الدرس في شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 27، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يشرح المقطع حديث عائشة عن صيام النبي صلى الله عليه وسلم في شعبان، مبيناً أنه كان يكثر من صيامه دون إتمامه كله مراعاة للأحوال والأشغال. ويستخلص أن العمل المفضول قد يكون فاضلاً بحسب الظروف، وعلى المسلم الاقتداء بالنبي في الموازنة بين العبادات والمسؤوليات.
يبيّن المقطع أن طلب العلم مقدم على صوم التطوع إذا أضعف البدن مستدلاً بفعل ابن مسعود، ويستعرض هدي النبي في الصوم حيث لم يكمل شهراً سوى رمضان وأكثر من صوم شعبان. يذكر العلماء حكم الإكثار من صوم شعبان منها غفلة الناس عنه بين رجب ورمضان، وكونه بمنزلة السنن الرواتب للفريضة، وتدريباً وتأهباً لصوم رمضان.
يبين المقطع ضعف حديث النهي عن صوم النصف الثاني من شعبان ويؤكد جواز الصوم فيه، ويصف هدي النبي في التنويع بين الصوم والإفطار وتهجده في أوقات متفرقة من الليل، مع النهي عن صوم شهر كامل غير رمضان ووجوب الاتباع في فعله وتركه.
يوضح المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يختلف في توقيت صيامه التطوعي بين أول الشهر ووسطه وآخره، كما كان يكثر من قيام الليل، ثم يختم المتحدث الدرس بالاكتفاء بهذا القدر والحمد لله.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم لكم شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني، رحمه الله تعالى. أما بعد، فيقول الإمام البخاري رحمه الله: «باب صومي شعبان». قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم. وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيت أكثر صياما منه في شعبان. قال أيضا: حدثنا معاذ بن فضالة، قال: حدثنا هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، أن عائشة رضي الله عنها حدثته قالت: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرا أكثر من شعبان، وكان يصوم شعبان كله، وكان يقول: «خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا». وكانت أحب الصلاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما داوم عليها صاحبه، وإن قل. وكان إذا صلى صلاة داوم عليها. هذا الباب عقد المصنف رحمه الله لمشروعية الإكثار من صوم شعبان، فإنه هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر من صوم شعبان. كان لا يصوم شعبان كله، ولكن كان أكثر صيام شهر شعبان، كان يصوم أكثر شعبان، أكثر أيام شعبان. ففي هذا الحديث، حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم. هذا مطلقا، كان يصوم أي صوم التطوع، ليس صوم الفريضة، لا نقصد بحديث عائشة. كان يصوم حتى نقول لا يفطر، أي كان يكثر من التطوع، يسرد على الأيام سردا، يصوم ويصوم ويصوم، ويتابع الصوم حتى ينظر إليه الناظر فيظن أنه لا يفطر. ثم يفطر، مثلا يسرد خمس عشرة يوما، فيظن الناظر أنه سيكمل صيام الشهر سردا، فيأتي في اليوم السادس عشر فيفطر. كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ثم يفطر، يكثر من الإفطار، يفطر ويفطر ويسرد الفطر حتى يظن الظان أنه لن يصوم في هذا الشهر، ففي اليوم العشرين يصوم. هذا معنى قول عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم. وهذا راجع إلى أحواله وإشغاله وأعماله عليه الصلاة والسلام، فكان إذا وجد فرصة وفراغا لعبادة الصوم، فإنه يتفرغ لهذه ويكثر منها، وكان إذا شغل بأمور المسلمين - لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر إمام المسلمين وقائد المسلمين، وهو القائم بأعمال وحاجات المسلمين - تطرأ له أعمال وأشغال