقد لا يقع ما يحبه الله ويرضاه. قد يقع، وقد لا يقع. وأما الأمر الكوني فهو الذي يكون في الكون، إذ لا يكون في الكون شيء إلا بأمره الكوني ومشيئته. فهو يقول له: "كن فيكون". ولا يلزم إذا قال له: "كن" أنه يحبه. لا، بل قال له: "كن" لأنه الرب، إذ لا يكون في ملكه إلا بما يشاء، وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين. فإذا قوله: "كن" لا يعني أنه يحبه. قد يكون مما يحبه، وقد يكون مما لا يحبه. فإن كان مما لا يحبه فهو كوني فقط. وإن كان مما يحبه فهو كوني وشرعي. فهو كوني وشرعي. فإذا هنا: ﴿أمرنا مترفيها ففسقوا فيها﴾، يفسر بأنه بعد أن نصحوا وحذروا شرعًا من هذا الفسق، أبوا إلا الإصرار على طريق الانحراف. فتركهم الله لأنفسهم، وكلهم الله لأنفسهم. كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: حقيقة الضلال هو نزع أسباب الهداية. حقيقة الضلال هو نزع أسباب الهداية. ليس الضلال أن يوقع الله عز وجل العبد في موضع الضلال، لكن ينزع عنه أسباب الهداية. لأنه زاغ. فلما زاغوا ماذا؟ ﴿أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾. انظر: لا يهدي. فصار بعد لا يهدي ماذا؟ الضلال. فصار بعد لا يهدي الضلال. لم يهدِ الله، تركه لنفسه. فحرم التوفيق، وصار في الضلال. وصار في الضلال. إذن: ﴿أمرنا مترفيها ففسقوا فيها﴾، لم يأتِ الأمر من ملك في أذنه حتى يعمل بالفسق، ولكنه أتى من الشيطان الذي في قلبه. وذلك لما أعرض عن الله، وكل إلى نفسه. فلما زاغوا: ﴿أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾. كلا، بل: ﴿ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾. إذن صار الفسق منهم، وذلك بأمر الله الكوني. بأمر الله الكوني. وهذا الأمر الكوني كما قلنا هو بمعنى مشيئته. فإذا لا معارضة بين الأمر الشرعي والأمر الكوني، لأن الأمر الشرعي ما يحبه الله ويرضاه، والكوني هو ما يقع في كونه، ولا يكون في كونه إلا بكلمته، وهو معنى المشيئة التي تقدمت. ثم قال: ومن رام زيادة أمثلة، فليرجع إلى كتاب الشنقيطي المشار إليه آنفًا. يعني إذا أحد يريد أمثلة أخرى كثيرة، فيرجع إلى ذاك الكتاب، فإنه نافع ومفيد في بابه. إلى هنا والله تعالى أعلم. هذا الثاني يقول: هل تجوز صلاة العيدين أو العيد في المسجد لغير حاجة؟ الجواب: السنة أن يصلى في المصلى. وذهب بعض أهل العلم لجواز الصلاة في المسجد لعذر، كما هو مروي عن عدد من الأئمة. كمطر أو مرض أو نحو ذلك، لبعض من لا يستطيع الذهاب إلى المصلى إذا كان بعيدًا. وهذا الذي ذكروه قد يصح إذا كان هناك مانع من الصلاة في المصلى. أما بالنسبة للمريض، فقد أسقط الله عز وجل عنه صلاة الجماعة. فصلاة العيد من باب أولى. صلاة العيد من باب أولى. والله تعالى أعلم.