شرح العقيدة الواسطية للهراس 55

شرح العقيدة الواسطية للهراس 55

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 55، الدرس الخامس والخمسون:(وأما قوله تعالى وقل الحمدلله الذي لم يتخذ ولداً ... وضده البشير أو المبشر وهو من يخبرك بما يسرك). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الحمد والثناء على الله

يبدأ الشيخ بتوضيح معنى الحمد لله وأهميته في الثناء على النعم والكمالات الإلهية. يشرح ذلك من خلال تفسير الآيات التي تنفي الولد والشريك عن الله تعالى.

التسبيح وعلو الله تعالى

يتطرق المقطع إلى شرح معنى التسبيح وعلو الذات الإلهية، مع التركيز على تنزيه الله عن النقص وإثبات كماله. كما يفسر تسبيح الجمادات واستدلالاته من القرآن والسنة.

مفاهيم البركة والفرقان والرسالة النبوية

يناقش هذا الفصل معنى البركة وكثرتها، وتفسير "الفرقان" في القرآن، مع التأكيد على شمول رسالة النبي صلى الله عليه وسلم للجن والإنس.

تعريف الإنذار والتبشير

يتم تعريف المفاهيم الأساسية للإنذار والتبشير، مع توضيح الفروق بين النذير والمندر والبشير والمبشر، وتوضيح أن كل إنذار هو إعلام ولكن ليس العكس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشارح -رحمه الله تعالى-: «وأما قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية، فقد تقدم الكلام في معنى الحمد، وأنه الثناء باللسان على النعمة وغيرها. وقلنا: إن إثبات الحمد له سبحانه متضمن لإثبات جميع الكمالات التي لا يستحق الحمد المطلق إلا من بلغ غايتها. وسبق هناك في الكلام على الحمد أن الله جل وعلا له الحمد المطلق من كل الوجوه، فهو سبحانه يحمد على كماله في ذاته، وفي أسمائه وصفاته وأفعاله، في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. وهكذا كذلك يحمد سبحانه لإنعامه وعظيم إحسانه، وهو إذا تأملت قد جمع بهاتين العبارتين كل كمال». وقوله -رحمه الله-: «أنه الثناء، والثناء باللسان مر معنا من كلام بعض العلماء أنه كذلك بالقلب، وإلا فصار مدحًا. وهذا الفرق بين المدح والحمد من أحد الفروق العظيمة، أن المدح هو ثناء باللسان، ولا يلزم أن يكون المادح صادقًا، فقلبه لا ندري هل فيه ثناء أم ليس فيه ثناء؟ أما الحامد فهو الذي يثني بلسانه وبقلبه. وقد سبق الكلام على هذا. وهكذا كذلك القول: أن الثناء تكرار، لا ينافي أنه لا يوجد في القلب ثناء؛ لأن قد يقول قائل: الذي في القلب واحد، وأما الذي في اللسان فهو يتكرر، فكيف؟ فالجواب: أن ما في القلب كذلك يتكرر؛ لأنه يستمر باستمرار أسباب الحمد، يستمر ثناء القلب باستمرار أسباب الحمد، فهو كما قد يقال: ثناء بلسان الحال أو بلسان المقال، فللقلب قول وللقلب حال». قال -رحمه الله تعالى-: «ثم نفى سبحانه عن نفسه ما ينافي كمال الحمد، من الولد والشريك والولي من الذل، أي: من فقر وحاجة، فهو سبحانه لا يوالي أحدًا من خلقه من أجل ذله وحاجته إليه، بل هو سبحانه له الكمال المطلق، بل ولايته جل وعلا لخلقه ولاية رحمة وجبر إحسان، كما قال جل وعلا: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، فالولاية من الله لخلقه إحسان إليهم ورحمة بهم وجبر لهم ونصرة وتأييد، وهو سبحانه ليس له ولي من ذل وحاجة، ولكن له ولي يجبره ويحسن إليه ويرحمه وينصره ويؤيده». لأجل أن نفرق بين لفظ «ولي» و«ولي»، فالولي المنفي هو من ذل وحاجة، والولي المثبت إنما هو من كانت الولاية له نصرة وتأييدًا وإعانة، ومنهم حب وحمد وحسن عباده، ولهذا قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، فالولاية