شرح خمسون حديثا في العقيدة 27

شرح خمسون حديثا في العقيدة 27

الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 27، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحذير من فتنة الخوارج وخطورتها

يشرح الشيخ الحديث السابع والعشرون من سنن ابن ماجه الذي يحذر من فتنة الخوارج ويبين خطورتها على أهل الإسلام. يربط بين الخوارج وأعداء الإسلام الذين يستغلون هذه الفتنة لضرب المسلمين.

صفات الخوارج واستمرار فتنتهم

يصف الحديث الخوارج بأنهم يمرقون من الدين بسرعة وشدة ويتحدث عن صفاتهم واستمرار فتنتهم حتى آخر الزمان. يشير إلى غلوهم في الدين وعدم فهمهم القرآن على وجهه الصحيح.

استمرار الخوارج عبر التاريخ وخروج الدجال

يشرح المقطع استمرار وجود الخوارج عبر التاريخ حتى قيام الساعة ويبين أن خروجهم يشمل إثارة الفتن بالقول. كما يفسر خروج الدجال وقرب عودة ذكر الله بعد خروجه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومولاه. قال شيخنا -غفر الله لنا وله وللمؤمنين-: الحديث السابع والعشرون، قال الإمام بن ماجه رحمه الله في سننه: حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا يحيى بن حمزة، قال: حدثنا الأوزاعي، النافع عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ينشأ نشأ يقرؤون القرآن، ينشأ نشأ يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج قرن قطع». قال ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كلما خرج قرن قطع، أكثر من عشرين مرة، حتى يخرج في عراضه مدجال». قال شيخنا -غفر الله له-: صححه الشيخان الألباني في الصحيحة رقم خمسة وخمسين وأربعمائة وألفين، والوادعي في الجامع الصحيح في القدر صفحة إحدى وعشرين وأربعمائة إلى اثنين وعشرين وأربعمائة. وعلى آله وصحبه وسلم. وهذا الحديث كذلك من الحديث المهم التي فيها أولا التنبيه والتحذير من فتنة الخوارج الذين لا زالوا فيما سبق ومضى، وفيما حضر وبقى، هم أعداء أهل السنة وأتباع سلف الأمة، فهم الذين حاربوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاتلوهم، وهم أول فتنة وبدعة ظهرت في الإسلام، رأسهم ذو الخويسرة الذي قال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اعدل، فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله». فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ويح من يعدل إذا لم أعدل، ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيه وحي الله صباح مساء». فهذه الفتنة هي من أعظم الفتن على أهل الإسلام، ولا يزال أثرها باقيا إلى يومنا هذا، وهي الفتنة التي يستغلها أعداء هذا الدين على أهل هذا الدين. فقد فعل ذلك بعض اليهود كأولي الإسلام، كما فعل عبد الله بن سبأ اليهودي الذي يرجع أصله من اليمن، ومن معه من المنافقين، حين استغلوا فتنة الخوارج في الفتك بالصحابة والمسلمين جميعا كأولي عصور الإسلام. وهكذا كذلك لا يزال الخوارج يفتكون بالمسلمين، ويكونون ذريعا لتطاول أعداء الدين على أهل الدين. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»، إشارة إلى شدة فتنتهم. ومعنى هذا المثل أن السهم إذا ضرب في الصيد وخرج من الجانب الآخر دل ذلك على قوته وسرعته. وأن خروج هؤلاء من الدين كخروج السهم من الصيد الذي يرمى فيخرج من الجانب الآخر، «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» -الرمية أي الصيد- ومروق السهم فيه -أي دخوله من الجانب الأول وخروجه من الجانب الآخر- وذلك كناية على شدة وسرعة فتنة هؤلاء، وهذا هو الظاهر. ومن تأمل تاريخ أهل الإسلام وجد أن الخوارج لا يزالون من أشد أهل الإسلام ضربا على أهل الإسلام. ولهذا جاء في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون عبدة الأوثان»، يعني فتنتهم دائمة مسلطة على المسلمين بإسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بإسم الغيرة على دين الله عز وجل، بإسم عدم المحابة في دين الله عز وجل، بإسم العدل، بإسم الإنصاف، بإسم كذلك الصدق وعدم المجاملة، وغير ذلك من العبارات التي يزينها الشيطان لهؤلاء. وفي هذا الحديث إشارة إلى أن هؤلاء يقرؤون القرآن، لكنه لا يجاوز حناجرهم، يعني لا يفقهون القرآن ولا يفهمونه ولا يعملون بما فيه. ولو كانت عندهم عبادات كثيرة، كما جاء في بعض الروايات في الصحيحين: «تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم»، لكن ما تنفعهم هذه؛ لأن كثرة الصلاة ليست تنفع، فالصلاة المقبولة هي الصلاة المعتدلة التي صلاها النبي عليه الصلاة والسلام، والصيام المقبول هو الصيام المعتدل الذي أمر به النبي عليه الصلاة والسلام. وأما المبالغة في ذلك فليس من سنة أهل الإسلام، بل هو من سنة الغالين الذين خرجوا عن الصراط المستقيم. وبهذا نعلم أن من صفاتهم الغلو في الدين، وفهمه على غير وجهه الصحيح، وأن من صفاتهم الاعتناء بالقرآن في حفظه، مع عدم الاعتناء بفهمه والتفقه فيه والعمل بما جاء به، وأن من صفاتهم كذلك الاستعجال والتهور. وهذه صفات الخوارج لا تزال إلى يومنا هذا. وفي هذا الحديث كذلك إشارة إلى أن الخوارج سيستمرون إلى آخر الزمان. ولهذا بوّب له الألباني رحمه الله تعالى بقوله: «استمرار خروج الخوارج». وذكر هذا الحديث معناه أن الخوارج ليس فقط الذين خرجوا بزمن النبي عليه الصلاة والسلام ومن بعده من الصحابة، ولكنهم سيستمرون في الخروج إلى خروج الدجال، وسيخرجون ويستمرون في الخروج. وقد مر معنا أن خروج الخوارج ليس فقط بالخروج بالسيف، بل كذلك بخروجهم بإثارة الفتنة بالقول، إما بتهييج العام على حكامهم أو تهييج العام على علمائهم، فإن ذلك من صنيع الخوارج الذين يفرقون الراعي عن الرعية، والذين يفتحون الذريعة لأعداء هذا الدين للفتنة بالمسلمين. فهذه سنة الخوارج وهي ستستمر بنص هذا الحديث. قال: «ينشأ نشأ»، كما ذكر هذا الحديث، ومعناه أنهم يظهرون في كل زمان، يكون لهم نشأة وبادرة. ولهذا تجد الخوارج في الغالب منفصل بعضها عن بعض، كل فرقة تتبرأ من الأخرى؛ لأن ناشئتها حديثة، وهي تتصل في كل زمان بإمامها. فوجد في زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لهم إمام خاص، ووجد في زمن التابعين لهم إمام خاص، وهكذا في زمن أتباع التابعين إلى زماننا هذا، في كل زمان ينشأ لهم ناشئ ويكون لهم إمام خاص، تعلقون به، وربما في كل بلد يكون لهم إمام آخر. ولهذا ذكروا أن للخوارج فرقا كثيرة لا تعد ولا تحصى عدا. وهذا يدل على صحة ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث، وأنهم في كل مرة يقطعون -يعني يقطع دابرهم- ولكنهم لا ينتهون، كما قال في هذا الحديث: «فيقطع كلما نشأ وخرج منهم فرق قطع، ونشأ وخرج منهم فرق قطع»، قال: «حتى يخرج في عراضهم الدجال». ومعنى أنهم يستمرون إلى قيام الساعة. وفي هذا الحديث كذلك إثبات إلى أن الصراع بين أهل الحق والباطل سيستمر إلى قيام الساعة. فإذا قال قائل: كيف هذا مع قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أنه لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله، ولا يقال لا إله إلا الله»؟ الجمع بينها بأحد جمعين: الجمع الأول أن ذلك سيكون، ولا يلزم منه أن لا يوجد فيه أهل الحق، بل إنه سيوجد، ولكن قد يأتي بعض الزمان ولا يكون فيه ذلك. والمعنى الثاني أن المراد بخروج الدجال أي قرب خروج الدجال، وأنه سيأتي فترة من الزمن لا يقال في الأرض الله الله، لكن سيأتي بعده زمان يكون فيه ذكر الله عز وجل، وقوم المسلمون كما في الأحاديث الأخرى التي فيها ذكر من يقاتل الدجال، ويخرج مع المسيح ومع المهدي. وقد أخذنا طرفا من ذلك في دروس سابقة. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، وبه نكتفي. والحمد لله رب العالمين.