الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 24، الدرس الرابع والعشرون:من( وعلامة الرافضة تسميتهم أهل السنة ناصبة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل العلامات التي تميز أهل البدع في تسميتهم لأهل السنة بألقاب باطلة مثل حشوية ومشبهة ومجبرة، ويبين دلالة هذه التسميات على بدعة أصحابها. كما يشرح كيف يقيس أهل البدع الأقيسة الباطلة على أهل الحق.
يستمر هذا الفصل في بيان علامات أهل البدع من خلال تسميتهم لأهل السنة بألقاب تهمة مثل مخالفة ونقصانية وناصبة، ويشرح أصول هذه التسميات ودلالاتها. كما يبين أن هذه التهم مردودة على أصحابها وتدل على انحرافهم.
يتناول هذا الفصل علامة أخرى من علامات أهل البدع وهي الطعن في أهل الحق، ويضرب أمثلة تاريخية على ذلك. كما يشير إلى أن هذا الطعن يدل على بدعة صاحبه ومحاولة إسقاط أهل الحق.
يشير هذا الفصل إلى أهمية الرجوع إلى المراجع الموثوقة مثل كتاب "التنكيل في رد على أباطيل الكوثري" للرد على الأباطيل. ويعد هذا الكتاب من الكتب النافعة في هذا السياق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي فيما ذكره ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى عن أبيه، فيما ختم به هذه العقيدة، رحمه الله تعالى، بتلك النقولات المنقولة عن أبيه رحمه الله تعالى. فكان مما قال: أنه سمع أباه يقول: «وعلامة أهل البدع الوقيع في أهل الأثر». ومر معنا الكلام على ذلك، ثم ذكر تفاصيل في بعض تلك التسميات الجائرة الباطلة التي يسمي أهل الباطل وأهل البدع والأهواء أهل الأثر. والمقصود بذلك التفصيل بعد الإجمال، كما سبق، هو الإشارة إلى شيء مما يسمي به أهل البدع أهل السنة، فيعلم بطلانه على وجه النص والتعيين، ويعلم ما حقيقة هذه التهمة ومن يقولها. فإنك إذا عرفت تنصيص أهل العلم، جزمت بنوع بدعة المبتدع بحسب تهمته وتسميته لأهل الحق. فلهذا قال: «وعلامة الزنادق تسميتهم أهل الأثر حشوية»، يريدون إبطال الآثار. وقد علمنا أن المراد بالحشوية ما أُخذ من الحشو، وهو الشيء الزائد الذي لا قيمة له. وأحيانًا يطلق ويراد بهم العامة وجمهور الناس، أي الذين ليس عندهم علم. وهذه الكلمات كلمات تتابع بقولها أهل الباطل، وإن اختلفت أزمنتهم، وربما تنوعت بعض مسمياتهم، إلا أنهم في الحقيقة يرجعون إلى معاني متقاربة. يرجعون إلى معاني متقاربة. وكذلك مر معنا ما ذكره رحمه الله تعالى في قوله: «وعلامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة». وهذا كذلك تفصيل بعد إجمال، وعلمنا أن المقصود به تعيين قائل هذه اللفظة من المبتدعة، وأنه قال ذلك لما يحمل من باطل وبدعة. فكونه من أهل التعطيل دفعه ذلك أن يقول هذه المقالة في أهل الحق. ونقل اللالكاي رحمه الله تعالى عن أحمد بن سلمة رحمه الله تعالى أنه قال: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: «من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلقه فهو كافر بالله العظيم، لأنه وصفه بصفاته، وإنما هو استسلام لأمر الله ولما سن الرسول صلى الله عليه وسلم». ومعناه أن باب الأسماء والصفات توقيفي، لا يتعدى القرآن والحديث، ولا يجوز القول بالتشبيه. ثم قال رحمه