من الله بهذا المعنى، ومن العبد تقوى وحسن عباده. وقوله: «أنه منزه عن الولد والشريك»، فنفي الولد عن الله سبحانه وتعالى هو الكمال، وإن كان -كما مضى ومر- في حق المخلوق كمال، إلا أن نفيه في حق الخالق كمال؛ لأنه في حق المخلوق الناقص كمال لنقصه، أما الكامل الذي هو غاية في الكمال والعظمة والجلال سبحانه، فهو غني عن الولد. ولأجل هذا المعنى الفاسد الذي لم يفهمه من ضل في هذا الباب، ضل من ضل من اليهود والنصارى والمشركين الذين نسبوا لله عز وجل الولد، فنسب اليهود العزير، ونسب النصارى المسيح، ونسب المشركون الملائكة، وكل ذلك باطل شرعًا وعقلًا وفطرة لمن تمعن. وهكذا نفي الشريك، نفي الشريك هو الذي يقتضيه الشرع والعقل والفطرة الصحيحة، فإن الكامل من كل الوجوه هو المنفرد بالخلق والتدبير، والذي لا يحتاج لمعين وشريك. وبه نعرف فساد قول المجوس والقدرية والمشركين الذين جعلوا مع الله جل وعلا شريكًا بلسان الحال أو بلسان المقال، إما أن ينسبوا شريكًا فيصرحوا بهذا الشريك، وإما أن ينفوا عن الله عز وجل ما يقتضي إثبات الشريك، مثل فعل القدرية الذين قالوا: الله لا يخلق أفعال العباد، بل العباد يخلقون أفعال أنفسهم، فجعلوا مع الله شريكًا، فجعلوا فعل الخير لله، وفعل السوء والشر للعبد وحده، ونسوا أن ذلك مخلوق لله جل وعلا، فالله سبحانه وتعالى يخلق كل شيء: الخير والشر والعباد وأعمالهم من خير ومن شر، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. قال -رحمه الله تعالى-: «ثم أمر عبده ورسوله أن يكبره تكبيرًا، أن يعظمه تعظيمًا، وينزهه عن كل صفة نقص، وصفة أو عن كل صفة نقص وصفه بها أعداؤه من المشركين؛ لأن هذا هو معنى الآية التي ختم بها. وقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من دعائه -كما في الصحيح البخاري من حديث جابر-: إذا صعدوا كبروا، وإذا نزلوا سبحوا. وهذا تنزيهًا لله سبحانه وتعالى بلسان الحال ولسان المقال». لأجل أن نفقه وأن نعلم أن معنى العلو علو الذات وعلو القدر وعلو القهر، ومعنى التسبيح هو التنزيه مما ينافي القدر ومما ينافي القهر ومما ينافي كذلك الذات. ولهذا كان إذا نزل قال: «سبحان الله»، فالتسبيح في النزول تنزيهًا للرب جل وعلا عن السفول، فتأمل هذا من فعله عليه الصلاة والسلام، وفعله أصحابه. وقول من يقول: «أن الله بكل مكان» أو «أن الله لا داخل العالم ولا خارجه»، فهو لم يوافق لا اللفظ ولا معنى الشرع. قالوا: «أما قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ إلى آخره، فالتسبيح هو التنزيه والإبعاد عن السوء كما تقدم، فإنه نفي كل نقص وعيب، وهو في نفس الوقت يستلزم إثبات كل كمال لله جل وعلا». ومر معنا أن تقديم السماوات؛ لأنها مقدمة بالرتبة والفضل والشرف، كما أفاده ابن القيم -رحمه الله تعالى-. قال: «ولا شك أن جميع الأشياء في السماوات وفي الأرض تسبح بحمد ربها وتشهد له بكمال العلم والقدرة والعزة والحكمة والتدبير والرحمة. قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. وقد اختلف في تسبيح الجمادات التي لا تنطق: هل هو بلسان الحال أو بلسان المقال؟ وعندي أن الثاني أرجح، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، وهو كما قال -رحمه الله-؛ لأن هذا أولًا: نص القرآن، وثانيًا: تؤيده عمومات كثيرة». قال: «إذ لو كان المراد تسبيحها بلسان الحال لكان ذلك معلومًا، فلا يصح الاستدراك -يعني: لا حاجة لأن يقال: ولكن لا تفقهون تسبيحهم-، فعلم أنه تسبيح حقيقي. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي». وهذا في الدنيا، بل إن الأعضاء التي تشهد على الإنسان يوم القيامة تشهد بشيء تدركه وتفهمه بالدنيا، لكن إدراك وفهم لا ندركه نحن، فالعين تدرك، والأذن تدرك، واليد تدرك، والقدم يدرك، وكل عضو من أعضاء الجسد يدرك، كما قال الله عز وجل عن الجلود: ﴿أَنطَقْنَا اللَّهَ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، فهذا يدل أن لها إرادات في الدنيا، وأن لها إدراك، لكننا لا نفقه ولا نعرف هذا الإدراك». وأدلت ذلك -لو تتبعناها- كثيرة، التي تثبت أن للجمادات إرادات، ومنها قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾، هذا خطاب حقيقي ليس مجازيًّا -كما يقول من يقول بالمجاز-، بل هو حقيقي، ولكن نحن لا نفقه ولا نعرفه. وهذا كذلك: جدار يريد أن ينقض، للجدار إرادة خاصة به نحن لا نعلمها ولا ندري حقيقتها، لكن للجمادات إدراكات وإرادات، ومن ذلك كذلك التسبيح. قال: «وقد قال تعالى -خبرًا عن داود عليه السلام-: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾، وهذا التسبيح التسبيح تعلمه ويعلمه الله، ولا يعلمه الناس. وقد أعلمه من أعلمه من خلقه، كما أعلم بعض أنبيائه ورسله. وهكذا الطير محشورة تفقه وتفهم، وقد خاطب الطير سليمان عليه الصلاة والسلام بخطاب أعلمه الله عز وجل إياه». قال: «وأما قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي﴾ إلى آخره، فقد قلنا: إن معنى «تبارك» من البركة، وهي دوام الخير وكثرته، ولكن لا يلزم من تلك الزيادة سبق النقص -يعني: أن يكون قبل ذلك ناقصًا لا-، بل البركة زيادة في الخير وكثرة. قال: فإن المراد تجدد الكمالات الاختيارية التابعة لمشيئته وقدرته، فإنها تتجدد في ذاته على وفق حكمته، فالقلة عنها قبل اقتضاء الحكمة لها لا يعتبر نقصًا». ومر معنا فيما تقدم من كلام ابن القيم -رحمه الله- في «البدائع»: أن البركة من الله نوعان: منها ما هو خاص به، وهو الذي له فعل التبارك «تبارك»، ومنها ما يكون في خلقه، وهو وضع البركة في المخلوق الذي يجعل الله عز وجل فيه البركة. ومر معنا الكلام على ذلك. وقوله: «دوام الخير كثرته» كذلك «وثبوته»، وسيأتي -إن شاء الله- تنبيه عليه من كلامه. يعني: نقول: وهي دوام الخير كثرته وثبوته، كما أفاده ابن القيم -رحمه الله- في «جلاء الأفهام». فإن كما المعنى: البركة يثبت بإضافة لفظة الثبوت؛ لأن المقصود ليس هو فقط حصول الخير وكثرته من دون ثبوت، بل وبثبوت؛ لأن هذا معناه في اللغة وفي الشرع. واستدل له باستعمال اللغة، وأوجه استعمال لفظ البركة، فإنه فيه معنى الثبوت، ومنه: «بركة البعير» إذا ثبت واستقر، فكذلك معناه. وقوله: «فإن المراد تجدد الكمالات الاختيارية»، هذه -كما مر معنا- صفة كاشفة، لفظة «الاختيارية» صفة كاشفة، وليس معناه أن هناك اضطرارية، ولكن المراد أنها متعلقة بالمشيئة، كما مر وتقدم معناه. قال: «وقد فسر بعضهم التبارك بالثبات وعدم التغير، ومنه سميت البركة أو البركة؛ لثبوت مائها». وهو بعيد، والصحيح أنه ليس ببعيد، بل هو معنى يضاف، ليس معنى منفصل، هو معنى يضاف، فنقول: من معاني البركة دوام الخير وكثرته وثبوته. وهذا الذي رجح ابن القيم، والذي أشار إليه المؤلف -رحمه الله- ذكره أهل كتب التفسير، كالقرطبي، نقله عن جماعة. قال -رحمه الله تعالى-: «والمراد بالفرقان القرآن، سمي بذلك لقوة تفرقته بين الحق والباطل والهدى والضلال. والتعبير بـ «نزل» ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ﴾ قال: «والتعبير بـ «نزل» بالتشديد؛ لإفادة التدرج في النزول، وأنه لم ينزل جملة واحدة -يعني: لم