وأحوال، يرى أن تقديمها غير الصوم أفضل من انشغاله بعبادة الصوم، فكان يترك الصوم سردا. وأحيانا يجد فراغا فيكثر من الصوم. وهذا فيه أن على المسلم أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وأنه يراعي الأحوال، ويراعي الأعمال والأشغال، ويراعي الظروف التي يمر بها. فهذا كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فمتى ما وجد الإنسان فراغا وإقبالا ونشاطا على عبادة من العبادات، فتكون فاضلة في ذلك الوقت، ومتى ما رأى نفسه منغمسا في عبادة أخرى، فتكون هذه العبادة الأخرى هي الفاضلة في ذلك الوقت. فقاعدة عند العلماء: أن العمل المفضول قد يكون فاضلا لأمور تعتريه. العمل المفضول قد يكون فاضلا لأمور تعتريه. مثلا كما ذكر: طالب العلم إذا كان يجد من التعب والفتور والكسل والخمول إذا انشغل بعبادة الصوم، فإنشغاله بطلب العلم أفضل من انشغاله بالصوم، لأن نفع طلب العلم متعد، بخلاف نفع الصوم فإنه قاصر. ولهذا روي سعيد بن منصور بسند صحيح عن ابن مسعود أنه قيل له: إنا نراك تقل من الصوم، قال: أخاف أن يضعفني عن قراءة القرآن، والقراءة أحب إلي. فالإنسان يروض نفسه ويسوس نفسه، كلما وجد من نفسه نشاطا لعبادة وانشغالا عن عبادة أخرى، وما هو في عبادة الله فإنه مأجور. وهذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم، كان يسرد الصوم حتى يظن الظان أنه لا يفطر في هذا الشهر، وكل مراعاة للأحوال والأشغال والأعمال والعيارض والعيارض والعيارض التي تكون، والأمور التي تبهروا. وقالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان. فيه أن السنة أن الإنسان لا يكمل صيام شهر غير رمضان. إذا أحب وكثر من صوم المحرم، لكن السنة أنه لا يكمل صوم المحرم. إذا أحب، ويصوم النبي... (نص غير واضح في الأصل: "ويسول النبي so will sheiles晚上")، لكن السنة أنه لا يكمل صوم شهر رمضان. وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر... (نص غير واضح: "caution الا رمضان")، وما رأيت أكثر صياما منه في شعبان. كان بعد رمضان يكثر عليه الصلاة والسلام من صوم شعبان. أما رمضان فكان صومه كله. مع رمضان، شعبان الذي يأتي بالمرتبة الثانية بعد رمضان في كثرة الصوم. كان شهر رمضان هو الشهر الذي كان عليه الصلاة والسلام يكثر من صيامه أكثر من صومه في المحرم، مع أنه عليه الصلاة والسلام قال: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل». ومع ذلك لم ينقل عنه عليه الصلاة والسلام أنه أكثر من صوم المحرم، هل لأنه كان ينشغل بأمور، أو أنه لم يعرف، أو لم يخبر عليه الصلاة والسلام بفضيلة صوم المحرم إلا في آخر عمره؟ ذكر أهل العلم أقوالا. لكن كان عليه الصلاة والسلام يكثر من صوم شعبان، هذا الذي أراده المصنف رحمه الله بهذه الترجمة: مشروعية الإكثار من صوم شعبان. ما هي الحكمة في ذلك؟ ذكروا أقوالا: منها أنه شهر يغفل الناس عنه بين شهرين عظيمين، بين شهر رجب وبين شهر رمضان، شهر يغفل الناس فيه عن الصيام، فكان عليه الصلاة والسلام يكثر من الصوم في هذا الشهر، شعبان. ومنهم من قال: إنه كان يكثر عليه الصلاة والسلام من صيام شعبان لأنه بمنزلة الراتبة للفريضة، كما أن الصلاة لها رواتب، مثلا الظهر لها أربع قبلها وركعتان بعدها، فهكذا شهر رمضان الفرض له رواتب، فيستحب الإكثار من صوم شعبان قبل رمضان، واستحب صوم الست من شوال بعد رمضان. ومنهم من قال: من باب الدخول في عبادة الفرض على جد، فإن الإنسان إذا كان غافلا عن الصوم وفجأة يدخل شهر رمضان، احتاج أن يبقى أياما يروض نفسه على التلذذ بهذه العبادة والانشغال بالعبادات الأخرى، فمن أكثر من الصوم قبل رمضان، فإنه