الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 28، الدرس الثامن والعشرون : (وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتابه ... الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ ابن بريك حفظه الله بشرح آية الكرسي ويبين أهميتها وأعظمية مكانتها في القرآن، مع الإشارة إلى تفاضل الآيات القرآنية.
يفسر المؤلف آية الكرسي ويشرح معاني أسماء الله الحسنى الواردة فيها مثل الحي والقيوم، ويبين دلالتها على صفات الكمال لله تعالى.
يشرح معنى اسم الله القيوم ويبين أنه الذي قام بنفسه واستغنى عن خلقه وقام بغيره، مع توضيح غنى الله المطلق والذاتي.
يختتم المقطع الدرس الحالي مع الإشارة إلى استكمال الموضوع في درس لاحق، ودعوة الجمهور للاشتراك في القناة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخه الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: قال، وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتابه، حيث يقول: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم﴾. قال الشارح، رحمه الله تعالى: روى مسلم في صحيحه عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله: «أي آية أعظم في كتاب الله؟» قال: «الله ورسوله أعلم»، وفي هذا دليل على تفاضل القرآن، فيوجد آية أعظم من آية، ولا يعني ذلك أن الأعظم ينقص غيره، فيكون فيه معنى من معاني النقص أبدًا، بل كله عظيم، لكن بعضه أعظم من بعض، وهكذا فيه تفاضل آيات الصفات، وأن آيات الصفات تتفاضل. وقد مر معنا مبحث التفاضل، وأن أهل البدع ينفون مثل هذه المعاني، وقد دلت أدلة الكتاب والسنة على خلاف ما زعموا. قال رحمه الله تعالى: فرددها مرارًا، ثم قال أبي: «آية الكرسي». ومر معنا فيما سبق أن الآية لغة هي العلامة، وهي في الاصطلاح طائفة من كلمات القرآن متميزة بفصل. فالجزء من الشعر يسمى بيتًا، والبيت ينقسم إلى صدر وعجز، ومن النثر كذلك يقال: فقرة أو عبارة. وأما القرآن فجاء في الشرع تسمية الطائفة من الكلمات التي يفصل بينها وبين غيرها بفاصل آية، تسمى آية. فهذا أولًا لأنه جاء التعبير به في الشرع في الكتاب وفي السنة، وأدلة الكتاب كثيرة، وهكذا كذلك في السنة، ومنها هذا الحديث. وثانيًا لأنه من التأدب مع القرآن، وتعظيم لكلام الرحمن، فنقول: آية، لا نقول: عبارة، ولا فقرة، ولا كذلك عجز، ولا غير ذلك. بخلاف بعض أهل الأدب الذين هم في الحقيقة قلوا بالأدب مع هذا القرآن العظيم، ربما شبهوه بالنثر، شبهوه بالنثر في بعض الاستعمالات والتعابير، وهذا خطأ، والواجب التقيد بالألفاظ الشرعية بالتعبير عن مسميات القرآن جملة وتفصيلًا. فالآية هو اللفظ المطلق على طائفة من كلمات القرآن التي تتميز بعضها عن بعض بالفصل، وهي رؤوس الآي. قال رحمه الله تعالى: فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على كتفه، وقال: «ليهنك هذا العلم أبا المنذر». والحديث كما أشار أصله بصحيح مسلم. قال: وفي رواية عند أحمد: «والذي نفسي بيده إن لها لسانًا وشفتين تقدس الملك عند ساقي العرش»، يعني تقدس الله سبحانه وتعالى. والغالب أن الزيادات التي تزيد على الصحيحين تكون شاذة وليست بصحيحة، وعلى تقدير صحتها فبعض