كتاب الوصية من الاختيارات الفقهية  10

كتاب الوصية من الاختيارات الفقهية 10

الدرس في كتاب الوصية من الاختيارات الفقهية 10، الدرس العاشر:من( باب الموصى له ... أو ادفع ثلثي إلى نصراني فدفعه إلى مسلم ضمن وقال أبو العباس:فيه نظر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الوصية للحمل والموصى له

يتناول هذا الفصل أحكام الوصية للحمل وشرط صحة الوصية له، كما يتناول أحكام الموصى له في حالة وجود إبهام أو وصف بخلاف الصفة. يشرح آراء الفقهاء في هذه المسائل ويبين أهمية الوضوح في الوصية.

تفاصيل أحكام الوصية والوقف في حالات الغموض

يناقش هذا الفصل مسائل فقهية متعلقة بالوصية والوقف، خاصة في حالات الإبهام والغموض. يطرح آراء مختلفة حول صحة الوصية أو الوقف في مثل هذه الحالات ويشير إلى أهمية النية والقرائن في تحديد المقصود.

تفسير الوصية على فكاك الأسرى وتوسيع نطاقها

يناقش هذا الفصل معنى الوقف والوصية على فكاك الأسرى، ويشير إلى أن هذه الأعمال تشمل النفقات اللازمة لإيصالهم إلى ديارهم. يوسع نطاق التفسير ليشمل نفقات السفر والاحتياجات الأخرى التي تعين الأسرى على العودة.

توضيح معنى الوصي والوكيل في الوصية

يفسر هذا الفصل معنى الوصي والوكيل في سياق الوصية، ويوضح دور وكيل الوصي أو الوكيل في تنفيذ الوصية. يرفع هذا التوضيح الإشكال حول المعنى المقصود ويبين أهمية الوكالة في تنفيذ الوصايا.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الموصى له. قال: وتصح الوصية للحمل، وقياس المنصوص بالطلاق أنها إذا وضعته لتسعة أشهر استحق الوصية إن كانت ذات زوج أو سيد يطأ، يعني ذات زوج أو ذات سيد. قال: ولأكثر من أربع سنين إن اعتزلها، وهو الصواب. قوله: باب الموصى له، أي هذا مدخل في معرفة أحكام الموصى له عندنا. وصية وهي الملفوضة أو المكتوبة بصيغتها، وموصي وهو الرجل الذي يوصي بهذه الوصية، وموصى له وهو الذي كانت له هذه الوصية، وموصى به وهو ذلكم الشيء الذي حصلت فيه الوصية من مال أو منفعة أو نحوها، ووصي وهو ذلكم الذي يقوم بتنفيذ الوصية، الذي يقوم بتنفيذ الوصية يقال له وصي. فهنا الآن الكلام على الموصى له، أي من ينتفع بهذه الوصية. قال: وتصح الوصية للحمل، يعني أن تكون الوصية لحمل. قال: وقياس المنصوص في الطلاق أنها إذا وضعته لتسعة، قال شيخنا رحمه الله: الصواب لستة. يقول شيخنا بن عثيمين رحمه الله: الصواب لستة، لعل الصواب لستة، لماذا؟ لأنه أقل الحمل المقصود ها هنا ثبوت كون الحمل لهذا الرجل الذي أوصيت الوصية لحمله، لأجل أن نتأكد أنه له، فيكون في هذا الوصف. فأقل الحمل ستة أشهر، وأكثره أربع سنين في قول جمهور أهل العلم. فيقول: وتصح الوصية للحمل، يعني إذا أوصى إنسان لحمل لإمرأة حامل في بطنها حمل، فأوصى لما في بطنها، هل تصح هذه الوصية أو لا تصح؟ يقول الشيخ: تصح. ثم قال: وقياس المنصوص في الطلاق، ستأتي معنا هذه المسألة وما بعدها، قاسوا نصوص روية عن إمام أحمد في الطلاق، هي تشبه هذه المسائل التي في الوصية، فقاسوا عليه ذلك، يعني كما أنه أفتى إمام أحمد رحمه الله في تلك المسائل، فكذلك في هذه المسائل في الوصية لوجود الشبه بينها. وهذا ماذا يسمى في الفقه؟ ماذا يسمى هذا؟ نعم، هو من جهة القياس، لكن على صنيع الإمام تنزيل ذلك على قول الإمام، يسمى تخريج. ثم هذا التخريج قد يكون بوجه يصح، وقد يكون بوجه لا يصح. فإن كان التخريج في قياس صحيح فهو مقبول، وإن كان بقياس غير صحيح فهو ضعيف مردود. قال: وقياس المنصوص بالطلاق أنها إذا وضعته لستة أشهر، يعني عندنا لتسعة، قال الشيخ: والصواب لستة، لستة. وربما يكون التعبير بتسعة على غالب الحمل، فيكون بهذا المعنى صحيح. قال: أنها إذا وضعته لستة أشهر استحق الوصية إن كانت ذات زوج أو سيد يطأ، ولأكثر من أربع سنين إن اعتزلها، وهو الصواب. والمعنى إذا ثبت أن هذا الحمل على ما أراد الموصي أن يوصي، فتصح له. فإن كان الحمل ليس كذلك فلا تصح له. مثل المرأة المطلقة إذا طلقت، ثم تبين أن هذا الحمل الذي في بطنها لا يصح نسبته إلى الزوج أو السيد، كيف بأن يكون وضعه أقل من أقل مدة في الحمل، تضعه في خمسة أشهر، ما يمكن أن يكون هذا الحمل لهذا الزوج أو السيد، لأن أقل الحمل كم؟ ستة أشهر، فلا يمكن أن يكون له. كذلك لو وضعته في أكثر من أربع سنين، ولم تمس، لم يمسها رجل آخر بعده، يعني بزواج، فهنا يعلم أنه ليس من ذلك الزوج أو السيد، لماذا؟ لأن أكثر الحمل في قول جمهور أهل العلم أربع سنين، مع أن هذا بعض أهل العلم ينازع فيه، لكن هذا الموجود من أقوال أهل العلم أكثر شيء أربع سنين. فإذا كان أكثر من ذلك، فنسبة هذا الحمل لذلكم الزوج أو ذاك السيد غير صحيحة. فكذلك يقال في الوصية، لأنه إنما أراد أن يوصي للحمل لكونه ماذا؟ حمل فلان ابن فلان. فإن لم يكن هو حمل فلان ابن فلان، فإذا لا تصح الوصية له. وهنا تأتي المسألة الأعم، هل العبرة بالوصية العين أو الموصوف؟ يعني ما هو المقصود بوصية الموصي؟ الجواب بما نوى به ذلكم الموصي، لحديث: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». وترتب على هذا المعنى مسائل، منها هذه المسألة، مسألة الحمل، وما سيأتي من مسائل فيما إذا وقعت الوصية في شيء فيه إبهام. قال رحمه الله: وإن وصف الموصى له أو الموقوف عليه بخلاف صفته، مثل أن يقول على أولاد السود وهم بيض، أو على العشرة وهم اثنا عشر، فها هنا الأوجه إذا علم ذلك أن يعتبر الموصوف دون الصفة. وقد يقال ببطلان الوقف والوصية كمسألة الإبهام. وقد يقال: يصح في مسألة القدر، ويعطى العشرة إما بتعيين الورثة في الوصية أو بالقرعة فيها وفي الوقف. والذي يقتضيه المذهب أن الغلط في الصفة لا يمنع صحة العقد. هذه كما ترون مجموعة مسائل يتعلق بها المعنى المتقدم، وهو حصول شيء من الإبهام. فإذا أوصى الموصي وصية، فذكر معنى بخلاف الصفة، قال: مثل أن يقول على أولاد السود ويكونون بيض، فهنا ما هو الجواب؟ يقول الشيخ رحمه الله: أنه يعتبر الموصوف دون الصفة، أيش الموصوف؟ يعني المقصود بهذه الوصية. فما دام أراد أولاده، بغض النظر هم سود أو بيض، فالوصية للأولاد وجهت توجيها صحيحا، فلا يضر كون الصفة اختلفت. ثم قال: وقد يقال ببطلان الوقف والوصية كمسألة الإبهام، يعني في الطلاق، من طلق امرأة مبهمة، ما حكم هذا الطلاق؟ هل تطلق هذه المرأة بهذا الإبهام؟ ومن هذه المرأة التي تطلق؟ وهذه المسألة يذكرها الفقهاء في كتب الفقه، لو طلق رجل امرأة مبهمة، قال مثلا: أحد نساء طالق، ولم يعين، فمن الذي تطلق؟ من نسائه عنده ثلاث أو اثنتان أو أربع، فمن الذي تطلق؟ من أهل العلم من قال: يعين واحدة، ومن أهل العلم من قال: بالقرعة يقرع، ومن أهل العلم من يقول: ما دام لم يقع تعين، فهذا ملغي، وهو كلام اللغو والخطأ. والله جل وعلا تجاوز عن هذه الهم الخطأ والنسيان وما استكره عليه. فهنا يقول: وقد يقال ببطلان الوقف والوصية كمسألة الإبهام، يعني كأحد الأقوال في هذه المسألة. قال: وقد يقال: يصح في مسألة القدر، هذا سيأتي في المسألة الثانية. والصواب من هذه الأقوال أننا نفرق بين ما كان فيه معنى من الإبهام اقترنت به نية، فالعبرة بالنية، «إنما الأعمال بالنيات». وما لم تقترن فيه بالنية، فإنه ينظر إليه باعتبار آخر، فإن وجدت قرينة أخرى ترجح أحد طرفي المبهمين، وإن لا، فهو مما يبطل ولا يصح، لأنه من الخطأ، ومن كذلك الإبهام الذي لا يمكن الوصول فيه إلى الصواب. وأما مسألة القرعة، سيأتي الكلام عليها إن شاء الله. فإذن الصواب في المسألة الأولى أن العبرة بنيته، ما دام أنه نوى أن يجعل هذه الوصية لأولاده، فإنها تقع كذلك. يقول مثلا: هذا لأولاد السود، صاروا بيض، فتكون لأولاده، بغض النظر هم سود أم بيض. على أنه ها هنا إشكال، كيف تكون الوصية للأولاد؟ وقد تقدم أن الوصية لا تصح لوارث، فيوجه ذلك بأنه إن كان على وجه صحيح، فكذلك، كأن يكون مثلا أولاد غير الوارثين، كأبناء الابن الميت الذي لا يرثون مع وجود أعمامهم، أو كذلك أولاد البنت، ونحو ذلك، فهم أولاده كذلك. فإذا قال نحو هذه العبارة، فلا عبرة بالوصف، ما دامت العين معروفة، وإنما الأعمال بالنيات. وأما المسألة الثانية، لو قال: العشرة، وهم اثنا عشر، فهنا يقع إشكال في العدد، هو عين عشرة، وهم اثنا عشر. فالجواب يفصل، الصحيح أنه في. يقال: إن دلت قرينة أنه أراد الجميع، فأخطأ في العدد، فالعبرة بما دلت عليه القرينة. أو كان يمكن الاستفصال منه قبل ذلك، فيقال: هل قصدت العشرة أو الاثني عشر؟ فقال: قصدت الكل، فإذا يدخل الجميع، ولو كانوا أكثر من اثني عشر. فإن لم يكن هناك قرينة، ولا يمكن الاستفصال، فممكن يقال: إنه يؤخذ بقدر العشرة، ممكن يؤخذ بقدر العشرة، على أنه عين عشرة. فكيف يكون التعيين بعد ذلك؟ هنا ممكن أن يكون التعيين بقرينة، إن وجدت قرينة، أو بالقرعة، أو بالقرعة. قال رحمه الله: وقد يقال ببطلان الوقف والوصية كمسألة الإبهام، عرفنا ما معنى مسألة الإبهام. قال: وقد يقال: يصح في مسألة القدر، ويعطى العشرة إما بتعيين الورثة في الوصية أو بالقرعة فيها وفي الوقف. يقول: القدر، نفصل فيه، قد نقول: في القدر المسألة تختلف عن مسألة الإبهام، إذا كان هناك إبهام في مسألة الوصف. والصحيح، والله أعلم، كما تقدم: يفصل، فينظر: إن كان يمكن الاستفصال استفصل منه، إن لم يمكن الاستفصال، ودلة القرينة، فبالقرينة، فإن لم يمكن لا الأول