الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 123، الدرس الثالث والعشرون بعد المائة:من( فصل:ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله ... إذ بعدهم إذا كثر الاختلاف وانتشر في الأمة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول أهمية اتباع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم باطنًا وظاهرًا واتباع سبيل السابقين الأولين. يشير إلى اعتماد أهل السنة والجماعة على كلام الله وهدي محمد صلى الله عليه وسلم والإجماع الذي كان عليه السلف الصالح.
يفسر معنى اتباع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبين أقسام المأثور عن النبي. يشدد على قبول هدي النبي ظاهرا وباطنا وأهمية العلم المأثور عن النبي مباشرة أو بواسطة.
يناقش أقسام الناس في الإيمان والكفر والنفاق، ويشرح حال المنافقين وآيات القرآن التي تصفهم مع إشارة إلى أمثالهم في الزمن الحالي.
يشرح كراهة الصلاة إلى شيء فيه صور تشغل المصلي لما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام، ويبين تأثير ما يشغل المصلي على خشوع الصلاة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فصل، ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم باطنًا وظاهرًا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد صلى الله عليه وسلم على هدي كل أحد. ولهذا سموا أهل الكتاب والسنة، وسموا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هي الإجماع، وضدها الفرقة، وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسمًا لنفس القوم المجتمعين. قال: والإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين، وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين. والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح؛ إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشر في الأمة. أورد رحمه الله تعالى هذا الفصل كالخاتمة والمتممة لهذه العقيدة، والاستدراك لما قد لم يكن قد استوعبه ما ذكره في هذه العقيدة؛ فإنه يدخل جملة تحت هذا الأصل العظيم من وجوب الالتزام بما عليه أهل السنة والجماعة في أصولهم، ومن ذلك اتباع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم باطنًا وظاهرًا، إلى آخر ما ذكر؛ يعني مهما يكن من خلاف بين الناس، فالواجب البقاء على هذا الأصل، وبه يحصل الاجتماع، ويعرف الحق من الباطل. وقوله رحمه الله: «فصل، ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم باطنًا وظاهرًا»، يشير إلى أن من خالفهم فهو ليس من أهل السنة والجماعة؛ فإن طريقة أهل السنة هي هذه، فمن كان كذلك فهو في نعم الله عز وجل الشرعية والقدرية بإذن الله تعالى يتنعم. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن من ثمار التمسك بطريقة أهل السنة والجماعة، وكذلك فضله، أن أصحابه يتقلبون في عشرة أنوار كلها من نور الله عز وجل الشرعي والقدري، والضد لمن خالف ذلك ممن خرج عن طريقتهم؛ فهو يتقلب في عشر ظلمات: ظلمة طبع يطبع عليه بسبب إعراضه عما علم من دين الله، كما سيأتي من الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة، وظلمة الجهل، وظلمة الهوى، وظلمة القول، وظلمة العمل، وهكذا ظلمة المخرج والمدخل، والقبر، والقيامة، ودار القرار. وهكذا ضدها عشر أنوار يتقلب فيها من وفق لطريقة أهل السنة والجماعة. وفي قوله: «اتباع آثار رسول الله»، الأثر كما تقدم في دروس قريبة يشمل المروي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعن غيره. فإذا قيد بالرسول عليه الصلاة والسلام كان المراد قوله وفعله وتقريره وهديه عليه الصلاة والسلام، وذلك لا يكون إلا بعلم؛ فيعلم بذلك أن المراد هو العلم المأثور عن النبي عليه الصلاة والسلام مباشرة، أو ما نقل عنه بواسطة؛ فالمأثور عن الصحابة منه. وقوله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا فصل فيه العلماء؛ لأن المأثور عن النبي عليه الصلاة والسلام أربعة أقسام: منها ما كان على وجه التعبد، فهذا يتابع فيه، ومنها ما كان على وجه الوفاق، فهذا لا يلزم المتابع فيه؛ ككونه دخل مكة في حجة الوداع في الرابع من ذي الحجة كما جاء في حديث جابر بن عبد الله، هذا أثر عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه على وجه الوفاق. ومنها ما كان على وجه العادة، فيفعل ما لم يخالف بجنسه من العوائد، وليس هو بما يكون به إلزام المتابعة؛ كالعوائد التي كانت من هدي العرب، وربما بعضها بقي إلى يومنا هذا، وبعضها دثر في كيفية أو في أوصاف بعض الملبس وأدوات المأكل وغيره؛ فهذا مما أثر. وهكذا كذلك قسم الرابع: ما كان على وجه الجبلة، فهذا ليس هو محل متابعة؛ كأصل النوم والأكل والشرب. أما كيفية الأكل والشرب والنوم وزمانه فهو مما هو محل متابعة. وقوله رحمه الله: «اتباع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا» أو «باطنا وظاهرا»؛ لأنه إذا لم يكن كذلك كان ناقصا في متابعته؛ فمتابعته في الظاهر والباطن هذا هو تمام وكمال المتابعة؛ فمن لم يقبله في الظاهر كان كالكفار والفجار، ومن لم يقبله في الباطن كان كالمنافقين. ولذلك كان الواجب هو قبوله باطنا وظاهرا. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أقسام الناس في الهدي الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم أربعة أقسام: منهم من قبله وآمن به ظاهرا وباطنا، قال: وهم على قسمين: أهل الفقه والفهم والتعليم، وهم كالأرض الطيبة التي قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وقسم آخر: أهل تحمل وحفظ ونقل، فهم كالأحواض تحفظ الماء. ومراده رحمه الله أن الناس يتفاوتون في الإيمان به ظاهرا وباطنا، مع أن الجميع آمن به ظاهرا وباطنا كما جاء معنا في حديث أبي موسى. وقسم ثاني: رده وكفر به ظاهرا وباطنا، وذكر رحمه الله أنهم على قسمين: قسم عرفه أي عرف الحق وتيقن صحته وأنه حق، لكن حمله على رده الحسد والكبر وحب الرئاسة والشهوة؛ كاليهود. وقسم منهم أتباع هؤلاء يقولون: سادتنا أعلم بالحق وأعرف منا، وهم أولى بالحق من غيرهم. وهؤلاء أتباع أكثر أهل الكفر؛ كمن قال الله عز وجل فيهم: ﴿إِن وَجَدۡنَاۤ ءَابَاۤءَنَا عَلَىٰۤ أُمَّةࣲ وَإِنَّا عَلَىٰۤ ءَاثَٰرِهِم مُّهۡتَدُونَ﴾. وقسم ثالث: من قبله ظاهرا وجحده ورده باطنا، وهم المنافقون، وهم على قسمين كما ذكر رحمه الله: قال: قسم منهم أبصر ثم عمي، وعلم ثم جهل، وآمن ثم كفر. قال: وهم الرؤوس؛ كمن قال الله عز وجل فيهم: ﴿مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارࣰا فَلَمَّاۤ أَضَاۤءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتࣲ لَّا یُبۡصِرُونَ﴾. وهؤلاء الذين دخلوا في الإسلام قديما أو حديثا على وجه صحيح، ثم تنكرت قلوبهم في الباطن لشوائب، فصار النفاق في الباطن وإظهار الإسلام في الظاهر، وهم من ذكر الله عنهم ما ذكره منها هذه الآية في زمن النبي عليه الصلاة والسلام من المنافقين، وأمثالهم اليوم في هذا الزمان من من اغتر ببعض تلك الثقافات الشرقية والغربية، فاقتضى الكفر في باطنه، واستحيا أن يظهر هذا الكفر بلسانه، ولكن كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِ﴾. وقسم ثاني من هؤلاء قال عنهم ابن القيم: ضعفاء البصائر الذين أعشى ضوء البرق أبصارهم، كما قال الله عز وجل: ﴿یَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ یَخۡطَفُ أَبۡصَٰرَهُمۡ﴾. قال: وهو حال الكثير ممن يهرب من الوحي خشية أن يترك ما عليه أسلافه، فيظهر الإيمان في الظاهر ويبطن الكفر في الباطن لحبه وتعلقه بما عليه الأسلاف. وهذا حال الكثير من المنافقين الذين دخلوا مع النبي عليه الصلاة والسلام في الإسلام طمعا في الدنيا أو خوفا من ذهاب الدنيا التي بأيديهم، وأمثالهم كذلك في زماننا هذا. والقسم الرابع قال: من آمن وقبل باطنا ولم يظهر ذلك ظاهرا، قال: كالمستضعفين من المؤمنين، ومنهم النجاشي ومن معه، واختلف به رجل: هل كان كذلك؟ والصحيح أنه آثر الدنيا كما جاء في الأحاديث الكثيرة والروايات الصحيحة. ثم ذكر كلاما نفيسا فيه بذكر بعض الأمثلة والتفاصيل الدقيقة، فليرجع إليه في كلامه رحمه الله تعالى في «اجتماع الجيوش» وغيره. وقوله رحمه الله تعالى: «ولهذا سموا أهل الكتاب والسنة»؛ يعني لتمسكهم بهذين الأصلين: الكتاب والسنة؛ فهو الذي وجب الأخذ به، كما قال عليه الصلاة والسلام: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنة نبيه». والباقي نتركه إن شاء الله إلى الدرس اللاحق. سئل بعض الناس: ما حكم الصلاة على السجدة التي فيها صورة المسجد - السجدة أو السجادة - لعله؟ فأجاب قائلا: إنه لا محذور فيه. وقال: بل لا مانع أن يصلي الإنسان فوق الكعبة؛ فهذا صواب. السجادة إذا احتاج الإنسان أن يصلي فيها فلا بأس أن يصلي؛ مثل شدة الحر تعرفون مثلا عند الحرم يزدحم الناس فيضطر الإنسان أن يصلي على سجادة. وأما المواظبة على ذلك، وظن بعض العامة أن الصلاة لا تصلح إلا على سجادة، فهذا ليس بصحيح؛ بل بعض أهل العلم رأى أنه من البدع، وأشد منه إذا كان يقدم إلى المسجد ويحجز به الأماكن؛ فقد روي عن مالك وغيره النهي عن ذلك والتشديد في هذا؛ فالمهم الأمر فيه تفصيل. ولا شك أن الصلاة إلى الشيء الذي فيه صور تشغل المصلي يكره؛ وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «اذهبوا بخميصة هذه وأتوني بمجانية أبي جهم»؛ يعني لأنها شغلت عن صلاته. والله أعلم.