أهل العلم حملها على المعنى المعنوي لا على المعنى الحسي. كما قال صاحب نوادر الأصول: أما قوله: «إن لها لسانًا وشفتين»، معناه أن قراءة القارئ بها يصعد إلى الرحمن، فتقدس يعني معناه هذه القراءة تقدس عند الله سبحانه وتعالى. قال: فتقدس عند مليكها عند ساقي العرش، والتقديس سؤال، إما أن تقدس فتعظم، وإما أن تقدس هي أي هذه القراءة، وهذا الفعل، فيكون معنى اللسان والشفتين معنى معنويًا لا معنى حسيًا، وهذا على تقدير صحته، والصحيح أنه ليس بصحيح. قال: ولا غرو، فقد اجتمعت هذه الآية العظيمة من أسماء الرب وصفاته على ما لم تجتمع عليه آية أخرى، كما سيأتي إن شاء الله تفصيله. قال: فأخبر الله فيها عن نفسه بأنه المتوحد في إلهيته، وذلك بأقوى أساليب الحصر، وذلك بالنهي والإثبات: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾، وهذا من أقوى أساليب الحصر، ولهذا صارت عظيمة، وازدادت عظمة بأن هذا التوحيد في الإلهية قرن باسم الله الأعظم كما سيأتي. قال: الذي لا تنبغي العبادة بجميع أنواعها وسائر صورها إلا له، ثم أردف قضية التوحيد بما يشهد لها من ذكر خصائصه وصفاته الكاملة، فذكر أنه الحي الذي له كمال الحياة، لأن حياته من لوازم ذاته، فهي أزلية أبدية. كما أنه سبحانه وتعالى الأول ليس قبله شيء، فهو الحي، وكما أنه سبحانه الآخر ليس بعده شيء، فهو الحي. قال: وكمال حياته يستلزم ثبوت جميع صفات الكمال الذاتية له، ومر معنا في أقسام الصفات أن منها ما هي صفات ذاتية ملازمة للذات المقدسة. وهذه الصفات الذاتية هي من صفات الكمال التي لا يزال ولم يزل سبحانه وتعالى متصفًا بها، ومن ذلك العلو، فهي من صفاته الذاتية، بخلاف الاستواء، فهي من صفاته الفعلية. والمراد أن المؤلف رحمه الله ينبه أن بعض الصفات يستلزم بعضها بعضًا، فكمال الحياة يستلزم ثبوت كل كمال تقتضيه هذه الحياة، كإثبات العلم والحكمة والقدرة والقوة وغير ذلك. قال رحمه الله تعالى: يستلزم ثبوت جميع صفات الكمال الذاتية له، من العزة والقدرة والعلم والحكمة والسمع والبصر والإرادة والمشيئة وغيرها، يعني من الصفات الذاتية، ومنها العلو. قال: إذ لا يتخلف شيء منها إلا لنقص في الحياة، فإن الناقص في حياته هو الناقص في صفاته. فلما كانت لله عز وجل الحياة الكاملة من كل الوجوه التي لا يلحقها نقص بوجه من الوجوه، كانت الحياة المتضمنة لسائر صفات الكمال الذاتية الملازمة للذات المقدسة. وكذلك هذه الصفات تثبت على أكمل أحوالها، فالعزة والقدرة والعلم والحكمة على أكمل ما يمكن أن توصف فيها هذه الصفات، يوصف بها الرب جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: إذ لا يتخلف شيء منها إلا لنقص في الحياة، فالكمال بالحياة يتبعه الكمال بسائر الصفات اللازم أهل الحياة. ثم قرن ذلك باسمه القيوم، ومعنى الذي قام بنفسه واستغنى عن جميع خلقه غنى مطلقًا لا تشوبه شائبة حاجة أصلا. ومعنى ذلك أن الله جل وعلا كما قلنا قرن هذا الاسم أو هذا الحصر بهذا الاسم الذي هو اسم الله الأعظم أو من أسماء الله العظمى، وهو أعظمها، فابتدئت الآية بأقوى أساليب الحصر، وهو النفي والإثبات، وقرن هذا النفي والإثبات بهذا الاسم العظيم القيوم، التي تدل على أزليته سبحانه