ولا الثاني، فهنا يقول: يصح في مسألة القدر، ويعطى العشرة، لأنه ظاهر اللفظ، ولا يجوز لنا أن نتعدى هذا الظاهر إلا ببينة، وليس عندنا بينة. ثم يقول: يعطى هؤلاء العشرة إما بتعيين الورثة في الوصية، يعني أن دلت أن دل اللفظ أو دلت قرينة أو استعين بالورثة، أو بالقرعة فيها وفي الوقف، يعني سواء كانت هذه الصيغة صيغة وصف أو وصية أو صيغة وقف، فهما سواء، يقرع عند عدم وجود أي دليل أو قرينة يمكن التوصل به إلى العشرة، فتستعمل القرعة. ومشروعية القرعة أدلتها كثيرة في الكتاب وفي السنة، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالقرعة في مواضع، ومنها الأذان، ومنها القسم بين الزوجات، وهكذا. كذلك معناه في الكتاب، في قصة مريم، و«يونس عليه الصلاة والسلام». قال: ولو وصى بفكاك الأسرى، أو وقف مالا على فكاكهم، صرف من يد الموصي ويد وكيله. وله أن يقترض عليه، ثم يوفيه منه. وكذلك في سائر الجهات. هذه مسألة أخرى من مسائل الموصلة، انتقل الآن من مسائل الإبهام إلى مسائل ممكن أن يعبر عنها: كيف يدخل في عموم اللفظ تفاصيل؟ هل يصح أن تدخل في هذا العموم أو لا يصح؟ فلو وصى مثلا بفكاك الأسرى، فقال: الصدقة أن ثلثه يجعل في فكاك الأسرى، أو وقف مالا معينا على فكاكهم، يعني مثلا دخل هذه العمارة، وهو أقل من الثلث، يجعل في فكاك الأسرى. قال: صرف من يد الموصي ويد وكيله، صرف من يد الموصي إن كان موجودا، أو يد الوكيل إن كانت في يد الوكيل، على هذا المعنى الذي أراد. والمسألة ستأتي. قال: وله أن يقترض عليه، ثم يوفيه منه. ومعنى كونها في فكاك الأسرى، ووقف المال كذلك في فكاكهم، لا يعني ذلك أصل الفكاك، لا الدين في الفكاك، بل الدين في الفكاك يدخل في معنى الفكاك. فلو أن إنسانا استقرض مالا، فأقرض، ففك أسيرا، أو أسير استقرض مالا، ففك أسر نفسه بالقرض والدين، هل يسمى هذا المال المدفوع من الدين داخلا في معنى هذه الوصية وهذا الوقف؟ فهو من الفكاك، أو أن الدين الآن هو حقيقته ماذا؟ دين، ولكن هذا الدين دفع في ماذا؟ في فكاك، فهل يصح أن يوصف بأنه يدخل في معنى الوصية والوقف؟ يقول: معنى كلامه أنه يصح. ولهذا قال: وله أن يقترض عليه، ثم يوفيه منه. وكذلك في سائر الجهات، يعني فيما هو بمعنى هذه المسألة. فمعنى الفكاك لا ينحصر على عين الفكاك، بل كل مال مبذول في الفكاك، ولو كان دينا، فإنه يصح أن يكون داخلا في معنى هذه الوصية وهذا الوقف. قال رحمه الله: ومن افتك أسيرا غير متبرع، جاز صرف المال إليه. كذلك هذه مسألة أخرى. رجل فك أسيرا، وفكاك للأسير، لم يكن على وجه التبرع، يعني ما كان صدقة، ولا كان إحسانا، إنما كان دين أو كان كذلك لاجل مصلحة له في خروج هذا الأسير، فهو فك هذا الأسير، وبدل هذا المال لا على وجه التبرع، هل يجوز أن يعطى هذا الإنسان من مثل هذا الوقف أو هذه الوصية التي جعلت في فكاك الأسرى؟ هل يجوز أن يعطى؟ يقول: إنه الصحيح، يجوز أن يعطى. قال: جاز صرف المال إليه، ولو كان الأسير قد فك، لأنه فك بغير تبرع. قال: وكذا لو اقترض غير الوصي مالا، ففك به أسيرا، جازت توفيته منه. كذلك لو أن إنسان اقترض مالا، وقال: غير الوصي، الوصي الذي يقوم بتنفيذ الوصية، ففك به أسيرا، ما دام هذا المال قرض، فالصحيح يجوز أن يأخذ من هذا الوقف، وهذه الوصية التي هي في فكاك الأسرى. يعني نستطيع أن نقول باختصار: كل وجه من الوجوه التي يكون بها فك الأسير، يصح أن تدخل في معنى ذلك الوقف، الوصية. قال: وما احتاج إليه الوصي في افتكاكهم من أجرة، صرف من المال. كذلك لو قال الوصي: أنا قعدت فترة حتى أفك هؤلاء الأسرى، تركت عملي، احتجت إلى نفقة، استعملت الهاتف، احتجت إلى أجرة للهاتف، استعملت مواصلات، احتجت إلى أجرة للمواصلات، كل هذه الأموال، هل يصح أن تأخذ من معنى هذه الوصية في فكاك الأسرى؟ ظاهر كلامه رحمه الله أنه يصح، لأنه جهود مبذولة في فكاك الأسرى، فكذلك يصح أن يأخذ المال من ذلك. قال: ولو تبرع بعض أهل الثغور بفدائه، واحتاج الأسير إلى نفقة الإياب، صرفا من مال الأسرى. إذا أسير تبرع أحد أهل الثغور، و«أهل الثغور» من يجلس في مداخل بلاد المسلمين في الثغور، حتى لا يدخل عليها العدو، أو في أطراف بلاد المسلمين إلى جهة العدو، المهم حصل لهذا الأسير تبرع أحد، تبرع عليه، ففك أسره، سواء بهذه الصفة أو بأي صفة أخرى، فاحتاج الأسير إلى نفقة توصله إلى بلاده، هل يصلح أن يعطى من هذا الوقف وهذه الوصية؟ ظاهر كلام الشيخ رحمه الله أنه يصح، فهو يدخل في معنى فكاك الأسير، لأن معنى فكاك الأسير ليس فكه فقط، فكه وإيصاله إلى من؟ إلى أهله، فهذا فك، بقي عليه أمر، نفقة الوصول، فكذلك يصح أن يعطى من ذلك. قال: وكذلك لو اشترى من المال الموقوف على افتكاكهم، أنفق منه عليه إلى بلوغ محله، يعني حتى لو كان هناك معنى شراء، ما إن الوقف لا يصبح فيه هذا المعنى، لكن ما دام هو في معنى فكاك الأسرى، فيصلح أن يدخل فيه. وكذلك لو اشترى من المال الموقوف على افتكاكهم، أنفق منه عليه إلى بلوغ محله، يعني لو اضطر أن يشتري من المال الموقوف ما يكون به افتكاك هم، فإنه كذلك يكمل، صدقته بأن ينفق عليهم حتى يبلغ إلى محلهم، إلى أهليهم. وكما نرى كل هذه المسائل تدخل عند التأمل في عموم معنى الوصية والوقف، فإذن المسألة لا تنحصر بفكاك الأسرى، كذلك يدخل فيها كل معنى أوصى وصي، أو أوصى موصي بها، أو وقف واقف بها، فإنه ما دخل في معنى ذاك العموم، فإنه يصلح فيه. مثلا مثال آخر، لو أوصى إنسان وصية بالنفق على طلبة العلم، فهل النفق تنحصر بالكتب و«أدوات طالب العلم» ونفقت معيشته في أثناء طلب العلم، أم تتناول كذلك حاجات أخرى تعين طالب العلم على طلب العلم؟ مثلا نفقت السفر في الذهاب والإياب، هل تدخل في ذلك؟ نعم تدخل، لأنها من معنى هذه الوصية. بل حتى لو احتاج طالب العلم إلى الزواج، فيجوز أن يعطى من هذا المال الموقوف لطلبة العلم، أو تلك الوصية التي فيها الإنفاق على طلبة العلم من هذا المال. وكان شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله يفتي بهذه الفتوى، أي أن تزويج طالب العلم يدخل من معنى الإنفاق على طالب العلم. بل كان يفتي شيخنا رحمه الله أنه يدخل في معنى ذلك حتى لو احتاج إلى زوجة ثانية، إن كانت لا تكفيه زوجة، واحتاج