الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 28، الدرس الثامن والعشرون : من :(خامساً ما تقتضيه الكلمات من المعاني الشرعية ... كالسماء والأرض والصدق والكذب والحجر والإنسان ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ العثيمين على أهمية تفسير القرآن بمقتضى الكلمات الشرعية واللغوية، مستدلاً بآيات قرآنية. في حالة التعارض، يُقدم المعنى الشرعي ما لم يكن هناك دليل يرجح اللغوي.
يناقش تقديم المعنى الشرعي على اللغوي في النصوص الشرعية، مستشهدًا بآيات وأحاديث. يُقدم المعنى الشرعي في السياق الشرعي ما لم يدل الدليل على خلاف ذلك.
يعدد الشيخ العلوم الضرورية للمفسر مثل النحو والصرف والبلاغة وأصول الفقه والعقيدة. يحتاج المفسر إلى علم جامع لتمييز المعاني الصحيحة وتفسير القرآن بشكل صحيح.
يتحدث المقطع عن خطورة التفسير بغير علم والتقول على الله، ويشير إلى تورع الأئمة عن الخوض في التفسير خشية الوقوع في الخطأ.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى: «خامسًا: ما تقتضيه الكلمات الشرعية أو اللغوية حسب السياق، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾. أورد شيخنا رحمه الله تعالى هذا المبحث بالتأكيد على تفسير القرآن بمقتضى الكلمات، إما بمعانيها الشرعية وإما بمعانيها اللغوية. واستدل على الأول بقوله جل وعلا: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، أي: بما أخبرك وأعلمك الله سبحانه وتعالى من مقتضى معنى تلك الكلمة شرعًا. هذا وجه الاستدلال بهذه الآية. وقد بوّب البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه بابًا وذكر هذه الآية: «باب ما كان يسأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما لم ينزل عليه وحي فلا يجيب حتى ينزل عليه الوحي»، ثم ذكر هذه الآية وذكر حديث جابر بن عبد الله، والذي فيه أنه لما مرض وعاده النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر، قال: «ما لي يا رسول الله؟» حيث أغمي عليه، فصب عليه من وضوئه، فقال: «ما لي يا رسول الله؟ ما أصنع به؟» فسكت النبي عليه الصلاة والسلام حتى نزلت عليه آية المواريث. فإذا بعض الكلمات والأحكام الشرعية يكون لها معنى بمقتضى الشرع، فيعلم ذلك بمقتضى الشرع، ومنه ما يُعلم بمقتضى اللغة. واستدل له رحمه الله بقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ يعني: أن القرآن نزل باللسان العربي، فيفهم باللسان العربي، وبالآية الأخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، إذا بعث نبينا عليه الصلاة والسلام بلسان قومه، وأنزل عليه القرآن بلسان قومه؛ لأجل أن ذلك أبين وأوضح لهم، فيفهموه بمقتضى هذا اللسان العربي. ثم قال رحمه الله: «فإن اختلف المعنى الشرعي واللغوي، أُخذ بما يقتضيه الشرعي؛ لأن القرآن نزل لبيان الشرع لا لبيان اللغة، إلا أن يكون هناك دليل يترجح به المعنى اللغوي، فيؤخذ به». إذا حصل تعارض بين المعنى الشرعي واللغوي، قدم المعنى الشرعي وأخر المعنى اللغوي؛ لماذا؟ لأن المعنى الشرعي هو المقصود في هذا النص الشرعي، وهو الأصل. وذكر أمثلة، قال: «مثال مختلف فيه المعنيان وقدم الشرعي قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾، فالصلاة باللغة الدعاء، هكذا قال جمهور أهل العلم، ومر معنا قريبًا أن ابن القيم رحمه الله أبى هذا المعنى ورجح من أوجه كثيرة -كما في كتاب بدائع الفوائد- أن الصلاة لغة الحنو والعطف وليست الدعاء، فالدعاء معنى من معاني الحنو والعطف». قالوا: «بالشرعي هنا الوقوف على الميت للدعاء له بصفة مخصوصة، أي: صلاة الجنازة المراد: ولا تصلي على أحد منهم مات أبدًا، يعني: لا تصلي صلاة الجنازة». قال: «فيقدم المعنى الشرعي؛ لأنه المقصود المتكلم المعهود للمخاطب المعهود أنه لا تصلي أي صلاة الجنازة». قالوا: «أما منع الدعاء لهم على وجه الإطلاق، فمن دليل آخر»، يعني: تفسير الصلاة بأنه النهي عن الدعاء، هذا يفهم من آية أخرى، ومن دليل آخر، وهو قول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. فإذن الدعاء -الصلاة بمعنى الدعاء- جاء النهي عنه -أي: عن المشركين- والصلاة بمعنى ذاتها الصفة الشرعية -وهي صلاة الجنازة- جاء النهي عنها كذلك، فكلا المعنيين جاء النهي عنهما، فهنا ماذا قدمنا؟ قدمنا معنى الصلاة الشرعي لا معناه اللغوي، وهذا هو الأصل؛ إذ أن النص ورد في الموضع الشرعي، وهو في القرآن، فقدم المعنى الشرعي. قال رحمه الله تعالى: «ومثال ما اختلف فيه المعنيان وقدم فيه اللغوي بالدليل قوله تعالى: ﴿وَخُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، الآن هذا النص في القرآن، فهل قوله سبحانه: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: صلاة ذات ركوع وسجود، أو صلاة الجنازة؟ الجواب: لا، أولًا؛ لأن السياق يدل عليه: ﴿وَخُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، إذن ليس المعنى الصلاة الشرعية، ولكن الصلاة بمعناها اللغوي، ويؤكده الحديث الذي ذكره». قال: «فالمراد بالصلاة هنا الدعاء، بدليل ما رواه مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتي بصدقة قوم صلى عليهم -يعني: دعا لهم- ولكن دعاء يجمع على معنى الحنو والحطف والعطف -على ما ذكر ابن القيم رحمه الله- قال: قال: فأتاه أبي بصدقته، فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى -يعني: اللهم أحنوا واعطف على آل أبي أوفى- فهو دعاء». قال: «وأمثلت ما اتفق فيه المعنيان الشرعي واللغوي كثيرة، كالسماء، فالسماء في الشرع هي السماء في اللغة، لا فرق، والسماء بنيناها بأيدٍ، هل تفسر السماء بغير هذه السماء التي تراها بعينك؟ الجواب: لا، هي في اللغة والشرع بمعنى واحد». قال: «والأرض كذلك، والصدق والكذب والحجر والإنسان، فهذه الأشياء كلها متفق فيها المعنى الشرعي واللغوي، وهذا هو الأصل أن المعنى الشرعي واللغوي لا يختلف، وأحيانًا يختلف، وهذا قليل، فإذا اختلف فالأصل تقديم المعنى الشرعي؛ لأن النص الشرعي يقتضي تقديم المعنى الشرعي، فإن كان المراد المعنى اللغوي، فعند ذلك ينظر إلى السياق والسباب، فيدل ذلك على هذا، وزيادة الدليل الذي يدل على هذا المعنى». فالحاصل: هذا الفصل جعله رحمه الله في حاجة المفسر لمعرفة المعاني الشرعية واللغوية التي بها يفسر كلمات وألفاظ وكذلك آيات القرآن. وبه نعرف أن المفسر الذي يقوض في علم التفسير لا يستغني عن معرفة شرعية للأدلة الشرعية من الكتاب ومن السنة، حتى ينظر هل لهذا اللفظ من تفسير في القرآن أو في السنة، ومن معرفة لآثار الصحابة والتابعين، ومن معرفة بعد ذلك للغة العربية، وليست اللغة العربية بمعناها المجمل بل بمعناها المفصل. فعلم النحو له تعلق كبير في تمييز المعنى، فتميز الفاعل من المفعول، وتميز الجملة الإسمية من الفعلية، وتميز أسلوب الحصر من غيره، كل هذا بمثل هذا العلم، وهكذا علم الصرف الذي به تميز مصادر، وكذلك مباني هذه الأفعال، وباختلافها يختلف المعنى، كما مر معنا: «كلم يأتي من الكلام ويأتي من الجرح»، كيف تعرف ذلك؟ تعرف ذلك بمصدره وبصيغ تصريف فعله، فإنك تميز هذا المعنى من هذا المعنى. وبه تعرف أنه كذلك يحتاج المفسر إلى معرفة علم البلاغة؛ لأن بعلم البلاغة تستطيع أن تميز بين المباحث التي قد يحصل فيها اللبس بسبب عدم التمييز فيها. وهكذا كذلك معرفة علوم أخرى كعلم أصول الفقه، تعرف العام من الخاص والمطلق من المقيد وغيرها من المباحث، وعلم أصول التفسير، تعرف الناسخ من المنسوخ، وتعرف كذلك أسباب النزول وغيرها من المباحث الأخرى. وهكذا كذلك علوم أخرى مهمة كعلم العقيدة الذي به تعرف مداخل أهل الباطل في تفاسيرهم فتحذرها، وتعرف العقيدة الصحيحة التي بها تثبت المعاني الصحيحة. فالحاصل: أن الخائض في علم التفسير يحتاج إلى علم جامع به يستطيع أن يصل إلى المعنى الصحيح. ولهذا كان يتورع الكثير من الأئمة في الخوض في علم التفسير خوفًا أن يتقول على الله ما لم يقل بقصد أو بغير قصد، وأمر هذا عظيم. نكتب بهذا القدر، ونكمل ما تبقى بدرس لاحق، والله تعالى أعلم.