وتعالى. هذه الكلمة وهذا الوصف والإسم يدل على أزليته سبحانه وتعالى قيوم. قال: ومعناه الذي قام بنفسه، قام بنفسه سبحانه وتعالى، وقام بغيره. قال: واستغنى عن جميع خلقه مطلقًا، وهو كذلك قام بغيره، كل الموجودات مفتقرة إليه، كما ذكر رحمه الله، كما قال سبحانه: ﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾. وقوله: غنى مطلقًا لا تشوبه شائبة حاجة أصلا، يعني أن الله جل وعلا له الغنى المطلق الذي لم يبتدئ بنقص، ولا ينتهي بنقص، ولا يمر بنقص، بخلاف الإنسان، غناه غنى ناقص، لأنه ابتدأ من عدم ومن نقص، ويمر بنقص، فلا يزال مهما كان غنيًا لا يزال فقيرًا في جوانب، وغناء غناء مجزأ وناقص. فأغنى الناس في الدنيا ربما يفتقر إلى الصحة، ربما يفتقر إلى الولد، مع أن غناه حتى في المال ليس كاملًا من كل الوجوه، إنما ملك مالًا كثيرًا بحسب النقص الموجود، وإلا فلم يملك كل شيء. والله جل وعلا له الغنى المطلق سبحانه وتعالى. ولهذا قال: لأنه غنى ذاتي، يعني أن غنى الله سبحانه وتعالى غنى ذاتي، أما غنى المخلوقات فهو مكتسب. وأما قوله: وبه قامت الموجودات كلها، فهي فقيرة إليه فقرًا ذاتيًا، يعني مهما حصل لها من غناء، فغناها بماذا؟ بما يمدها الله جل وعلا به، فهي مفتقرة إلى الله سبحانه، كما قال سبحانه: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾. لم يكن الإنسان شيئًا فجعله الله جل وعلا شيئًا، خلقه من العدم، وكان عاريًا فكساه، وهكذا جائعًا فأطعمه وسقاه، وضعيفًا فألهمه القوة وقواه. وهكذا يبتدئ بضعف، ويمر بقوة، يبتدئ بفقر، ويمر بغنى، وهذا الغنى غنى ناقص بالحقيقة. قال رحمه الله تعالى: قال: وبه قامت الموجودات كلها، فهي فقيرة إليه فقرًا ذاتيًا، بحيث لا تستغني عنه لحظة، فهو الذي ابتدأ إيجادها على هذا النحو من الإحكام والإتقان، وهو الذي يدبر أمورها، ويمدها بكل ما تحتاج إليه في بقائها، أو يومدها ويمدها بكل ما تحتاج إليه في بقائها، يعني من أسباب البقاء، فهي غنية بما يمدها الله به، سواء في الصحة أو في المال أو في بسطة العلم أو بسطة الرزق أو غير ذلك. قال: وفي بلوغ الكمال الذي قدره لها، كل ذلك يسير على ما قدره الله ويسره. قال: فهذا الاسم متضمن لجميع صفات الكمال الفعلية، يعني القيوم، كما أن اسمه الحي متضمن لجميع صفات الكمال الذاتية: الحي القيوم. قال: ولهذا ورد أن الحي القيوم هما اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب. وقد ورد هذا المعنى في أحاديث، فجاء عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا عنه أنه قال: «أي حي قيوم برحمتك أستغيث»، أنه مما إذا دعي به أجاب. وهذا الحديث بهذا اللفظ رواه الترمذي والحاكم، ولكن من طريق عبد الرحمن بن يوسف، عن جده عبد الله بن مسعود، ولم يسمع منه، لكن لهذا المعنى شواهد، فقد جاء في حديث أسماء بنت يزيد، في مرويات أحمد وأبي داود والترمذي: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾، و﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾». والحديث حسنه جماعة من أهل العلم، ومنهم الشيخ العلامة الألباني رحمه الله. طيب، نكفئ إلى هنا إن شاء الله، ونكمل الباقي في درس لاحق. اشتركوا في القناة.