إلى زوجة ثانية تمنعه من أن ينشغل عن طلب العلم، والتوجه إلى ما قد يشغله عن العلم، فهذا مما يدخل في معنى ذلك. قال رحمه الله: قال أبو بكر: لو قال الموصي: اعتق عبدا نصرانيا، فأعتق مسلما، أو ادفع ثلثي إلى نصراني، فدفعه إلى مسلم، ضمن. قال أبو العباس: وفيه نظر. هذه المسألة فيما إذا كانت وصية الموصي أقل من المعنى الأفضل والأكمل، أو قل: كانت خلاف السنة وخلاف الصواب، فهل يجوز أن يدفع في هذه الوصية إلى ما هو صواب وأفضل؟ يقول: إن أبا بكر يعني من الحنابلة يقول: من فعل مثل ذلك، فخلف وصية الموصي، فعليه الضمان، أخذ بظاهر لفظ الوصية. والعمومات تدل على أنه لا يجوز تغيير الوصية، فمن بدله بعد ما سمعه، فإنهما اثمه على الذين يبدلونه. ويقول شيخ الإسلام رحمه الله: فيه نظر، لماذا؟ لأنه دفع إلى ما هو أفضل وأكمل، بل ما هو حق. فالعتق يكون في المسلم مقدم على الكافر، قد يكون لهذا الموصي شبهة، يظن أن عتق النصراني سبب لإسلامه، أو معنى آخر ظنه، أو حتى يكون أخطأ. فهل يتابع على الخطأ، أو أنه ظنه مشروعا ومأذونا مثلا؟ ظنه مأذونا ومشروعا فيه، فلو كان مأذونا، ففعل الأفضل، هل فعل الأفضل جائز؟ ويكون كذلك فيه عدم تغيير الوصية، أم ماذا؟ ظاهر كلام شيخ الإسلام، واعتراضه: أن الانتقال إلى الأفضل وإلى الحق لا ينافي وصية الموصي، ولا يلزم منها الضمان. ويدل على ذلك عمومات كثيرة. فمثلا: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أرشد رجلا نذر أن يصلي ببيت المقدس، أمره أن يصلي أين؟ في المسجد الحرام، مع أنه نذر أن يصلي ببيت المقدس. قال العلماء في هذا: دليل على أن من نذر بالأقل، ففعل الأعلى، أجزأه الأعلى عن الأقل. ومن نذر بالمفضول، ففعل الأفضل، أجزأه الأفضل عن المفضول. ولا مانع أن يكون مثل هذا كذلك في هذه المسألة. فكيف إذا كان وقوع المسألة على شيخ خلاف الصواب، فمن باب أولى أن يكون الفعل فعل الصواب هو الأفضل والأكمل، حتى ولو قصد الموصي ذلك. يقول: «للنبي عليه الصلاة والسلام: من عمل عامنا ليس عليه أمرنا، فهو رد»، أي مردود عليه. فالصواب أن يصوب الموصي المخطئ بالصواب، ما دام هو أراد الأجر، فإن شاء الله الأجر قد وقع له، أراد عتق، وقع له عتق، بدلا من كافر مسلم، والمسلم أفضل من الكافر، وهذا أنفع. ومثله وقريب منه، بل هو أشد، إذا أوصى إنسان بوصية في بدعة، فإنها لا تقع، لا تصح على الصحيح، ولو أرادوا الإبرار بالموصي، فإنهم يوجهونها لما فيه سنة من معنى تلك الوصية. أوصى لمسجد تقام فيه شركيات وبدع وخرافات، يحولها إلى مسجد سنة، ونحو ذلك من المعاني. وها هنا تنبيه مر معنا في قول المؤلف رحمه الله: ولو وصى بفكاك الأسرى، أو وقف مالا على فكاكهم، صرف من يد الموصي ويد وكيله. مر معنا أننا قلنا: هذا يحمل إذا كان الموصي حيا. وممكن أن تكون وصية مع وجود حياة الموصي، لكنها تنفذ بعد حياته. وممكن أن يكون هناك خطأ، فيكون المراد الوصي بدل الموصي، الوصي وهو من أوصاه الموصي. ويد وكيله، يعني يكون ممن وكل بالوصية من الوكيل أو الوصي. وعلى هذا يفهم المعنى كما تقدم، ولا إشكال فيه. والله تعالى أعلم.