ينزل جملة واحدة إلى النبي عليه الصلاة والسلام-، وإنما نزل مفرقًا. وفيه كذلك إثبات العلو لله عز وجل، على ما يليق بجلاله، مستو على عرشه». قال: «والمراد بعبده محمد صلى الله عليه وسلم، والتعبير عنه بلقب العبودية للتشريف، فهي من إضافة التشريف. ولهذا عبر به في مواضع المدح، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾، وقال: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾، وقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾، فدل على أنه للتشريف. وسبقت الإشارة إليه». قال: «وقوله: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾، ظهر...»، أنا عندي: «لِلْعَالَمِينَ»، لكن الآية: «لِلْعَالَمِينَ»، ليكون للعالمين نذيرًا. قال: «جمع «عالم»، وهو جمع لما يعقل. واختلف في المراد به، فقيل: الإنس، فقيل: الإنس والجن، وهو الصحيح؛ فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الجن أيضًا، وأنه يجتمع بهم ويقرأ عليهم القرآن، وأن منهم نفرًا أسلم حين سمع القرآن، وذهب ينذر قومه به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّتَقَضَى وَوَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾. والصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم رسالته للجن والإنس». ومن بلق: لينذركم به. ومن بلق: حتى الدواب تشهد برسالته عليه الصلاة والسلام، فكل شيء يشهد برسالته. وهذه الشهادة لا يستلزم أن يثبت عندنا شيء، لكن عند الله سبحانه وتعالى يثبت شيء، قد نعلمه، قد لا نعلمه. وهو ما ثبت من إثبات الرسالة له عليه الصلاة والسلام، ومنه: تسليم الحجر للنبي عليه الصلاة والسلام، فتسليم الحجر للنبي عليه الصلاة والسلام يدل أن رسالته ونذارته عمت الإنس والجن والجمادات. ومنه: البعير الذي خضع للنبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا أشياء كثيرة تدل على عموم رسالته عليه الصلاة والسلام. قال: «وأما قوله: «جمع» -يعني: يشمل الجن والإنس-، الصحيح أنه يشمل ما هو أعم من ذلك، فبعضهم ذكر أنه: كل ما سوى الله فهو «عالم»، كل ما سوى الله فهو «عالم»، لكن الجن والإنس يدخلون دخولًا أوليًا في ذلك». وقوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾، اللام فيه لام التعليل، وفيه دليل على تعليل أفعال الله سبحانه، وأنه لا يفعل الشيء إلا لعلة وحكمة، خلافًا للجبرية من جهمية وأشاعرة وغيرهم. وقد بيّن ابن القيم -رحمه الله تعالى- بكتابه العظيم «شفاء العليل»: أن الأدلة الدالة على التعليل وإثبات الحكمة في أفعال الله عز وجل أكثر من عشرة آلاف دليل؛ لأجل أن نعرف ضلال من ضل في هذا الباب أين كان. وقوله: «لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا»، الإنذار إنذار عام، مثل ما أشار إليه المؤلف -رحمه الله- في هذه الفقرة. ومنه: الإنذار الخاص، وهو التام الذي ينتفع به المندر، وذلك كقوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾، وهكذا كذلك: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾؛ لأجل أن نعلم أن الإنذار العام هو البلاغ، والإنذار الخاص هو الانتفاع بهذا البلاغ، الانتفاع بهذا البلاغ. قال: «والنذير والمندر هو من يعلم بالشيء، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذار، كل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذار. قال: «والنذير والمندر هو من يعلم بالشيء مع التخويف، وضده البشير أو المبشر، وهو من يخبر بما يسرك». طيب، نقف إلى هنا، ونكمل الباقي -إن شاء الله- في درس لاحق.