شرح أصول السنة للرازيين 25

شرح أصول السنة للرازيين 25

الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 25، الدرس الخامس والعشرون:من( تنبيه فيما يتعلق ببعض ما يقع بين بعض أهل السنة وأهل الحق وأهل الدعوة الواحدة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الفرق بين الطعن في أهل الأثر والخلاف بين أهل السنة

يناقش الشيخ أهمية التفريق بين الطعن في أهل الأثر والخلاف بين أهل السنة، ويبين أقسام الخلاف بين أهل الحق. يشير إلى أهمية فهم كلام العلماء لتصحيح السير الدعوي.

علامات أهل البدع وأساليبهم في التلقي

يتناول المقطع علامات أهل البدع مثل التعصب للآراء وتعدد مصادر التلقي غير المنضبط، مثل العقل والرأي والذوق. يشير إلى خطورة أخذ أفكار من الكافرين والفاجرين.

خطورة مخالفة السنة واتباع منهج السلف

يبرز المقطع أهمية اتباع السلف الصالح وخطورة مخالفة السنة، حيث يتعصب أهل البدع لأشخاص ويعارضون السنن بآرائهم. يشدد على أهمية الاعتقاد بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم.

علاقة هجر أهل الأفة بمجانبة أهل البدع وتعلق المبحثين

يفسر المقطع العلاقة بين هجر أهل الأفة ومجانبة أهل البدع، مشيرًا إلى ترابط المبحثين وتأجيل تفاصيلهما إلى درس لاحق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا فيما مضى ما يتعلق بعلامة أهل البدع في الطعن في أهل الأثر، فمن علامات أهل البدع الوقوع في أهل الأثر، ومرت معنا مجموعة من المباحث في ذلك. وناسب في هذا المقام أن ينبه على تنبيه فيما يتعلق ببعض ما يقع بين بعض أهل السنة وأهل الحق وأهل الدعوة الواحدة، مما ينبغي أن يفرق فيه بين علامة أهل البدع التي فيها الطعن في أهل الأثر، وبين ما قد ينزغ به الشيطان بين أهل الحق. وهو ينقسم إلى قسمين: منه ما يكون فيه خطأ وصواب وحق وباطل، فيعرف الحق ببينته وبرهانه، والباطل يعرف كذلك بحجته القائمة عليه، ونحو ذلك من البراهين العلمية وما يلحق بها من الأدلة الظاهرة. وبين ما قد يكون مما قل أن يسلم منه البشر من معاني الحسد والتنافس الذي ينزغ به الشيطان. فالأول يحقق ويدقق فيه، والثاني يهمل ويهمش ولا يلتفت إليه. وذكر العلماء في هذا كلامًا كثيرًا، التنبيه على هذه الكلمات أو بعض تلك الكلمات يعين في فهم أشياء كثيرة تمر بطالب العلم، مما قد جرى بين أهل الدعوة الواحدة وأهل الحق، سواء ممن مضى أو ممن يحضره زمانهم، ويمر به اختلافهم. والوقوف على كلام أهل العلم يعين في تصحيح السير الدعوي الذي ينبغي أن يسير عليه طالب العلم، فيكون في سير سديد مستقيم بين إفراط المفرطين وتفريط المفرطين. وهذا هو المطلوب، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وهذه الوسطية بالكتاب والسنة، وفهم سلف الأمة، وما كان عليه علماء هذه الأمة والأمة ممن اتبع السلف بإحسان. وقد روي عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه أرضاه أنه قال: «لا تقبلوا أقوال الفقهاء بعضهم في بعض، فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة». يريد بذلك الفقهاء من أهل الحق ومن أهل الدعوة الواحدة. ويقول مالك بن دينار رحمه الله تعالى: «يؤخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض، فلهم أشد تحاسدًا من التيوس». وهذا كذلك يحمل في كلام العلماء من أهل الدعوة الواحدة. وقد نص العلماء على مواضع من