الله: أنه سمع إسحاق، أي ابن راهويه رحمه الله، يقول: «وعلامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل الجماعة وما أولعوا به من الكذب إنهم مشبهة، بل هم المعطلة». ولو جاز أن يقال لهم هم المشبهة لاحتمل ذلك. وذلك أنهم يقولون: إن الرب تبارك وتعالى في كل مكان بكماله، في أسفل الأراضين وأعلى السماوات، على معنى واحد. وكذبوا في ذلك، ولزمهم الكفر. فانظر إلى هذا الإمام وإلى هذه الكلمة التي قالها رحمه الله، وأن هذه التهمة من قديم يرمى بها أهل السنة وأهل الجماعة وأهل الأثر، أهل الحق. وأن رمي أهل الحق بهذه التهمة يدل على أن صاحب هذا الاتهام والكذب يبطن بدعة، دفعته هذه البدعة لاتهام أهل الحق بمثل هذه التهمة. ويدلك على ذلك هذا الأثر المروي عن هذا الإمام، الذي يتضح به هذا المقام. فهم الذين يعطلون الصفات، فيقابلون إثبات الصفات باتهام من يثبت الصفات أنه مشبه. ولهذا قال رحمه الله: «علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل الجماعة»، أي أنهم مشبهة. وقوله: «وما أولع به من الكذب»، أي أن طريقة أهل البدع الولوع ومعنى التعلق المستمر باتهام أهل الحق بالتهم الباطل الكثيرة. وقد علمنا أن لأهل الباطل سلف يتبعونهم في سنتهم الباطلة. فقد كان أعداء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام يتهمونهم بالتهم الباطلة. وأما قول إسحاق: «ولو جاز أن يقال أنهم هم المشبهة لاحتمل ذلك»، ومعناه أن هذه التهمة في الحقيقة كذب على أهل السنة وعلى أهل الحديث والأثر وأهل الحق. ولو قيل أن هذه التهمة أولى من يوصف بها هم هؤلاء الجهمية لكان هذا محتملًا. ثم بيّن وجه الاحتمال ببعض مقولاتهم التي فيها معنى التشبيه، فقال: «وذلك أنهم يقولون إن الرب تبارك وتعالى في كل مكان بكماله، في أسفل الأراضين وأعلى السماوات، معنى واحد. كذبوا في ذلك، ولزمهم الكفر». ومعنى قول القائل أن الله بكل مكان، هذا تشبيه للخالق سبحانه بالمخلوق. فإن الخالق جل وعلا ليس كمثله شيء، وهو خالق الزمان والمكان، فهو مستغني سبحانه وتعالى عن أن يكون في الأرض أو في السماء بالمعنى الذي يفهمه هؤلاء الجهمية، الذين هم في الحقيقة أحق أن يوصفوا بالمشبهة. وأما كون أهل السنة يثبتون لله سبحانه وتعالى الاستواء على ما يليق بجلاله وعظمته، ويثبتون له سبحانه وتعالى العلو على ما يليق بجلاله وعظمته، هذا مع نفي كل معاني التشبيه بالمخلوقين. وكذلك إثبات كل معاني التنزيه للخالق سبحانه وتعالى. وأما هؤلاء فهم يزعمون أنه في كل مكان، وذلك فيه ما يتنزه المخلوق أن يوصف به، فضلًا أن يوصف به الخالق سبحانه. فصارت مقولة الجهمية في هذا الباب هي أعظم من مسألة التشبيه، بل فيها في الحقيقة انتقاص لعظمة الرب سبحانه وتعالى، كما هو موضح في كتب العقائد. قال رحمه الله تعالى: «وعلامة القدرية تسميتهم أهل الأثر مجبرة». ومر معنا في دروس سابقة وجه ذلك، لأن القدرية ينفون القدر، فيجعلون من يثبت القدر أنه جبري. وهنا نستفيد أولًا أن هذا التفصيل بعد الإجمال فيه تعيين أن متهم أهل الحق بهذه التهمة تدل أن عنده نقيض ما عند أهل الحق. فكونه اتهمهم بأنهم جبري، هذا يدل أنه قدري. والعكس كذلك، إذا وجد من يتهمهم بأنهم، فهذا