الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 44، الدرس الرابع والأربعون : من:( القسم ... كما في قولك الله ربي وبه أحلف لينصرن المؤمنين). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
القسم هو تأكيد الشيء بذكر معظم بالواو أو إحدى أخواتها، ويستخدم لتأكيد الشيء إثباتًا أو نفيًا. يُشترط في القسم الشرعي أن يكون بالله تعالى.
أحرف القسم هي الواو والباء والتاء، ولكل حرف أحكام وتصرفات مختلفة في الجمل. يُشرح المقطع أحكام هذه الأحرف مثل جواز حذف العامل أو ذكره.
اختلف أهل العلم في تفسير "لا" في الآية الكريمة بين كونها للتنبيه أو نافية لشيء محذوف أو لدخولها على موجود. يُرجح كونها للتنبيه باعتباره الأيسر.
دراسة مباحث القسم في علم النحو وعلم البلاغة ضرورية لفهم معانيها وتفسيرها بشكل صحيح. يُشدد على أهمية الجمع بين المعارف النحوية والبلاغية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى: قال القسم، قال القسم بفتح القاف والسين اليمين، وهو تأكيد الشيء بذكر معظم بالواو أو إحدى أخواتها، وأدواته ثلاث. قوله رحمه الله: «القسم»، ناسب أن يذكر القسم؛ لأنه كما سيأتي معنا إن شاء الله، فيه مجموعة من الأحكام يحتاج الناظر في التفسير أن يطلع عليها. ولأن المفسر والناظر في التفسير ينبغي عليه أن يفرق بين أنواع القسم؛ لأن ذلك يترتب عليه أحكام من جواز ما يقسم به وما لا يجوز أن يقسم به، وهكذا كذلك ما كان من القسم وأريد به التأكيد. فبين رحمه الله أن القسم بمعنى اليمين، وهو تأكيد الشيء. القسم بمعنى اليمين يعني كالحلف، والمقصود منه تأكيد الشيء إثباتًا أو نفيًا، كان تقول: «والله ما فعلته، والله فعلته». وهكذا كذلك تأكيد الشيء فيما مضى أو فيما سيقع، وسيأتي فيما مضى كما سمعت، وفيما يأتي مثل: «والله سأفعل، والله سيكون»، ونحو ذلك. ثم هذه اليمين هي في اللغة أوسع منها في الشرع، ولهذا قال: «وهو تأكيد الشيء بذكر معظم بالواو أو إحدى أخواتها». فالقسم في اللغة هو تأكيد الشيء بذكر معظم. فمثلًا من القسم قسم أهل الجاهلية: «واللات والعزى»، ونحوها من أقسام المشركين. وهكذا كذلك من أقسام الجاهلية القسم بما يعظم من الأشخاص والبقاع، كالحلف مثلًا بالأب ورأس الأب، وبالأم ورأس الأم. والحلف كذلك بالبلدان، كأن يحلف ببلدته، أو كذلك بالشرف أو الأمانة أو الذمة أو غير ذلك. هذا من حيث اللغة جائز، وهو مما يسمى قسم. وتفهم منه إذا أتي به وعبر به أنه أريد به تأكيد هذا الشيء، تأكيد ذاك الشيء المذكور؛ لأنه ذكره مقترنًا بذكر ذاك الشيء المعظم الذي أراد به التأكيد. وأما بالشرع، فإنه لا يجوز القسم إلا بالله سبحانه وتعالى، «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت». وقوله: «بالواو وحدى أخواتها»، سيأتي أن للقسم أحرف، ومن هذه الأحرف ما سيشير إليها رحمه الله تعالى. قالوا: أدواته ثلاثة: الواو، مثل قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾، ويحذف معها العامل وجوبًا، ولا يليها إلا اسم ظاهر. يعني الحلف بالواو يحذف العامل، والعامل هو فعل القسم. أصل التقدير في الكلام: أقسم والله، أقسم والله لأفعلن كذا وكذا. فأنت إذا حلفت وأقسمت بالواو، فإنك تحذف الفعل، وهو فعل القسم، فلا تقول: أقسم ورب السماء. لكن هل هذا معناه أنه لا يجوز قوله؟ وجوبًا ظاهره أنه لا يجوز، مع أنه سمع أنه يؤتى بالعامل. فكيف الجمع في ذلك؟ الجمع في ذلك أن العامل الذي يؤتى به هو عامل أريد به كذلك التأكيد، وإلا فعامل هذا القسم محذوف. وقوله: «ولا يليها إلا اسم ظاهر»؛ لأنه سيأتي أنه قد يدخل على حرف فيما سيأتي من الأوجه الآتية. لكن هنا قال: «ولا يليها إلا اسم ظاهر»، فهو «رب السماء والأرض»، فدخلت الواو على «رب» وهو اسم ظاهر. قال رحمه الله: «والباء كذلك من أحرف القسم». الباء، الشاهد أولًا: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا قسم، الواو هي واو القسم. قال: «والباء مثل قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾»، فقوله «والباء» يعني في قوله: «بيوم القيامة». قال: «ويجوز معها ذكر العامل كما في هذا المثال، ويجوز حذفه كقوله تعالى