ذلك مما ينبغي التنبه له. فهذا الإمام الذهبي رحمه الله تعالى يقول في ترجمة عفان الصفار: «قال وكلام النظير والأقران ينبغي أن يتأمل ويتأنى فيه». ويقول رحمه الله تعالى في ترجمة محمد بن إسحاق المعروف بابن منده الأصبهاني: «وأقذع الحافظ أبو نعيم في جرحه لما بينهما من الوحشة ونال منه واتهمه، فلم يلتفت إليه لما بينهما من العظائم، فنسأل الله العفو». ويقول رحمه الله في ترجمة أبي الزناد عبد الله بن ذكوان رحمه الله تعالى: «لا يسمع قول الربيع فيه، فإنه كان بينهما عداوة ظاهرة». وقال السبكي رحمه الله تعالى: «أو قبل ذلك قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وإن كلام الأقران غير معتبر في حق بعضهم البعض إذا كان غير مفسر». وليس معناه أنه إذا كان مفسرًا فإنه يقبل مطلقًا، ولكن معناه إذا كان مفسرًا فينبغي أن يتأنى ويدقق كما قال الحافظ الذهبي رحمه الله. وهذا هو النوع الأول الذي يكون فيه حق وصواب ومصيب ومخطئ، ومع ذلك فالجميع من أهل الحق والجميع أهل دعوة واحدة. ولكن هناك حق وصواب، وهناك كذلك خطأ وباطل، فيبين الحق ويحذر من الباطل، ويعتذر لمن يعتذر له. وكذلك يبين ما ينبغي من الآداب في الخلاف، فإنما يقع بين أهل الحق من الخلاف مما هو من خلاف التنوع أو خلاف الأفهام مما ينبغي أن تتسع فيه الصدور. وما كان من خلاف الطباع فإنه ينبغي أن تكون فيه النصيحة وإقامة الحجة، وبعد ذلك مصيب ومخطئ بحسب نوع الإصابة والخطأ. فإذن ليس كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله في قوله إذا كان غير مفسر معنى قبول كلام الأقران بعضهم ببعض مطلقًا إذا كان مفسرًا. لأن هذا التفسير قد يكون كذلك كذبًا، وقد يكون فهمًا خاطئًا، وقد يكون مما هو محل اجتهاد، ففيه صواب وخطأ. وعلى أسوأ الأحوال ومنتهاها لو كان مفسرًا وأحدهما صادق ومصيب والآخر كاذب ومخطئ، لا يحكم لذلك أن يقال هذا مصيب وهذا مخطئ، وهذا محق وهذا مبطل، وأحدهما صاحب صدق والآخر صاحب نقص. ولا يخرج نقص الإيمان والخطأ -يعني- من باب أولى من دائرة أهل السنة، ولا يدخل في البدعة. فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن المؤمن لا يزال مؤمنًا ولو كانت فيه معصية، لكنه مؤمن ناقص الإيمان. فإذا الخلاف وكلام الأقران ينقسم إلى قسمين على ما سبقت الإشارة إليه. ويقول السبكي رحمه الله تعالى: «وإياك ثم إياك أن تصغي إلى ما اتفق بين أبي حنيفة والثوري، أو بين مالك وابن أبي ذئب، أو بين أحمد بن صالح النسائي، أو بين أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي، وهلما جرا إلى زمن العز بن عبد السلام والتقي بن الصلاح. فإنك إن شغلت بذلك خفت عليك أسباب الهلاك، فإن القوم أئمة أعلام، ولكل منهم محامل، وربما لم يفهم بعضهم بعضًا، فليس لنا إلا الترضي عنهم والسكوت عما جرى بينهم». وهذا الكلام بالجملة حق، وبعضه يحتاج إلى وقفات وتحقيق. خلاصته ما سبقت الإشارة إليه: أنه ليس كل ما يجري بين الأقران فهو يترك ولا يلتفت إليه، لأن بعضه يحتاج إلى كما قال الحافظ ابن حجر إلى نظر بما يكون من أدلة وبراهين كما سبق معناه بقوله إذا كان غير مفسر على التبيين الذي سبقت الإشارة إليه. وهكذا ما سبق من كلام الذهبي رحمه الله بقوله: «وكلام النظير والأقران ينبغي أن يتأمل ويتأنى فيه». لماذا يتأمل؟ يتأمل لأن بعضه مما ينبغي أن يحقق فيه ويدقق، وكثير منه مما ينبغي أن لا يلتفت إليه بل يهمش ويسكت ويعرض عنه. وقال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى كذلك: «كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به». وهذا هو الأصل كما تقدم، قال: «لا يعبأ به، لا سيما إذا عللته لعداوة أو لمذهب أو لحسد، وما ينجو منه إلا قال من رحمهم الله». وما علمت أن عصرًا من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين. ولو شئت لسرت من ذلك كراريس. «اللهم فلا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا». وهذه عبارة جامعة تشير وتلمح إلى أن هذا الباب كثير وأموره واسعة. ولو أن امرأة تتبع هذه المعاني كما قال الحافظ الذهبي رحمه الله لا بلغ ذلك كراريس -يعني كتبًا كثيرة-. لكن حسبنا بهذه الإشارات أن نقف على هذه التنبيهات التي تتعلق بهذا المبحث. ثم قال أبو محمد بن أبي حاتم رحمه الله تعالى بعد أن ذكر هذه المباحث: قال رحمه الله تعالى: «وسمعت أبي وأبا زرعة يأمران بهجران أهل الزيغ والبدع ويغلظان في ذلك أشد التغليظ». وقبل ذلك نسرد شيئًا يسيرًا -شيئًا من علامات أهل البدع- فإذا كان من علامات أهل البدع الوقوع في أهل الأثر، فهناك علامات أخرى كثيرة ينبغي الوقوف عليها. وأن يعتني طالب العلم بالتنبه لمباحثها. ومن هذا الكثير على وجه الاختصار والتنبيه، وما نص عليه العلماء في كتبهم من هذه العلامات -أي علامات أهل البدع- التعصب للآراء ولو تبين الحق. فإن التعصب للآراء من علامات أهل البدع. أما أهل الحق وأهل السنة فهم يأخذون دينهم بما دلت عليه الأدلة الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، فهم بذلك يدينون وله يتابعون. وأما غيرهم فإنهم يتعصبون للآراء. ومنه ننتقل إلى علامة أخرى من علامات أهل البدع، وهو أن أهل البدع مصادر التلقي والتلقين عندهم غير منحصر ولا منضبط. فتارة يأخذون بالعقل، وتارة يأخذون بالرأي، وتارة يأخذون بالذوق والكشف، وتارة يأخذون بالرؤى والأحلام، وتارة يأخذون بالعواطف، وتارة لا يتورعون ولا كذلك يترددون في الأخذ من بعض زبالات أفكار الكافرين والفاجرين من الفلاسفة فلاسفة الهند واليونان أو غيرهم من ملل وطرق ومذاهب وفرق أهل الكفر والضلال. فإن ذلك كله كان سببًا في ضلالهم وانحرافهم، وصار علامة من علامات بعدهم عن الحق والسنة ووقوعهم في طريقة أهل الباطل والبدعة. وهكذا كذلك من علامات أهل البدع أنهم يتعصبون لأشخاص ويظنون أن بعض الرجال يمكن أن تقبل آراءهم على حساب السنن، فيعارضون السنن بآراء الرجال، ولا يفعل ذلك إلا صاحب باطل. وهذه من علامات أهل الباطل -أهل البدع- أما أهل السنة فلا يعارضون الشرع والسنة بآراء الرجال. ويتبع ذلك أن من علامات أهل البدع أنهم لا يعتقدون ما يعتقد أهل السنة أنه لا معصوم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتعرفون مقالة الإمام مالك: «كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر»، وأشار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا لما خالف بعض أهل البدع هذا الأصل صاروا يتعصبون لآراء الرجال حتى ربما ظنوا أنها تنسخ الآية والحديث لشدة جهلهم وما طمس على قلوبهم وبصيرتهم. فصرح بعض الحنفية بأن كل آية أو حديث تعارض رأي الإمام والمذهب فهي إما متأولة أو منسوخة. وسبحان الله كيف بلغ الضلال بأهله هذا المبلغ حتى صار قول بعض الرجال ينسخ القرآن ويرد الحديث. والله