يدل أن هذا المتهم بالباطل جبري. وهكذا. ففيه أولًا تعيين من قال بهذه التهمة، وفيه ثانيًا كذلك بيان كيف يتوصل إلى ضلال أهل البدع بواسطة أحكامهم الجائرة على أهل الحق. وفيه كذلك ثالثًا بيان هذا المعنى في كون أهل الباطل يقيسون الأقيسة الباطلة، ويلزمون باللوازم الباطلة الجائرة. فليس إثبات الحق يستلزم القول بالباطل. ليس إثبات الحق يستلزم القول بالباطل. كون أهل السنة أثبتوا القدر على الوجه الذي أثبته الشرع، ومن ذلك أنهم أثبتوا مشيئة الله سبحانه وتعالى النافذة، لا يعني أنهم يقولون بالجبرية. وهكذا كذلك، كون أهل الحق ينكرون على القدرية نفيهم لأدلة القدر، وتعلقهم بأدلة الإرادة الشرعية، لا يعني أنهم يقولون بالجبر، وأنهم ينفون أدلة الإرادة الشرعية. لأنهم في الحقيقة هم يردون على القدرية وعلى الجبرية، يردون على القدرية وعلى الجبرية. وهذه المباحث في القدر سبقت، لكن نستفيد من هذا أن هذه التهمة على وجه الخصوص هي من علامات أهل البدع إذا اتهم بها أهل الحق. وأنها خاصة فيمن فيه بدعة من بدع القدرية. والقدرية ربما ليس لهم فرق خاصة تسمى به في هذا الزمان، لكنهم يدخلون وينطوون تحت فرق أخرى، كالمعتزلة، وتحت الشيعة الرافضة. فإن الكثير من الرافضة في هذا الزمان هم من أفراخ القدرية في باب القدر، ومن أفراخ المعتزلة في مسائل الإيمان، وبعض مسائل الأسماء والصفات. بل ربما وافقوا حتى المعتزلة في بعض مسائل العقل، ورد أدلة السنة الآحاد على قاعدة هؤلاء المعتزلة النفاه، الذين بلغ بهم الأمر إلى إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، والعياذ بالله، كإنكار عذاب القبر وغيره. ثم قال رحمه الله: «وعلامة المرجئة تسميتهم أهل السنة مخالفة ونقصانية». وهذا كذلك فيه تفصيل بعد إجمال، ففيه أولًا بيان هذه التهمة أنها من تهم أهل البدع على أهل السنة. فإن قيل: هذا في أهل السنة، فيعلم أن عين هذه التسمية قد قالها أهل البدع في أهل السنة. وفيه تعيين من القائل، وهم المرجئة. وفيه كذلك ضمنًا بيان العلة التي لأجلها يتهم المرجئة أهل السنة بهذه التهمة. فمخالفة ونقصانية مأخوذ من إثبات أهل السنة لمعنى نقصان الإيمان بسبب المعاصي. فالمرجئة يقولون ويزعمون أن الإيمان لا ينقص بالمعاصي، بل هو على ما هو عليه. ومخالفة كذلك يزعمون أن الإيمان لا يختلف. فلهذا اتهم أهل السنة بهذا، ولا يدرون أنهم بهذا الاتهام الجائر الباطل يكذبون نصوص الكتاب والسنة الكثيرة. فالله جل وعلا هو الذي قال: «وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا». وهو القائل سبحانه: «وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى». ويقول النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي هريرة في الصحيح: «لا يزن الزان حين يزن وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة حين ينتهبها وهو مؤمن». وفي حديث ابن سعيد بالصحيح مسلم: «من رآى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فذلك أضعف الإيمان». فالإيمان يضعف بالتفريط في الواجبات، ويزيد بامتثال هذه الواجبات، كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وأجمعت عليه الأمة. وفي هذا كذلك، كما تقدم، أن