الدرس في مفيد المستفيد 16، الدرس السادس عشر:من( وتمام الكلام في هذا أن يقال:الكلام هنا في مسألتين ... لكن لم يجدوا بدا من الإقرار به لوضوحه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الشيخ ابن بريك كتاب شيخ الإسلام حول شرك العوام ودعائهم للصالحين، ويبين أن هذا الفعل شرك أكبر. يشرح شبهات المجادلين وردود العلماء عليها.
يعدد المقطع ثلاثة أسباب لإصرار الناس على أفعال شركية رغم معرفتهم بالدين: الاتباع لعلماء السوء، وإيثار الدنيا، والإعراض عن العلم. يشدد على أهمية التثبت في الحكم على الأفراد.
يتناول المقطعان مسألة طلب المدد من الرسول ومدى كفر من يفعل ذلك، ويشرح حكم الصلاة خلف من يجهل التوحيد. ينصح بترك الصلاة خلف من لم تقم عليه الحجة والبحث عن أهل السنة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد»: قال، وتمام الكلام في هذا أن يقال: الكلام هنا في مسألتين، الأولى أن يقال: هذا الذي يفعله كثير من العوام عند قبور الصالحين ومع كثير من الأحياء والأموات والجن، من التوجه إليهم ودعائهم لكشف الضر، والنذر لهم لأجل ذلك، هل هو الشرك الأكبر الذي فعله قوم نوح، ومن بعدهم إلى أن انتهى الأمر إلى قوم خاتم الرسل، قريش وغيرهم -يعني نبينا محمد عليه الصلاة والسلام- قال: فبعث الله الرسل، وأنزل الكتب، ينكر عليهم ذلك، ويكفرهم، ويأمر بقتالهم حتى يكون الدين كله لله؟ أم هذا شرك أصغر، وشرك المتقدمين غير هذا؟ قال: فاعلم أن الكلام في هذه المسألة سهل على من يسره الله عليه؛ بسبب أن علماء المشركين اليوم يقرون أنه الشرك الأكبر، ولا ينكرونه، إلا ما كان من مسيلمة الكذاب وأصحابه، كابن إسماعيل وابن خالد، مع تناقضهم في ذلك واضطرابهم، فأكثر أحوالهم يقرون أنه الشرك الأكبر، ولكن يعتذرون بأن أهله لم تبلغهم الدعوة، وتارة يقولون: لا يكفر إلا ما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وتارة يقولون: إنه شرك أصغر، وينسبونه لابن القيم في «المدارج»، كما تقدم، وتارة لا يذكرون شيئا من ذلك، بل يعظمون أهله وطريقتهم في الجملة، وأنهم خير أمة أخرجت للناس، وأنهم العلماء الذين يجب رد الأمر عند التنازع إليهم، وغير ذلك من الأقاويل المضطربة. و جواب هؤلاء كثير في الكتاب والسنة والإجماع، ومن أصرح ما يجابون به: إقرارهم في غالب الأوقات أن هذا هو الشرك الأكبر، خصوصا إذا عينت المسائل، إذا عينت المسائل لم يمكنهم أن يقولوا: أن هذا ليس بشرك أكبر، لكن ربما يتنصلون إذا ذكر لهم فاعلو هذه المسائل، قد يقولوا: نحن نقر أن دعاء غير الله شرك وكفر، لكن من الذي يدعو غير الله؟ ينكرون أن هؤلاء القوم يدعون غير الله، فهنا ينتقل من يناقشهم ويقيم الحجة عليهم ببيان أن هؤلاء يدعون غير الله. وهكذا قل في سائر ما يفعله عباد القبور، مما أشار إليه المؤلف رحمه الله فيما تقدم، وأكثر شبهة هؤلاء هو جدالهم بثلاثة أمور، الأمر الأول: يجادلون في كون الشرك الأكبر وقع من هؤلاء، فربما ذكروا أنهم لم يفعلوا ذلك، ويبين لهم بحقيقة واقع هؤلاء في أفعالهم وأقوالهم، في نثرهم وشعرهم، فإننا نجد من ذلك الشيء الكثير الذي يدل أنهم يدعونهم دعاء الله، بل أعظم من ذلك، يدعونهم كما يدعون الله، بل أعظم من ذلك، وفي كتب رؤوس أهل هذه الطرق الضالة من الكلام الصريح ما يدل على ذلك، وقد مر معنا بعضه في مواضع سابقة. وهكذا ثانيا: قد يتعللون بأن بعض هذه المسائل من الشرك الأصغر، الحمد لله، وقد ينسبونه إلى بعض العلماء، ولئمة، ويذكر لهم بما سبق: بأن ما نسب إلى هؤلاء كذب، وأن الغالب أن ما ادعوا أنه شرك أصغر هو شرك أكبر، ونقولات أهل العلم عن من نسبوا إليهم هذا القول تضاده، فضلا عن غيرهم، كما تقدم من كلام الشيخين، شيخ الإسلام، تلميذ بن القيم، وهكذا عن الأئمة الأربعة، وأتباع الأئمة من أهل المذاهب. وثالثا: قد يتعللون -وهذا أكثر ما يتلبسون به- أن هذه المجتمعات لم تقم عليها الحجة، ولم تطلع على كون هذا من الشرك، ويجاب عن ذلك بأمرين: الأمر الأول: التنبيه الذي سبق وتكرر من أن ليس كل مسائل الشرك لابد أن تقوم الحجة بالنقاش، بل بعضها يكفي في ذلك بلوغ القرآن، ومعرفة صاحبه لدين الإسلام، فمن بلغه القرآن وقرأه قامت عليه الحجة في المسائل الكبار المعلومة من الدين بالضرورة، كما تقدم معنا أمثلته. وأكثر ما يناقش هؤلاء هو في هذا النوع من المسائل ما هو معلوم من الدين بالضرورة، ومع ذلك تصر مجتمعات بأكملها على فعله، وأفراد وجماعات على فعله، فلا يقال في مثل ذلك: ما قامت الحجة؛ لأن من قرأ القرآن قامت عليه الحجة، ما أحد يعلم من المسلمين إلا أن يكون حديث عهد بإسلام -وهذا نادر قليل قد لا يوجد- أن السجود لغير الله ليس بشرك ولا كفر أبدا، ما من مسلم إلا ويعلم أنه لا يسجد إلا لله سبحانه وتعالى. وماذا يقال عن هؤلاء الذين يسجدون للقبور ويدعونها من دون الله سبحانه وتعالى؟ هل يحتاج هؤلاء إلى أن تقام عليهم الحجة على وجه الأفراد، فردا فردا، وشخصا شخصا، ودليلا دليلا؟ الجواب: لا، فما كان من جنس هذه المسألة ونظائرها مما هو معلوم من الدين بالضرورة، فإن من بلغه القرآن ودخل في دين الإسلام وعرف شيئا من أحكامه قامت عليه الحجة. فإن قال قائل: فما هو الذي جعل هؤلاء يستهونون هذا الباطل، وما علموا بفطرهم وقليل العلم معهم أنه شرك وكفر؟ الجواب: هو أحد خصال ثلاث، أولها: الاتباع لعلماء السوء والضلال، وليس هذا بناج لهم يوم القيامة، فإن أكثر شرك المشركين قديما وكفر الكافرين قديما كان من هذا الجنس، يصرون على متابعة رؤوس الضلال ولو بالباطل، مع علمهم أنه باطل، ومع ذلك ما نجى هؤلاء، وكم ذكر لنا ربنا جل وعلا جدال أهل النار بعضهم مع بعض في التابعين والمتبوعين. وهكذا كذلك الثاني: أن أكثر هؤلاء يسلك هذا المسلك تعيشا وإيثارا للدنيا، وإلا فهو يعلم أن هذا باطل، لكن يظن أنه لن يصل إلى ما يريد من الدنيا إلا بذلك، كحال بعض الناس في دولة القبورية -توجد دول القبورية يعني دينها دين قبوري- في أزمنة متفرقة وأمكنة متفرقة، وفي أوساط هذه الدول يوجد أناس يعلمون الحق، لكن من الذي جعلهم يتركون الحق الذي يعلمون؟ الدنيا، الدنيا الحقيرة الدانية، هذا يريد منصب، وهذا يريد مال، وهذا لا يريد خصومات، وغير ذلك. والثالث من هذه الخصال: أن بعض هؤلاء يكون عنده إعراض عن العلم، يعني عنده بصيص أن هذا باطل، لكن يشكك نفسه وفطرته وعلمه بأن ربما هؤلاء عندهم حجة، وربما هؤلاء عندهم وعندهم، فهذا معرض عن العلم الواجب عليه، إذا تبين له أن هذا باطل أن يفتش، لو شك دخل في قلبه شك، الواجب عليه أن يفتش؛ لأن الأمر خطير، إيمان أو كفر، توحيد أو شرك، جنة أو نار، فالواجب عليه أن يفتش ويحقق الأمر ويسأل، كما يفعل في الدنيا الكثير من الناس إذا شك في أمر الدنيا يفتش أو لا يفتش؟ يفتش، ما أحد يدخل في شيء من الدنيا ولا يفتش فيها. سبحان الله، لو أن أحدا أراد أن يبني بناء، فقيل له: أو شك وشعر في قلبه أن هذا البناء على خطأ على العلم القليل الذي معه، هل يترك الخطأ يمشي؟ ها، ما يترك الخطأ يمشي، يذهب ويفتش ويسأل ويحقق حتى يسلم له بناءه ولا يخسر الأموال الكثيرة، فكيف بأمر العقيدة وأمر الدين وأمر الإسلام؟ وما ثمرته جنة أو نار؟ ولهذا فجهل هؤلاء -لو قدر أن عندهم شيء من الجهل- هو من جهل الإعراض الذي يأخذ صاحبه عليه، ومع ذلك كله فإننا ينبغي أن نتواصى بالتأنف الحكم على الأفراد بأعيانهم بالكفر والشرك، فينبغي أن يرجع ذلك إلى العلماء حتى لا تكون فوضى. والنوع الثاني مما يفعل هؤلاء مما هو شرك وكفر هو من الخفي الذي لا تقوم الحجة في بلوغ القرآن ومعرفة دين الإسلام، بل لابد من مناقشة، كمسائل كثيرة من مسائل التوسل ونحوها مما قد يخفى دليلها وتكثر الشبه فيها، ومع ذلك فإن هؤلاء في الغالب قد أقيمت عليهم الحجج، في الغالب ليس دائما، لكن في الغالب أن هؤلاء قيمت عليهم الحجج. فإذا قولهم أن هذا خاص بمن كان مع النبي عليه الصلاة والسلام أو في زمنه باطل، بل يوجد بعده من هو مشرك ووقع في الشرك، ولو قلنا فقط أنه من قامت عليه الحجة لكان هذا كافيا في تسمية بعض الفاعلين أنهم من المشركين، ولم يكن هذا من تكفير المجتمعات كما يزعمون أبدا، فإن الكفر لفاعل الكفر حق وعدل، ولغير فاعله ظلم وجور. والمسلم ينبغي أن يكون في هذا الباب وسط، لا يلغي من القاموس شيء اسمه كفر وشرك كما يريد بعض المرجئة، وهكذا كذلك بعض الدنيويين يريد أن يلغي كلمة كفر ورده من بين المسلمين، وهذا خطأ، المسلم قد يكفر، أدلة الكتاب والسنة متوافرة في هذا المعنى، فإن المسلم قد يرتد والعياذ بالله، يصير ملحدا أو يهوديا أو نصرانيا أو مشركا، من هو المشرك؟ من هو اليهودي؟ من هو النصراني؟ من قام بخصال ذاك الدين، فمن قام بخصال دين اليهودية فهو يهودي، ومن قام بخصال دين النصارى فهو نصراني، ومن قام بخصال دين المشركين فهو مشرك، لم ينفعه إسلامه. وهكذا ينبغي أن يستقر هذا المعنى، لكن ليس هذا لكل أحد، هذا للعلماء الراسخين حتى لا ينفلت الأمر وتكون الفوضى، وأمر آخر أن طرف آخر ربما يرمي المجتمع بالكفر بما لا يجوز أن يرمى به، أو يرمى الأفراد بما لا يجوز أن يرمى به، وهم الخوارج وأفراخهم قديما وحديثا، وأهل السنة بهذا وسط. قال رحمه الله تعالى: فمن أحسن ما يزيل الإشكال فيها ويزيد