تفسير سورة الممتحنة من تفسير الجلالين 6

تفسير سورة الممتحنة من تفسير الجلالين 6

الدرس في تفسير سورة الممتحنة من تفسير الجلالين 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

بيعة النساء وأحكامها

تتناول الآيات بيعة النساء على الطاعة وعدم الإشراك بالله، وتأكيدًا على إخلاص هجرة النساء لله. كما تشير إلى تحريم تولي قوم غضب الله عليهم.

كيفية مبايعة النساء للنبي

شرح لبيعة النساء للنبي بالقول دون المصافحة، وتحريم مصافحة النساء لمنع الفتنة، مع ذكر أمثلة على تحذير العلماء من فتنة النساء.

تحذير من مخالفة سنة الرسول

يجب عدم مخالفة شرع الله وسنة رسوله، لأن من لم يعمل بعلمه استحق غضب الله، والإيمان باليوم الآخر يقتضي الاستعداد له.

أهمية الصلاة على النبي

المقطع يشير إلى أمر إسلامي متعلق بالصلاة على النبي محمد وصحبه والتسليم عليه، ويبين أهمية هذه العبادة.

التفريغ النصي الكامل

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَتْكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾، قال المفسر رحمه الله: «يا أيها النبي إذا جاءت المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن كما كان يفعل في الجاهلية من وأد البنات، أي دفنهن أحياء خوف العار والفقر، ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن، أي بولد ملقوط ينسبنه إلى الزوج ووصف بصفة الولد الحقيقي، فإن الأم إذا وضعته سقط بين يديها ورجليها، ولا يعصينك في فعل معروف، هو ما وافق طاعة الله، كترك النياحة وتمزيق الثياب وجز الشعور وشق الجيب وخمش الوجه، فبايعهن، فعلى ذلك صلى الله عليه وسلم بالقول ولم يصافح واحدة منهن، واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم»، «يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قومًا غضب الله عليهم هم اليهود، كما يئسوا من الآخرة من ثوابها مع إيقانهم بها لعنادهم النبي مع علمهم بصدقه، كما يئس الكفار الكائنون من أصحاب القبور، أي المقبورين من خير الآخرة، إذ تعرض عليهم مقاعدهم من الجنة لو كانوا آمنوا وما يصيرون إليه من النار». بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذه الآيات من سورة الممتحنة في آخرها، وفيها تتمة ما سبق الكلام عليه من أمر المؤمنات المهاجرات، وما وقع من أحكام وترتبت عليه من مسائل، ومن ذلك مبايعة هؤلاء المهاجرات بأمر من الله سبحانه وتعالى، فقد أمر الله عز وجل نبيه بمبايعتهم تأكيدًا على إخلاص هذه الهجرة لله سبحانه وتعالى، وأنهن يصرحن لهذا الاختصاص والاستيفاء، وكما تقدم معنا أن الإسلام استفى للمؤمنات المهاجرات أحكامًا ليس كسائر كل مهاجر، وهذا الاستيفاء والاختصاص والاستثناء، وخصوصًا بعدما كان من عهد وميثاق وصلح بين المؤمنين والمشركين، كان مثل هذه الشروط والقيود لأجل أن لا يدخل في هؤلاء المهاجرات من لا يستحق هذه التضحية وهذا العطاء وهذا الاستثناء، ومن ذلك هذه البيعة التي بايع فيها النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء المهاجرات، وأول هذه البيعة البيعة على التوحيد، وفيه عظيم منزلة التوحيد وخطر الشرك حتى يعلم أنهن ما خرجن إلا لله سبحانه وتعالى ورغبة بالقيام بعبادته وتوحيده، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، وهذا خبر أريد به الإنشاء، ظاهره الخبر والمقصود منه الإنشاء، أي أيها النبي بايع هؤلاء المؤمنات ألا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن، قال: كما كان يفعل في الجاهلية من وأد البنات، أي دفنهن أحياء خوف العار والفقر، هذا أحد المطلوب من المبايعة، فالمبايعة فيها المذكور في الآية وغيره مما جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك عدم الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والنياح بنياحة الجاهلية، وقوله: «ولا يسرقن ولا يزنين»، هذا من ذكر البعض والمراد به الكل، أي أن يلتزمن بالطاعة التي تبرهن على الإيمان، وبذلك أخذ أهل العلم أن مثل هذه الخصال ونظائرها تقدح في الإيمان والشهادة، وقوله سبحانه: «ولا يزنين»، لما تلت هذه الآية على بعض المهاجرات مسكت على رأسها حتى قالت: أو تفعله حرة، ومعناه: وهن في الجاهلية كن يعظمن فعل الزنا، فأمره عظيم، وكان الزنا في زمن الجاهلية على عشرة أضرب، يعني على أوجه كثيرة، وذكر الرقم عشرة من باب الكثرة لا من باب التعيين، وذكرت عائشة رضي الله عنها وأرضاها في حديثها عددًا من هذه الصور، فهي كثيرة، ولكن هذا الكثير كان يغلب في الأعراب وفي غير الأحرار، وأما الأحرار ممن ساكن المدن، فالغالب لا ينتشر فيهم مثل هذا، وإنما هو عند طوائف، ولهذا استنكرت بعض المهاجرات البيعة على مثل هذا، ولكن امتثالًا لأمر الله عز وجل بايعن النساء ما طلب منهن، وقوله سبحانه: «ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن»، قال: أي بولد ملقوط ينسبنه إلى الزوج ووصف بوصف الولد الحقيقي، فإن الأم إذا وضعته سقط بين يديها ورجليها، يعني الولد الحقيقي إذا ولدت به خرج بين الرجلين وحملته بين اليدين، فيكون النهي أن تفتري بولد فتنسبه لنفسها وزوجها باللقطة، وهذا لا يجوز في الإسلام، والصحيح أن هذا وإن كان رواية عن بعض السلف في تفسير الآية، لكنه تفسير ببعض المعنى، فالمقصود ما هو أوسع من ذلك، أي أن لا يفترين لا بولد، سواء أكان ولدًا ملقوطًا أو كذلك بالتبني أو كذلك بالزنى، فإنها قد تكذب على زوجها فتحمل من غيره وتنسبه إليه، وهذا من أعظم الكبائر، أو كذلك أن يفترين بأي عمل فيه افتراء، فتفتري تهمة على أحد، كأن ترمي أحدًا بفاحشة، أو كذلك بكذب وفجور في شيء فعله ولم يفعله، ونحو ذلك، أو كذلك افتراء قولي بأن تفتري كذبًا، فتكون ممن يشيع الفاحشة والكذب في المجتمع، فالكاذب كذلك قدح في إيمانه وسقوط في العدالة، فكل افتراء قولي أو فعلي يدخل في هذا المعنى، ولهذا جاء عن بعض أهل التفسير «بين أيديهن» من القول والفعل باليدين، و«بين أرجلهن» من المشي والسعي، وكذلك نسبة الولد والزنا بالولد من غير الزوج ونحو ذلك، فكله يدخل في معنى الافتراء، وهذا أصح، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ذلك مما يدخل في الآية وينهى عنه ويقدح في الإيمان، ولا تقبل به الشهادة، «ولا يعصينك في معروف»، قال: في فعل معروف، والمعنى لا يتأخرن عما هو من خصال الإيمان، فالتأخر عن ذلك والمقصود به الواجبات يقدح في الإيمان ويقدح في الشهادة، بل نص بعض أهل العلم أن بعض السنن المؤكدة كذلك تقدح في الإيمان وتقدح في الشهادة، كما روي عن إمام أحمد رحمه الله فيمن لازم ترك الوتر أن ذلك يقدح في شهادته ويقدح في أمانته، ونص بعض أهل التفسير وأهل العلم على خصال أخرى، والصحيح في هذا أن المقصود الواجبات، وأما ما زاد عن الواجبات فهو بحسبه، وقوله رحمه الله: هو ما وافق طاعة الله، كترك النياحة، هذا من المحرمات، وهذا من المحرمات والمنهيات، فيكون دخوله من باب الضد، والمقصود هنا الواجبات وما قبله المحرمات، قال: وتمزيق الثياب وجز الشعور وشق الجيوب وخمش الوجه، وهذا الذي جاء فيه النص كما تقدم معنا عن النياحة والصياح بصياح الجاهلية، فيكون المقصود أن لا يفعل شيء ينافي الإسلام لا قولًا ولا فعلًا، ومن ذلك الامتثال بالواجبات وترك المحرمات، وهذا هو أعم، «فبايعهن»، قال: فعل ذلك صلى الله عليه وسلم بالقول ولم يصافح واحدة منهن، وتقدم معنا الكلام على هذا في حديث عائشة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بايع من أقرت بهذه الشروط بقوله، وقال: «إنما بيعتي