جل وعلا يقول: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾. ومن ذلك أن أهل الحق يتصفون بالإسلام والسنة جملة وتفصيلًا عقيدة وعبادة وقولًا وفعلًا. وأما أهل الباطل وأهل البدع فاتصافهم يكون إلى غير الإسلام أهله وإلى غير أصول هذا الدين العظيم. فلذلك هم يتركون اتباع السلف والانتساب إليهم سواء بالأسماء أو بالمنهاج والطريق والطريق الذي كانوا عليه. فالمسألة ليست مسألة التورع في أسماء -يعني كون مثلًا هذا المبتدع يتورع أن يقول أنه سني وأنه موحد وأنه من أتباع السلف أو أنه سلفي- ليست المسألة مسألة التورع عن الألقاب والمسميات بقدر ما يتضمنه ذاك التحفظ من هذا الانتساب من مخالفة باطنة وظاهرة. وكذلك حرص شديد على عدم اتباع السلف. قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى: «فـ«علم أن شعار أهل البدع هو ترك انتحال الاتباع للسلف»». ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله في رسالته كما روي عن عبدوس بن مالك: «أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم». ثم مثل رحمه الله ببعض الأمثلة. ومن تلك الأمثلة قال: «فالأشاعرة يقولون مذهب السلف أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص -يعني في مسألة الإيمان- ثم قال: أي أن الأشاعرة يقولون بعد ذلك ما علمهم أن مذهب السلف هو أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ومع ذلك يقولون -أي الأشاعرة- وأما المتكلمون من أصحابنا فمذهبهم كذا وكذا». ثم عدد عددًا من الأمثلة كيف أن هؤلاء الأشاعرة وأمثالهم من أهل البدع أصروا على الانتساب لغير السلف، فسموا أنفسهم أشاعرة وسموا أنفسهم متكلمين وسموا أنفسهم كذلك خلفًا. فيقولون: «وهي مقولة باطلة مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم». وهذا منهم تفريق مع ما في هذه العبارة من باطل بينت في دروس سابقة وفي مواضع. لكن المقصود انظر كيف تورعوا عن الانتساب للسلف. وهذا التورع في الانتساب عن السلف لم يكن تورعًا لفظيًا فحسب، ولكنه متضمن لخلاف في معتقد ومنهاج وطريقة وسلوك. وهذا المثال من أمثلة كثيرة عند هذه الفرقة فقط تدلك على حقيقة هذا المعنى. وقص عليه سائر أهل الأهواء الذين يأبون الانتساب للسلف الصالح والانتساب لأهل الحق. فإن إصرارهم على عدم الانتساب هذا يصر أنه صوفي وذاك يصر أنه شيعي وذاك يصر أنه إباضي وذاك يصر أنه إخواني وذاك يصر أنه قطبي وآخر كذا وكذا من المسميات والألقاب. هذا الإصرار على هذه المسميات والألقاب التي هي فيها الابتعاد عن الانتساب للسلف متضمن للخلاف الذي سبقت الإشارة إليه. فهذا قليل من كثير مما عند أهل الباطل من هذا المعنى. وبه نعلم أن الواجب على المسلم أن يعتني بطلب العلم الشرعي اعتناء عظيمًا، فإنه ليس ينجيه من مثل هذه الفتن ومثل هذه المضلات شيء بمثل العلم النافع. فبالعلم النافع يستبصر طريق الحق فيسلكه وطريق الباطل فيحذره. وهكذا كذلك يأخذ من خبرة من هو أعلم منه ما يعينه على السلامة من مثل هذه المضلات والضلالات. وبه تعرف كذلك أهمية أخذ العلم من أهله أولًا الذين عرفوا بالثبات على السنة وعرفوا كذلك بالرسوخ في هذا الشأن. ولهذا أتبع المؤلف رحمه الله تعالى هذا المبحث بمبحث هجر أهل الأفة لأن ذلك من لوازم مجانبة أهل البدع لما بين هذين المبحتين من تعلق. نكتفي بهذا ونترك الباقي لدرس لاحق، والله تعالى أعلم.