الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 9، الدرس التاسع:من( وأنه تبارك وتعالى يرى في الآخرة يراه أهل الجنة بأبصارهم ويسمعون كلامه كيف شاء وكما شاء ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يثبت أهل السنة والجماعة صفة الكلام لله عز وجل استنادًا إلى أدلة الكتاب والسنة ونقل سلف الأمة، مع ذكر أمثلة من القرآن مثل قوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾. يُظهر هذا الفصل أهمية إثبات هذه الصفة.
يتناول هذا الفصل تفاصيل كلام الله تعالى في الدنيا والآخرة، حيث يبين أن الله يتكلم كلامًا يليق بجلاله، ويخاطب خلقه، مع ذكر أمثلة من القرآن على مخاطبته لموسى وآدم وحواء والخلق يوم القيامة.
يشرح هذا الفصل كيفية كلام الله تعالى يوم القيامة مع الناس، ويتطرق إلى تأويل الأدلة التي تثبت أو تنفي كلام الله، ويبين أن كلام الله يكون إما كلام رضا أو كلام غضب، مع الإشارة إلى منهج أهل السنة في إثبات الصفات.
يشير هذا الفصل إلى أن إمرار الصفات كما جاءت هو متواتر عن أهل السنة والجماعة، وأن ما ذكره العلماء من صفات ليس حصرًا، بل هو إشارة إلى النظير الذي يثبت به النظائر الأخرى.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. مر معنا فيما ذكره الرازيان، رحمهم الله تعالى، مما نقلا عن علماء الأمصار في الرؤية، وأنه تبارك وتعالى يرى في الآخرة، يراه أهل الجنة بأبصارهم، ويسمعون كلامه. ومر معنا ما يتعلق بالرؤية، ثم قال رحمه الله: يسمعون كلامه كيف شاء، وكما شاء. وهذا كذلك مما يثبته أهل السنة والجماعة، ودلت عليه أدلة الكتاب والسنة، ونقل عن سلف الأمة. وهكذا كذلك كما ذكرا، رحمهم الله، تناقله علماء الأمصار شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا، إلى آخر ما ذكرا رحمهم الله. وصفة الكلام ثابتة لله عز وجل بأدلة الكتاب الكثيرة، وأدلة السنة كذلك. ومن الكلام كلام الله جل وعلا كذلك يوم القيامة. فمن أدلة الكتاب قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، وقوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، وقوله جل وعلا: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿لَا تُبَدَّلُ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. وقوله جل وعلا: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾، علم أن الإله الحق من كان ينطق ويتكلم كلامًا يليق بجلاله وعظمته. وقوله جل وعلا: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، فأثبت الكلام لنفسه جل وعلا. وقال جل وعلا: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. وهكذا قوله جل وعلا: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنْ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وفيه كذلك إثبات الكلام لله جل وعلا، وأنه ينادي نداء يليق بجلاله وعظمته، بحرف وصوت يليق به سبحانه وتعالى. وهكذا قوله سبحانه: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾، بحق آدم وحواء. وقوله جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾، وهذا وغيره من الآيات يدل أن الله جل وعلا تكلم بهذا القرآن، وأنه كلام الله حقًا. وهكذا كذلك الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الباب. ومن ذلك الكثير ما يوافق ما ذكراه مما جاء في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم: «ما منكم إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، ولا حجاب يحجبه»، ففي إثبات الكلام لله جل وعلا، وهكذا كذلك يوم القيامة، فهو سبحانه وتعالى يتكلم كلامًا يليق بجلاله وعظمته، كيف يشاء ومتى شاء. ومن ذلك أنه يكلم خلقه جميعًا يوم القيامة، كما في هذا الحديث: «ما منكم إلا سيكلمه ربه». ومنه الكلام الخاص الذي يكون لأنبيائه ورسله في الدنيا، فقد كلم موسى عليه الصلاة والسلام، وكلم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وهكذا من كلم من الأنبياء والرسل. وهكذا يكلم يوم القيامة كما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد أن الله جل وعلا يقول لآدم يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فيقول جل وعلا: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ فيقال: أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين. وهكذا كذلك لا ينافي ذلك كون ربنا جل وعلا أثبت أنه لا يكلم أصنافًا من الناس يوم القيامة، مما جاء في كتابه وجاء في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. فهذا يحمل أنه لا يكلمهم كلام رضا وسرور، ولكنه كلام غضب وسخط، أو أنه جل وعلا يكلمهم ثم يغضب عليهم فلا يكلمهم أبدًا. وبهذا تجتمع الأدلة في إثبات الكلام ونفيه، فإن الله جل وعلا أثبت الكلام بما سبق من الآيات، وهكذا كذلك في هذا الحديث، حديث عدي في الصحيحين: «ما منكم إلا سيكلمه ربه». وبهذا فقد نقل نحو ذلك عدد من الأئمة ممن سبق ذكر بعض ما نقلوه فيما تقدم في كتب الاعتقاد عن عدد من أهل العلم، أي في إثبات صفة الكلام. وهكذا كذلك يقال في سائر الأسماء والصفات على ما جرت به أدلة الكتاب والسنة، فإن أهل السنة والجماعة أجروا على ما جرى في الكتاب وفي السنة، وما نقل عن سلف الأمة، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. فكما أنهم أثبتوا هذه الصفات وهذه الأسماء، فكذلك أثبتوا غيرها مما جاء في الكتاب وفي السنة، وكلها سيقت مساقًا واحدًا، وتثبت على وجه واحد، على ما يليق بجلال الله جل وعلا وعظمته، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. فليس ما ذكره من مباحث الصفات حصرًا لما أثبته علماء الأمصار، ولكنه ذكر للنظير الذي به تثبت النظائر الأخرى، وبه يعرف ما كان عليه القوم من إمرار الصفات كما جاءت، كما هو متواتر عنهم مما نقله أئمة أهل السنة والجماعة، وفي كتب الاعتقاد الكثيرة التي سبق الإشارة إليها. وقد ذكرت في تفاصيل تلك الكتب أكثر مما أشارا إليه، أي هذان الإمامان في هذه العقيدة. وبهذا نكتفي، والله تعالى أعلم.