ما يدخل عليه رمضان إلا وقد تمرن واعتاد وتهيأ لصوم الفرض على أحسن الوجوه وأكملها. فذُكرت أقوال، فيستحب صيام شعبان والإكثار منه. قال في الحديث الآخر: قالت عائشة رضي الله عنها: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرا أكثر من شعبان، وكان يصوم شعبان كله. كله يحمل على أكثره، فإنه جاء في بعض الروايات: كان يصوم شعبان إلا قليلا. وهذا فيه بيان ضعف الحديث المروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموه». هذا حديث ضعيف عند أئمة الحديث. «إذا انتصف شعبان فلا تصوموه» لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل لا بأس بالصوم في شعبان ولو كان بعد النصف. وكان يقول: «خذوا من العمل ما تطيقون». هذا سيأتي. ثم قال المصنف رحمه الله: «باب ما يذكر من صوم النبي صلى الله عليه وسلم وإفطاره». قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أن لا يفطر منه شيئا. وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصليا إلا رأيته، ولا نائما إلا رأيته. وقال سليمان، عن حميد، أنه سأل أنسا في الصوم. حدثني محمد، قال: أخبرني أبو خالد الأحمر، قال: أخبرنا حميد، قال: سألت أنسا رضي الله عنه عن صيام النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما كنت أحب أن أراه من الشهر صائما إلا رأيته، ولا مفطرا إلا رأيته، ولا من الليل قائما إلا رأيته، ولا نائما إلا رأيته. ولا لمست حريرا ولا ديباجة ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت مسكا ولا عنبرة أطيب رائحة من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هنا ذكر الحديث المتقدم مع بعض الزيادة. قوله: ابن عباس... (النص الأصلي يذكر ابن عباس لكن السند يشير لأنس، والسياق يشير لحديث أنس المذكور أعلاه، وسأبقي النص كما ورد مع تصحيح السياق): ما صام النبي صلى الله عليه وسلم شهرا كاملا قط غير رمضان. يوجد حديث عائشة المتقدم، فالسنة أن الإنسان لا يصوم شهرا كاملا غير شهر رمضان، ولو وجد رغبة ونشاطا، فهذا خلاف السنة. فأنت تتبع النبي صلى الله عليه وسلم في فعله وفي تركه، وفي قوله. الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم لا يكون في الفعل فقط، لا تتبعه في الفعل وأيضا في الترك، تفعل ما فعل وتترك ما ترك، إلا ما كان في باب الخصائص، إلا ما كان من باب الخصائص. قال: أو قال: حدث... حديث أنس الذي بعده: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نظن أن لا يفطر، ويفطر حتى نظن أن لا يصوم. هذا متقدم. وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصليا إلا رأيته، ولا نائما إلا رأيته. لهذا: ما تشاء أن تراه من الليل مصليا إلا رأيته، ولا نائما إلا رأيته. ما معنى هذا؟ معناه أنه عليه صلوات الله وسلامه كان يتنقل في تهجده في الليل، طارة يصليه من أول الليل، وتارة في وسطه، وتارة في آخره. فأحيانا إذا استيقظت... إذا استيقظ أصحاب النبي من أول الليل يراه يصلي، وتارة يوجدون من وسط الليل فيروه يصلي، وتارة يوجدون من آخر الليل فيروه يصلي، لأنه كان عليه الصلاة والسلام يتنقل بتهجده من أول الليل وأوسطه وآخره. هذا معنى. ليس معناه أنه كان يصلي الليل كله، فلم يكن من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أنه يصلي الليل كله. وأيضا الحديث الذي بعده حديث أنس: ما كنت أحب أن أرى من الشهر صائما إلا رأيته، ولا مفطرا إلا رأيته. يعني هذا الذي قبله: كان تارة يجتهد في الصيام من أول الشهر، وتارة في وسطه، وتارة في آخره. قال: ولا من الليل قائما إلا رأيته، بمعنى ما تقدم. نكتفي بهذا القدر، والحمد لله.