عن إبليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾». وهنا انظر، لاحظ أن الأول ذكر العامل أقسم، والثاني لم يذكر العامل «فبعزتك». والمراد بالعامل هو ما يتعلق به هذا القسم؛ لأن القسم شبه جملة لا بد أن تتعلق بعامل، لا بد أن تتعلق بعامل، فإما أن يكون عامله مذكورًا، وإما أن يكون عامله محذوفًا. قال: «ويجوز أن يليها اسم ظاهر كما مثلنا، وأن يليها ضمير كما في قولك: الله ربي وبه أحلف». فقوله «وبه أحلف»، الباء دخلت على الضمير، يعني بالله. وهكذا قال: «أو أن يليها ضمير كما في قولك: الله ربي وبه أحلف». ويريد رحمه الله أن الباء ليست كالواو، الواو لا تدخل إلا على اسم ظاهر، وأما الباء فتدخل على اسم ظاهر مثل: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾، ﴿بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وتدخل على ضمير مثل: «وبه». قال رحمه الله: «والتاء». ها، إيش عندك؟ ها «وبه أحلف لينصرن المؤمنين»، يعني تكملة الجملة: «وبه أحلف لينصرن المؤمنين»، يعني لينصرن الله عز وجل المؤمنين؛ لأن الله عز وجل وعد بذلك، وإن جندنا لهم المنصورون. لكن إذا تحقق وصف الإيمان، وأما إذا نقص وقصر وصف الإيمان فإنه لا يلزم حصول النصر، مثل ما وقع في غزوة أحد، وهم أكمل المؤمنين إيمانًا، لكن في تلك اللحظة التي عصى فيها الرماة فنزلوا من الجبل، قصر ونقص وصف الإيمان، قصر ونقص وصف الإيمان، فكان الابتلاء. وهكذا من دونهم من باب أولى. وقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، أشار الشيخ رحمه الله تعالى في شرحه إلى أن «لا أقسم» أو هذا القسم، القسم بالباء مع ذكر وظهور العامل يقترن كثيرًا بـ«لا»، يقترن كثيرًا بـ«لا». وقد اختلف أهل العلم في تفسير «لا» هذه، فقيل: إنها للتنبيه، وأن الجملة مثبتة، يعني ليس نفيًا، بل «لا» هنا للتنبيه، مثل ما تقول: «ها ها» هذه للتنبيه، ثم تقول: «ذا ذا» للإشارة. وهكذا كذلك هنا، قالوا: «لا» للتنبيه، والجملة مثبتة، ليست منفية، يعني تقدير الكلام: أقسم بيوم القيامة. وقال بعضهم: «لا» هذه نافية، والمنفي محذوف، فاحتاجوا إلى تقدير شيء منفي محذوف، وأن الجملة وأن الجملة بعده مثبتة. وهذا التقدير يختلف بحسب السياق. فإن كان السياق فيه شيء من كلام مثلًا المشركين، فيكون المنفي ذاك الكلام. مثلًا، قال لك قائل: «لأضربن فلانًا»، قلت: «لا، لا أقسم بالله»، لا يكون أقسم بالله سأمنع. فهنا «لا» هي نفي لشيء محذوف، وهي جملة ذاك المعترض، وهو قوله: «لأضربن فلانًا». فكأنك أضربت كلامه أولًا ثم أقسمت مؤكدًا أنك ستعارضه في فعله. وهذا تقريب للمعنى. وقال بعضهم: «لا» هذه نافية داخل على موجود، أي: لا أقسم بكذا؛ لأنه لا يحتاج لقسم. والمعنى أن الشيء بلغ في التأكيد مبلغ ما لا يحتاج لتأكيد، مبلغ ما لا يحتاج لتأكيد، فلهذا أتى بالنفي، فلهذا أتى بالنفي. وهذه المعاني الثلاثة كلها كما ترون محتملة، لكن بعضها فيه شيء من التكلف. ولهذا قال شيخنا رحمه الله: أصحها أنها للتنبيه. وهذا لأن شيخنا رحمه الله قاعدة في باب النحو جعلها لنفسه ضابطًا يسير عليه ولطلابه، وذلك أن باب النحو واسع، والخلاف فيه كثير، والأوجه متنوعة، فما كان أيسر وأسهل وأقرب فإنه الأرجح أو الأصوب والأصح. وهذا كما ترون هو بالنسبة للتعامل سهل ومعين، لكنه أحيانًا قد لا يكون هو كذلك؛ لأننا قد نعارض بقراءة تحتف بالمسألة ترجح غير الأيسر والأخف، ترجح غير الأيسر والأخف من الأقوال. فلذلك فهنا نقول في «لا»: إن كان لا يعارضها شيء فهي للتنبيه، فإن اقترن بها ما يدل أنها ليست للتنبيه فهي ليست للتنبيه. وهذا يرجع إليه في مواضعه في كتب التفسير، فإنك في كتب التفسير ستجد كلامًا نفيسًا، خصوصًا للمحققين من أهل العلم في مثل هذه المواضع. ومبحث القسم في الحقيقة له تعلق بعلم النحو، وله تعلق بعلم البلاغة، فينبغي للمفسر أن يعتني بمباحث القسم عند أهل النحو وعند أهل البلاغة؛ ليصل بذلك أولًا إلى معنى استيفاء أحكامها، وهكذا كذلك إلى التحقيق في الخلاف المذكور والمروي في مباحثها. طيب، نكتفي بهذا القدر، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس اللاحق، والله تعالى أعلم.