الدرس في كتاب الجهاد 18، الدرس الثامن عشر:(الحديث الخامس عشر بعد الأربعمائة:وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل ... فأظهر الاحتمالين أنه لا بأس بذلك ولا حرج فيه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع الأول حديثا يتعلق بتنفيل المجاهدين وزيادة أسهمهم، بينما يبين الثاني ضوابط الاجتهاد في توزيع الغنائم على الجيش.
الإمام يجوز له الاجتهاد في توزيع الغنائم بحسب ما يستحقون، ويستعين بأهل العلم لضمان عدم التعسف في الاجتهاد.
يشرح المقطع قضية تشريك الأعمال وضوابطها، ويبين أن التشريك لا ينافي الإخلاص إذا كان على وجه التبعية.
يبين المقطع عدم وجود مشايخ مباشرين لابن دقيق العيد، لكنه يشير إلى أهمية شرحه وتأثيره على العلماء الآخرين.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الحديث الخامس عشر بعد الأربعمائة. قالوا عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة، سوى قسم عامة الجيش. أورد المؤلف رحمه الله الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لمسائل كتاب الجهاد، وذكر أحاديث الصحيحين في هذا الكتاب. وأقرب الألفاظ إليه لفظ الإمام البخاري رحمه الله، فقد أخرجه في باب بركة الغازي، فقال: حدثنا يحيى بن بكير، قال: أخبرنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر، فذكر الحديث بلفظه. ورواه الإمام مسلم، وزاد فيه: «والخمس في ذلك كله واجب». قال الشارح رحمه الله: ما يستفاد من الحديث. قال: هذا التنفيل هو غير أسهم المجاهدين، بل زيادة يعطونها نافلة لهم على أسهمهم، حسب ما يرى الإمام والقائد من المصلحة. قال ابن دقيق العيد: وفي الحديث دلالة على أن لنظر الإمام مدخلا في المصالح المتعلقة بالمال أصلا وتقديرا على حسب المصلحة. هذا قول لبعض أهل العلم، وهو كما نرى له وجه. وهكذا كذلك قول آخر: أنه كان يعطيهم شيئا زائدا مما بقي من الغنيمة. ولكن هذا القول الأول هو الأقرب، خصوصا في هذا اللفظ، فإنه قال فيه: «سوى قسم عامة الجيش». وهذا لأنهم ربما قاموا بعمل زائد. ويجمع مع هذا الأحاديث الأخرى الواردة في هذا الباب. وقد سبق معنا الإشارة إلى هذه المسائل في الأحاديث المتقدمة. فإن الإمام يجوز له الاجتهاد في إعطاء بعض الجيش الشيء الزائد بحسب ما يستحقون ويرى فيه الأصلح، مثل السرية التي تتقدم الجيش، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام وتقدم معنا تعطى شيئا زائدا. وهكذا التي تتأخر عن الجيش تعطى شيئا زائدا لأجل ما تقابله من أخطار ومهام وأعمال في مقدم ذهابها. قال ثانيا: إعطاء بعض الجيش زيادة على أسهمهم، أو تخصيص بعض السرايا بزيادة على غيرهم لقصد المصلحة والترغيب والتشجيع. وكما تقدم معنا وتكرر أن هذا ليس بعاطفة أو هوى، ولكنه اجتهاد من الإمام قائم على ضوابط وعلى مسائل نص عليها العلماء. فلذلك إذا كان الإمام ليس عنده علم، فيحتاج أن يستعين بمن؟ بأهل العلم. يستعين بأهل العلم الذين يبينون له وجه هذا الاجتهاد ومواضع الاجتهاد، لأنه قد يظن بعض من لا علم له أن هذا معناه أن يفعل ما يشاء بما تهواه نفسه. قال رحمه الله: الثالث أن هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فهو دليل على أنه لا يخل في إخلاصهم ولا ينقص من أجرهم، ما دام أن المقصد الأول من الجهاد والمخاطرة هو إعلاء كلمة الله تعالى، أي أخذ الغنيمة والزيادة فيها فهو لا ينافي هذا الإخلاص وهذه النية. قال الرابع: قال ابن دقيق العيد: وللحديث تعلق بمسائل الإخلاص في الأعمال وما يضر من المقاصد الداخلة فيها وما لا يضر، وهو موضع دقيق المأخذ. ووجه تعلقه به أن التنفيل للترغيب في زيادة العمل والمخاطرة والمجاهدة، ومن ذلك مداخل القصد الجهاد لله تعالى، إلا أن ذلك لم يضرهم قطعا لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك لهم. قال: ويتفرع عنه غير ما مسألة. وهذه إشارة دقيقة لطيفة من هذا الإمام رحمه الله. والشيخ ينقل كثيرا عن ابن دقيق العيد لأنه من شراح هذا الكتاب عمدة الأحكام، وشرحه من أحسن الشروح، فهو يأتي على مثل هذه الدقائق. وكذلك يشير إلى عدد من القواعد، فهو إمام محقق مدقق أصولي يكثر من ذكر القواعد والضوابط في شرحه. وهذه إشارة لطيفة أشار بها رحمه الله إلى هذا المعنى في قضية تشريك الأعمال، فإنه لا ينافي الإخلاص. والضابط في هذا التشريك هو أن لا يكون ذلك على حساب أصل العمل، فإن كان تبعا فيثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا. وأما إذا كان قد زاحم أصل العمل، فهنا إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. قال رحمه الله: وقال الصنعاني: وقد أجمع العلماء على جواز الجمع بين الحج والتجارة، والجمع بين إرادتهم. ونزل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. وهذا كذلك إذا كان على وجه التبعية. وأما إذا كان على وجه الأصالة، فهنا يحرم فضل الحج، مثل إنسان إنما تحرك لأجل التجارة، وصار الحج تبعا. فرق بين من خرج لأجل التجارة والحج تبع، وبين من خرج للحج والتجارة ماذا؟ والتجارة تبع. قال: وذكر أن أصرح من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾. وبين أنه إذا أراد بذلك الثناء، فهو مما يقبح، إلا أن يكون العمل في أصله لله، ثم أحب بعد ذلك أن يثنى عليه. قال: وهذا فيه تفصيل، إن أراد الثناء الذي يراد به الوصول لمرضات الله وإقامة دين الله، فهذا حسن. وإن أراد به الثناء الذي يكون به الفخر والخيلاء، وكذلك تزكية النفس، فهذا مذموم وليس بحسن. فننتبه لهذا، مثاله لو أن رجلا مثلا في الحج، حج فأراد ما عند الله من فضل الحج وثوابه، وما عنده الله لأهل هذا العمل الصالح في الدنيا وفي الآخرة، وهو كذلك تضمن شيئا آخر، وهو أن يثنى عليه بهذا العمل الصالح. قال: لماذا المؤلف ينقل كثيرا عن ابن دقيق العيد؟ هل من مشائخه؟ لا، ليس من مشائخه، بينهما مفاوز، لكن لما سمعت ينقل عنه لأنه له شرح متقدم، وهو من أحسن الشروح، ولهذا ألق عليه العلماء بتعليقات وإفادات، ومن ذلك تعليق الإمام الصنعاني في كتابه العدة على شرح هذا الإمام ابن دقيق العيد.