هذه التهمة تدلك كذلك على ذاك الميزان الجائر الذي يزن به أهل البدع، مسألة التصويب والتخطئة، ومسألة كذلك إلحاق التهم بالمخالفين. فإنهم لما كانوا على غير الحق والعدل، كانت هذه التهم الجائرة. فليس هناك تلازم بين إنكار البدعة أن يستلزم ذلك القول بالباطل. فكون أهل السنة أنكروا على المرجئة هذا القول الباطل، لا يعني أنهم وقعوا في ضد ذلك. بل هذا يدل على حقيقة البدعة التي وقع فيها المرجئة. قال رحمه الله: «وعلامة الرافضة تسميتهم أهل السنة ناصبة». وفي نسخة: «نابتة». وناصبة مأخوذ من معنى النصب، أي نصب العداوة لأهل البيت. فلما كان الرافضة يغلون في أهل البيت، فصاروا يتهمون كل من ينهى عن الغلو في أهل البيت أنه عدو لأهل البيت. وهذا من المعنى المتقدم والسابق، فإن هؤلاء جعلوا تلازمًا وليس الأمر كذلك. بل أهل السنة يدعون إلى الحق والعدل مع سائر الصحابة، ومع أهل البيت. فهم يأمرون بحب جميع الصحابة، ومنهم أهل البيت. وكذلك ينزلون الصحابة منازلهم الشرعية الصحيحة التي دلت عليها. فمن مفاهيم الرافضة أن تقديم الشيخين أبي بكر وعمر يستلزم أو تقديم الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان يستلزم الطعن في علي وتنقصه. وليس الأمر كذلك، فإن تقديم ذوي الفضل من الصحابة لا يستلزم الطعن في أهل البيت. وهذا كذلك يدلك على تلك الأقيسة الباطلة واللوازم المنحرفة التي يسير عليها أهل البدع والأهواء، مع ما فيه مما تقدم. ففيه تعيين هذه المقولة، وأنها من مقولة أهل الباطل وأهل البدع، وأن قائلها هو من الرافضة. ولو لم يكن يظهر الرفض، فمن اتهم أهل السنة في هذا الزمان مثلًا بأنهم ناصبة، فإنك ستعلم ولو بعد حين أن هذا الرجل فيه بدعة الرفض، ولو لم يظهر هذه البدعة. وقد نص أهل السنة على ذلك. وهذا المعنى موجود بما سمعنا وفهمنا. ولذلك فإن أهل الحق لا يبالون بمثل هذه التهم، بل يقولون: إن كان القول بالحق في هذا المقام يستلزم ذلك، فإننا نرضى بهذه التهمة، وإن كنا منها براء. ويروى عن الإمام الشافعي رحمه الله وتمثل به جماعة من أهل العلم، حتى نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه تمثل بهذا البيت: «إن كان نصبًا حب آل محمد فليشهد الثقلان بأني ناصبي». بأني ناصبي. وهكذا قولهم: «نابتة»، قولهم: «نابتة» مأخوذ من معنى النبت، أي الشيء الجديد الصغير الحقير. وكأنهم يتهمون أهل الحق وأهل السنة بأنهم محدثو دين لم يكن عليه أهل الدين من قبل. ومثل هذا قول بعض عامة الناس: «أهل الدين الجديد». فإن مثل هذه التهمة تهمة تشبه تهمة الرافضة في أهل السنة وأهل الحق. فلا يجوز لمسلم أن يقول مثل هذا عن مسلم. فإن قولًا مثل هذه المقولة يدل على إبطان بدعة وباطل في القلب. فلا ينبغي للمسلم إلا أن يحمل الحب والود لأخيه المسلم. «إنما المؤمنون إخوة». لا يؤمن وحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وغير ذلك مما يستوجب حقيقة المحبة التي يجب أن يكون عليها أهل الحق وأهل هذا الدين العظيم. وهو من معاني الاعتصام بالدين. ولهذا فإنك لا ترى أحدًا يحمل غلًا وعداوة وحقدًا على أهل الحق، إلا وكان ذلك يدل على أنه يبطن بدعة. وأن هذه البدعة ستظهر ولو بعد حين. وكم قد ذكر أهل