الدرس في شرح الأصول الثلاثة 4، الدرس الرابع : (15 جمادى الآخر 1431هـ) (اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة ... فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذاً وبيلاً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ على وجوب تعلم كل مسلم ثلاث مسائل أساسية تتعلق بخلق الله وإرسال الرسول وجزاء الطاعة والعصيان. يشدد على أهمية العلم العيني الذي لا يسع المسلم جهله.
يُناقش غاية خلق الله للخلق وعبادتهم له، مشيرًا إلى إرسال الرسل وأنزل الكتب وجزاء الطاعة والعصيان. يُؤكد على فهم معاني الربوبية والألوهية.
يشرح أهمية إرسال الله للرسل كهداية للناس، مستشهدًا بآيات قرآنية لتوضيح عاقبة من يعصي رسل الله. يُبين أن العبادة تشمل كل ما يحبه الله.
يؤكد على أهمية الإخلاص لله في جميع الأعمال مستشهدًا بآية قرآنية. يُنهي بالصلاة على النبي محمد.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال رحمه الله تعالى: اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلموا ثلاث هذه المسائل والعمل بها. الأولى: أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملا، بل أرسل إلينا رسولا، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار. والدليل قوله تعالى: ﴿إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا﴾. يشير رحمه الله تعالى في هذا المقطع من هذه الرسالة العظيمة النافعة إلى أنه يجب على كل مسلم ومسلمة، بعد أن أبين رحمه الله أهمية العلم، وكذلك ما أشار إليه رحمه الله قبل ذلك من المسائل التي كذلك تجب تعلمها بعد العلم، أو التي هي كذلك تدخل في ضمن العلم من معرفة الله والعمل والدعوة والصبر، ناسب أن يذكرها هنا رحمه الله مسائل أخرى كذلك يجب على كل مسلم ومسلمة أن يتعلمها. وهذه المسائل من العلم الواجب العيني الذي لا يسع المسلم جهله، ولا يجوز التفريط في تعلم مثل هذه المسائل. وقوله رحمه الله: «اعلم رحمك الله»، كما تقدم، هذا مسلك من مسالك أهل العلم من الرفق بالمدعوين، فإن الدعاء لهم من أساليب الرفق، ومن وسائل الحكمة في معاملة المدعو. وهو كذلك يدل على سريرة الداعي إلى الله وصفاء صدره. وهكذا ينبغي أن يكون الداعي إلى الله إذا دعا الآخرين، خصوصا في مجتمع تكثر فيه الشائعات، ويثير أعداء أهل الحق الخصومات. فعند ذلك يحتاج أن يستعمل الداعي إلى الله بحكمته، وبعلمه، وبأساليب مناسبة نافعة تظهر صفاء صدره وحسن سريرته وعظيم حبه ووده، بما يجلب ويجذب قلوب المدعوين. وهذا موضع من تلك المواضع التي ينبغي أن يتخلق بها الدعاة إلى الله. فنحن نستفيد من علمائنا، ومن أئمتنا ما يكون به التسديد والمقاربة في سيرنا العلمي والعملي. فهذا موضع من مواضع هدي علمائنا وسمتهم وطريقتهم في الدعوة إلى الله. فإذا كان مثل هذا الموضع يترفق فيه ويستعمل معه مثل هذا الأسلوب، فمن باب أولى أن لا يستعمل الأساليب الخشنة الجافة المنفرة، فإن ذلك من باب أولى ينبغي أن يتحاشاه الداعي إلى الله. وفي قوله: «يجب على كل مسلم ومسلمة»، تأكيد لعموم هذا الوجوب، وأنه يشمل الذكر والأنثى، والحر والعبد، والصغير والكبير. فكل من ألفاظ العموم. ومعنى أن هذا العلم لا يسع أحدا جهله، أو أن يفرط فيه. ثم قال: «تعلموا ثلاث هذه المسائل». هكذا هو في أكثر النسخ. وبيّن الكثير من العلماء أن هذه الصيغة وهذا التركيب فيه خطأ، فالعبارة غير مستقيمة. والصواب أن يقال: «تعلموا هذه المسائل الثلاثة». وقد نبه العلماء على هذا الموضع من الكتاب أنه حصل فيه شيء من الخطأ، لعله من بعض النساخ أو من بعض من طبع، فاشتهر وتتابع الناس على هذا الخطأ. والشيخ رحمه الله معروف بغزارة علمه وسعة اطلاعه وتبحره في سائر العلوم، ومنها علوم العربية. فمن المحال أن يكون مثل هذا التركيب من تعبير الشيخ رحمه الله تعالى. وهذا نبه أهل العلم أن هذا ليس من تعبير الشيخ، بل هذا من تعبير بعض، إما من جهل ممن نقل بالمعنى، أو حصل تصحيف، فتناقل الناس هذا الخطأ. وقوله رحمه الله: «الأولى: أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملا، بل أرسل إلينا رسولا، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار». هذه المسألة في بيان المقصد من خلق الله عز وجل للخلق. فإن الله عز وجل خلق الخلق لغاية عظيمة، ورزقهم، وليس ذلك عبثا، بل هو الحكيم الخبير سبحانه وتعالى. ولهذا قال الله عز وجل في خطاب الكفار الذين ظنوا هذا الظن الخاطئ: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو﴾. وهكذا قال جل وعلا مبينا بعض هذه المقاصد: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾. والآيات بعدها تدل على هذا المقصد. فإن الذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون إلى آخر الآيات. وهكذا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم﴾، وقوله جل وعلا: ﴿ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون﴾. فهذه الآيات وما كان بمعناها كثير في كتاب الله، وهكذا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. من ذلك الأدلة الأكثر، كلها تبين وتجلي هذا المعنى الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى، من أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ورزقهم، ولم يتركهم هملا لأنه سبحانه وتعالى أرسل إليهم رسولا أو رسلا، وأنزل إليهم كتبا، فقامت عليهم الحجة. فمن أطاع هؤلاء الرسل دخل الجنة، ومن عصى هؤلاء الرسل دخل النار. وختم بهؤلاء الرسل نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. وبذلك نعرف أن هذا الإنسان خلق لمقصد عظيم، فلم يكن كالبهائم. بل حتى البهائم خلقها الله عز وجل لحكمة، لكن خلق الإنسان أعظم حكمة. فخلقه سبحانه لأجل أن يؤمر وينهى، ويمتحن بزيادة الله سبحانه وتعالى. فإن هو أطاع وشكر، نجى من عذاب الله في الدنيا والآخرة. وإن هو عصى وكفر، عاجله الله عز وجل بعقوبته في الدنيا قبل الآخرة. وهذا المعنى يبين فيه المؤلف رحمه الله، ويجلي ما ينبغي أن يعرفه أولا المسلم من حقيقة معاني الربوبية والألوهية وارتباطهما ببعض. فإن قررت أن الله هو الخالق والرازق، وأنه خلق ورزق لحكمة، علمت ما يستلزم بعد ذلك من إفراده سبحانه وتعالى وحده بالعبادة. وهو سبحانه وتعالى الإله الحق وحده جل وعلا. ثم قال رحمه الله تعالى مبينا موضحا دليل ذلك: «قال والدليل قوله تعالى: ﴿إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا﴾». فهذه الآية تجلي وتوضح وتبين أن إرسال الله عز وجل لرسوله ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم كان كإرسال الرسل من قبله، تقوم بهم الحجج، ويكون به كذلك الاهتداء. كما قال الله عز وجل: ﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هدايا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾، وقال في الآية الأخرى: ﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هدايا فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكة ونحشره يوم القيامة أعمى﴾. قال ربي: ﴿لم حشرتني أعمى وكنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى﴾. فبين في هذه الآية أن الخلق جميعا من لدن آدم عليه الصلاة والسلام، من أول خلق البشر إلى أن يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها، أنه سبحانه وتعالى سيرسل إلى خلقه هداية. فمن اتبع هذه الهداية أمن من الحزن والخوف في الدنيا والآخرة، وهكذا نجى من عذاب الله وسخطه في الدنيا وفي الآخرة. ومن لم يأخذ بهذا الهدى فإنه يكون من الأشقياء ومن أهل الشقاء والتعب والنصب في الدنيا وفي الآخرة. وهكذا في هذه الآية: ﴿إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا﴾، أي أن الله عز وجل عذب وعاقب فرعون لما عصى رسولا. فكذلك فليحذر كل من يخالف ما أرسل به محمد صلى الله عليه وسلم أن يعذب كعذاب قوم فرعون. قوم فرعون الذين عذبهم الله في الدنيا فأغرقهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين. وكذلك يعذبون، لا يزال يعذبون وهم في الحياة البرزخية بالنار، ويوم القيامة لهم كذلك الجحيم وبئس القرار. قال الله عز وجل: ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشية ويوم تقوم الساعة أدخل آل فرعون أشد العذاب﴾. فهم يعذبون في حياتهم البرزخية بهذا العذاب المستمر. وهكذا يوم تقوم الساعة يدخلون بعد ذلك إلى أشد العذاب. وأما في الدنيا فقد عذبهم كذلك بإغراقهم، فكان في ذلك عبرة لكل من يريد الاعتبار. والمقصود من هذا أن المسلم ينبغي عليه أن يتخذ من هذه الأخبار وهذه الآيات موضع عظة، فيطيع أمر الله، ويجتنب ما نهى الله عز وجل عنه. فإن ذلك من تأدية هذا المقصد العظيم الذي أمر الله عز وجل به من عبادته سبحانه وتعالى وحده، وعدم عبادة غيره. وقد مر معنا أن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. فهي أعم من أن تحصر بالصلاة والصيام والزكاة كما يظنه الكثير من العامة. بل هي كل معنى يحبه الله ويرضاه، كان هذا في ظاهرك أو في باطنك. وهذا هو حقيقة الدين الذي أمرنا بعبادة الله عز وجل به، والإيمان الذي كذلك أمرنا أن نمتثله. فالإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. وهكذا هو معنى الإسلام الذي يتناول جوانب كثيرة من الحياة. كما قال الله عز وجل: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾. وبهذا القدر نكتفي. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.