لإحدى كن كبيعتي لمئة»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وقال: «إني لا أصافح النساء»، يعني لا يبايع بمصافحة النساء، وذلك سدًا لفتنة النساء، ولأنه إمام وقدوة المؤمنين، وقد قال الله عز وجل: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، ولهذا جاءت الأحاديث الأخرى بتحريم مصافحة النساء، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أن يطعن أحدكم بمخيط في رأسه خير له من أن يمس يد امرأة لا تحل له»، وعناد ومجادلة بعض الناس بتحميل هذه الأحاديث بالتكلف، فيقال: هذا لمن كان في قلبه شيء، أما إذا لم يكن في القلب شيء وكان القلب طاهرًا فلا حرج في ذلك، وهذا من التدليس، ثم استثنوا كذبًا وزورًا الكبير في السن أو الكبيرة في السن أو الكبير في المقام، فيقولون: يجوز كذبًا وزورًا على دين الله أن يصافح الشاب الكبيرة أو الكبير في السن الشاب أو الكبيرة في السن الكبير في السن والعكس، أو الكبير في المقام الذي ينزه كما زعم أن يطمع قلبه أو يفتتن قلبه بأي امرأة، وهذا من الكذب، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو الكبير في كل شيء يقول عن نفسه: «إني لا أصافح النساء»، ويقول: «بيعتي لإحدى كن»، أي بالقول كبيعتي لمئة، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة، فكيف يدعي أحد أنه يجوز لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم مهما بلغ في الكبر حسًا ومعنى أنه يجوز له ما لا يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم، ما أن الصحيح لا يسلم من فتنة النساء أحد حتى ولو كان كبيرًا في السن، فهذا سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى، وهو إمام التابعين في زمانه، يقول عن نفسه وقد بلغ من السن عتيًا: «لأن أؤتمن على مال الأرض لوجدت نفسي لذلك أمينًا، ولو أؤتمنت على امرأة أو قال جارية سوداء لخفت على نفسي من ذلك»، أو كما قال رحمه الله، وإنما أراد بذلك أن يبين عظيم خطر فتنة النساء وأنه ينبغي أن يسد ويغلق هذا الباب، وهذا الشيخ الألباني رحمه الله تعالى يقول عن نفسه في بعض مجالسه كذلك، تأكيدًا على فتنة النساء واستطرادًا في ذكره لما جاء الإسلام به في تحريم فتنة النساء وإغلاق كل فتنة توصل إلى فتنة النساء، وردًا على من ادعى التفريق بين الكبير والصغير، يقول رحمه الله تعالى: «إني في الثمانين ومع ذلك فلا أأمن على نفسي من فتنة النساء»، وهو في الثمانين من عمره رحمه الله تعالى، هذا هو كلام المنصفين الصادقين، فينبغي أن يحذر من تلك المقولات الكاذبة التي افتروها فيها افتراء على دين الله عز وجل في مثل هذه الدعاوى، وأعظم من هذا الخلط، خلط الرجال بالنساء، خلط الرجال بالنساء بحجة أن القلوب طاهرة، والصحيح أن القلوب إذا طهرت لم تتجاسر على فعل ما نهى الله عز وجل عنه، ولا التجاسر على مخالفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل القلوب إذا طهرت كانت الجوارح والأحوال لهذا الإنسان تدل على هذه الطهارة بعفتها وبحيائها وببعدها عن مواضع الشبهات، وكل عاقل ومنصف يعرف أن هذا الذي يقترب من النساء الأجنبيات في قلبه مرض، ولهذا أمر الله عز وجل بالحجاب لأجل ماذا؟ ألا يطمع الذي في قلبه مرض، سدًا لهذا الباب، لأن هذا الباب إذا تسهل فيه إنفتح باب المرض على المرضى، فيجد المريض الوسيلة، ولذلك تجد المرأة المحجبة التي تمشي لا يطمع فيها أبعاد المرض، والمرأة المتبرجة أو الذي في حجابها تبرج يطمع فيها، لأن الحجاب علامة العفة، والتساهل بالحجاب علامة عدم العفة، كأنها تقول: تعالوا إلي فإني فتحت لكم الباب، وهكذا كذلك كل باب أغلقه الإسلام، إنما أراد بذلك إغلاق باب الفتنة، من عدم الخلوة بالنساء، ومن عدم مصافحة النساء، ومن عدم التساهل في الحديث مع النساء، كل هذا سدًا لباب الفتنة، ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، لماذا؟ لأن في هذا طهرة للقلوب وسلامة ألا يقع أحد في الفتنة، فالحاصل من هذا كله: لا يجوز الاعتراض على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لمثل هذه الدعاوى الكاذبة، وقوله رحمه الله تعالى: «غضب الله عليه»، قال: هم اليهود، وهذا صحيح، فأول السورة يدل على ذلك، ولكنه كذلك لا يمنع دخول من شابه اليهود في أقوالهم وأفعالهم، فيكون المقصود الوصف للجنس، وهذا هو الصحيح بتفسير هذه الآية، فالمقصود بالآية اليهود ومن شابههم ممن فعلوا أسباب غضب الله عز وجل، وأعظمها عدم العمل بالعلم، فكل من لم يعمل بعلمه فهو شابه اليهود واستحق غضب الله سبحانه وتعالى، وقوله: «قد يئس من الآخرة»، يعني بأعمالهم، وإن كان اليهود حقيقة يعتقدون البعث والنشور، وفي حديث عائشة في قصة اليهودية التي جاءت فأخبرتها بمعنى ذلك، فسألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم، لأن عائشة ما كانت تعلم كل العلم، كانت صغيرة، وكان أهل الجاهلية على هذه العقيدة، وهي عدم البعث والنشور، فبين النبي صلى الله عليه وسلم لها صدق قول اليهودية، والحديث الصحيح، والمقصود ها هنا: أن كل من لم يعمل بعلمه فكان عمله يدل على كأنه لا يبعث يوم القيامة، وإلا لو كان يعتقد أنه يبعث يوم القيامة، لماذا لم يلزمه ذلك أن يخاف من ذلك اليوم، وأن يبتعد عن هذه المواضع التي فيها غضب الرب سبحانه وتعالى، وفي هذا التحذير لكل من علم شيئًا من العلم أن يعمل به، وأنه إذا لم يعمل به فقد شابه اليهود، وصار عنده ضعف في الإيمان باليوم الآخر، وهذا من مواضع ضعف الإيمان، وهكذا قوله سبحانه: ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾، قال: الكائنون، وفسر بتفسيرين: تفسير الأول: يأس الكفار الأحياء من عودة أصحاب القبور على عقيدتهم في البعث والنشور، ويأس الأموات من المقبورين في ظنهم العودة والرجوع إلى الأحياء، وهذا التفسيران كلاهما رواية عن عدد من السلف من الصحابة والتابعين، وكلاهما مقصود، وهذه عقيدة المشركين، وأما أهل الإيمان وأهل اتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولو كانوا من أهل الكتاب، فهم يعلمون أن هناك بعث ونشور ويوم آخر يحاسب فيه الناس على أعمالهم، فالواجب من كان من أهل الكتاب أن يعمل بما علم، ومن ذلك الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وقبول رسالته والعمل بشرعه ودينه، وهكذا من باب أولى كل من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يعمل بمقتضى هذا العلم لتصديقه وبرهانه بخصال الإيمان، وإلا فكان في إيمانه ضعف، لأن من أركان الإيمان الستة الإيمان باليوم الآخر، ومن لم يعمل بعلمه كان في إيمانه باليوم الآخر ضعف، فإن مقتضى الإيمان باليوم الآخر أن يستعد لذلك اليوم، وأن لا يفعل ما يغضب الله سبحانه وتعالى، فيشابه اليهود في فعلهم سبب غضب الله وضعف إيمانهم باليوم الآخر، أو يشابه المشركين الذين لا يؤمنون باليوم الآخر، وأهل الإيمان ليسوا كذلك، فتكون الآية فيها رد على اليهود والمشركين الذين جاء ذكرهم في أول السورة، وهذا من حسن ختام هذه السورة، ويكون في الآية تخويف للمؤمنات المهاجرات اللاتي بايعن أن يمتثلن بهذه المبايعة ويعملن بها، ويكون كذلك فيه خطاب للمؤمنين الذين طلب منهم أداء ما يجب في حق هذه البيعة، وأداء ما يجب كأول في السورة في معاملة اليهود وأمثالهم والمشركين، ومن ذلك عدم موالاتهم ومحبتهم، والبراءة منهم، وما طلب بعد ذلك من العدل والإنصاف في معاملتهم، والتفريق بين الظالم وغيره منهم، والعمل بكل هذا الدين عمومًا، نكتب بهذا القدر إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.