العلم وأهل السير والتاريخ من هذا أمثال ونظائر. بل وكم قد تفاجأ الناس من أناس كانوا يظهرون العلم ويظهرون الفضل ويظهرون العدل والإنصاف، وربما يظهرون السنة ونشرها وحملها ونصرتها، وهم في الحقيقة يبطنون البدعة. علم ذلك من حقدهم وتحاملهم على أهل الحق. فما مرت الأيام والليالي إلا وفضحهم الله سبحانه وتعالى. فكان في زمن قديم يوجد أمثال هؤلاء، ولا يزال مثل هذا الفعل موجودًا على مر التاريخ والسنين إلى يومنا هذا. فقد ذكر في ترجمة عمر بن عبيد هذا المعتزلي، الذي اغتر به جماعة من الناس في زمانه، حتى قال من قال من الأمراء: «كلكم يمشي رويدًا كلكم يطلب صيدًا إلا عمر بن عبيد». يشير أن عمر بن عبيد عالم زاهد وصاحب علم ودين، وأن غيره يطلب الدنيا. ولهذا قال بعض أهل العلم، كما أشار الشاطبي رحمه الله تعالى: قال: «من علامات أهل البدع التنسك الكاذب بالدين، والدعاء الورع والزهد، واتهام أهل الحق بحب الدنيا». واتهام أهل الحق بحب الدنيا. ثم ذكر الشاطبي رحمه الله قصة عمر بن عبيد، وأشار إلى عدد من الآثار التي نقلها العلماء في عمر بن عبيد. عمر بن عبيد كان يظهر الزهد ويظهر الورع ويظهر الدين ويظهر العلم، ولكنه كان يطعن في مجالسه طعنًا خفيًا لا يظهر هذا للأمراء ولا يظهر هذا لكل أهل العلم، ولكن علم واطلع على ذلك خواص من يحضر مجالسه. فقد ذكر عنده مرة عبد الله بن عمر رضي الله عنه، فاتهم عبد الله بن عمر رضي الله عنه أرضاه بأنه حشوي أو قال مشبه أو قال مشبه. فمثل هذه المقولة تدل أن هذا الرجل يحمل الحقد على الصحابة، وعلى هذا الصحابي على وجه الخصوص. فهو يبطن شيئًا ما. مرت الأيام الليالي إلا وأظهر هذا الذي يبطن من بدعة في صدره. وذلك أنه كان على طريقة التعطيل في باب الأسماء والصفات، وعلى طريقة النفي في باب القدر، وهي طريقة المعتزلة، وهي طريقة المعتزلة. ويذكرون أن عمر بن عبيد أفتى بفتوى مرة، فقيل له: يخالفك في هذا أيوب ويونس وابن عون والتيمي. فقال: «هؤلاء أنجاس أرجاس أموات غير أحياء». أنجاس أرجاس أموات غير أحياء. قال بعض أهل العلم: أظهر أنهم أهل دنيا، وأنهم أهل عدم تورع، وهو يبطن في ذلك أعظم مما يظهر. لأنه يخالف معتقدهم ومنهجهم في باب الاعتقاد، لكنه حاول أن يظهر شيئًا من الطعن فيهم من جهة الدنيا. وذكر الذهب رحمه الله تعالى في ترجمة أحمد بن سنان قال: «أحمد بن سنان، ليس بالدنيا مبتدع إلا ويبغض أصحاب الحديث». وإذا ابتدع الرجل بدعة، نزع في قلبه نزع من قلبه حلاوة الحديث، ووقع فيه بوغض أهله، أي أهل الحديث، أو كما قال رحمه الله تعالى. وقال الأوزاعي رحمه الله تعالى: «ما ابتدع رجل إلا غل صدره على المسلمين». قال: «وكنا نتحدث أنه ما يبتدع مبتدع بدعة إلا سلب ورعه في أهل الحق». ما يبتدع مبتدع بدعة إلا وسلب ورعه في أهل الحق. الرجل إذا وجدته لا يتورع في أهل الحق، أهل السنة، أهل الجماعة، أهل الحديث، فإنك ستعلم ولو بعد حين أن هذا يبطن بدعة ويبطن باطلًا سيظهر ولو بعد حين. وذكر الشاطبي كذلك رحمه الله تعالى أن عمر بن عبيد قال مرة: «لو شهد عندي علي وعثمان وطلحة والزبير على شراك نعلي لما أجزت شهادتهم». قال: وهو يشير الشاطبي رحمه الله كأنه يطعن في دينهم لتنافسهم على