المؤمن يقينا ما جرى من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والعلماء بعدهم فيمن انتسب إلى الإسلام، كما ذكر أنه صلى الله عليه وسلم بعث البراء ومعه الراية إلى رجل تزوج امرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله، ومثل غزو بني المصطلق لما قيل أنهم منعوا الزكاة، ومثل قتال الصديق وأصحابه لمانع الزكاة وسبي دراريهم وغنيمة أموالهم وتسميتهم مرتدين، ومثل إجماع الصحابة في زمن عمر على تكفير قدامة بن مظعون وأصحابه إن لم يتوبوا. قال رحمه الله تعالى: وجواب هؤلاء كثير في الكتاب والسنة والإجماع، ومن أصرح ما يجابون به إقرار في غالب الأوقات أن هذا هو الشرك الأكبر، وهذا مضى، وأيضا إقرار غيرهم من علماء الأكثر -يعني قديما وحديثا- وقد مر معنا بعض كلامهم، ونقل العلماء من هذا كثير، مر معنا في رسائل سابقة قرأناها، شيء من نقولات العلماء في ذلك. قال: مع أن أكثرهم قد دخل في الشرك وجاهد أهل التوحيد، لكن لم يجدوا بدا من الإقرار به، لوبوحه وقتالهم لأهل التوحيد قد يكون لدنيا ولغيره، ولهذا ليس كل من قاتل أهل التوحيد فهو مرتد ومشرك وكافر، وقد مر معنا فيما تقدم أن لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تفصيلا في بعض كتبه في قتال المسلم مع الكافر أو المشرك ضد المسلمين. فإن كان ذلك حبا في دين الكافر أو المشرك وبغضا لدين المسلم أو الموحد فهذه ردة وكفر وشرك، أو كان ليس حبا وإنما لدنيا مع علمه وتيقنه أن الكافر أو المشرك إذا تمكن من المسلم والموحد أقام الشرك والكفر وأخضع الإسلام والتوحيد وهو يعلم أن هذا حق، فإنه كذلك يكون كافرا مشركا مرتدا. أما إذا كان لأجل دنيا وهو لا يعلم بالعاقبة ولكن طمعه في الدنيا والملك أعمى بصره وبصيرته عن العاقبة، أو كان لدنيا مع ظنه -وهذا من باب أولى- أنه لن يكون غلبه للباطل على الحق والشرك على التوحيد وكفر على الإسلام، كحال بعض الملوك المغفلين والأتباع السذج، فهؤلاء عصاة فجرة لكنهم ليسوا بكفار، ليسوا بكفار، وهذا تفصيل دقيق أشار إليه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في بعض كتبه ومر معنا في دروس سابقة. قال رحمه الله تعالى: المسألة الثانية... هذا نتركه إن شاء الله إلى الدرس اللاحق. إلى هنا والله تعالى أعلم. هذا سائل يقول: بعض الناس -أو هذا السؤال هذا قديم- يقول: عندنا صوفية يقولون في ليلة رمضان في مكبرات الصوت: «المدد يا رسول الله»، فما حكم الصلاة خلف هؤلاء؟ وجزاكم الله خيرا. هؤلاء ليسوا سواء، فمنهم من يظن أن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو لهم الله سبحانه وتعالى، ومنهم من يعلم خلاف ذلك، فإذا منهم من قد يكون قد وقع في الشرك الأكبر، ومنهم من يكون لا، فلذلك يناصح هؤلاء، فإن ظننت أن الحجة قد قامت عليهم فلا تصلي خلفهم، وإن تركتهم فهذا الأحوط لدينك. والواجب عليك أن تبحث عن أهل السنة والتوحيد، ولو بعد الرجل يبحث من بلاد إلى بلاد عن أهل التوحيد والسنة، وأنت في بلدة واحدة ومدينة واحدة، فاحرص بارك الله فيك وأنت في بلدة.