الدنيا والملك. يطعن في دينهم كأنه لتنافسهم على الملك. يعني أنهم حصل عندهم ما حصل من الخلاف، وزعم أنهم ليسوا أهل زهد في الدنيا، والعياذ بالله. ولكنه في الحقيقة كان يبطن بدعة عظيمة خطيرة، وهي بدعة الاعتزال. حتى قال الشاطبي رحمه الله: «هكذا قال، نعوذ بالله من الخذلان». نعوذ بالله من الخذلان. وطعنه في الصحابة كثير. فقد ذكر معاذ بن معاذ عن عمر بن عبيد أنه قيل له مرة، وقد أفتى بفتوى تخالف ما جاء عن الحسن عن سمرة في السكتات، أي في الصلاة. فقيل له: كيف تفتي بهذا وحديث الحسن عن سمرة في السكتتين؟ فقال عمر بن عبيد: «ما تصنع بسمرة؟ قبح الله سمرة». نعوذ بالله من الخذلان. وهو بكل هذا يظهر للناس أنه يطعن في هؤلاء لأجل ما وقع بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وأنهم يعني حصل عندهم شيء من التنافس على الدنيا. ولكن في الحقيقة ليس الأمر كذلك. ليس الأمر كذلك. فهؤلاء مبرؤون من هذه التهمة. ولكن حسبنا أن نقول في أقصى وأشد الأحوال: اجتهدوا، وهم بين الأجر والأجرين، على ما سبق الإشارة إليه من أجوبة أهل العلم عن مثل ذلك. كما سبق معنا في أواخر شرح الواسطية. ومع ذلك فهم في الحقيقة لا يريدون، أي هؤلاء الذين يطعنون فيمن يطعنون من أهل الحق، لا يريدون هذا الذي يظهرونه. ولكن لأنهم يبطنون عقيدة تخالف عقيدة هؤلاء، فهم لذلك يريدون أن يسقطوا أهل الحق ومنزلتهم في قلوب الناس. وقال البربهاري رحمه الله تعالى: «إذا سمعت رجلًا يقول: فلان ناصبي، فاعلم أنه رافضي». وإذا سمعت الرجل يقول: «فلان مشبه أو فلان يتكلم بالتشبيه، فاعلم أنه جهمي». وإذا سمعت الرجل يقول: «فلان تكلم بالتوحيد أو قال اشرح للتوحيد»، قال: «فاعلم أنه خارجي»، ويريدون بالتوحيد توحيد الخوارج والوعيدية في أصولهم الباطلة. قال: «ويقول هلان مجبرًا ويتكلم بالإجبار أو تكلم بالعدل، فاعلم أنه قدري». قال: «وأن هذه الأسماء محدثة»، يعني أحدثها أهل الباطل، فتكلموا في أهل الحق. وكلامهم في أهل الحق يدل على بدع تبطنها صدورهم، على بدع تبطنها صدورهم. ومن ذلك كذلك أن واصل بن عطاء تكلم مرة، وكان واصل بن عطاء خطيبًا مفوهًا، ولكن ليس معيار العلم والحق بحسن الخطابة. بل على العكس، ما أذم عن سلفنا، كما روي عن ابن مسعود رحمه الله ورضي الله تعالى عنه: «أن من علامات الساعة أن يكثر في الناس الخطباء ويقل فيهم العلماء». يكثر في الناس الخطباء ويقل فيهم العلماء. فإن حسن الخطابة ليس من علامات أهل الحق، ولا مما يغتر به. فينبغي أن يفرق بين العالم والخطيب، وبين حامل العلم الراسخ فيه، وصاحب الحق، وبين من يؤثر بالناس بالعواطف. فإن التأثير في الناس بالعواطف ليس معيار الحق. ذكر الشاطبي رحمه الله أن واصل بن عطاء تكلم مرة، وهو معتزلي، فقال: عمر بن عبيد عنده، وهو يثني على خطبته وكلامه. قال: «ما كلام الحسن وابن سيرين عند كلام هذا إلا خرقة حيض ملقية». إلا خرقة حيض ملقية. يريد بذلك أن الحسن وابن سيرين رحمهم الله، وهم من إمام التابعين، كلامهم في مسائل الحيض والنفاس. وأن واصل بن عطاء عنده هذه الخطبة التي انبهر بها، وأبهر بها بعض الجهلة، أهل العواطف. ونحو هذا قول من يقول من أهل الباطل: «هؤلاء علماء حيض ونفاس». هؤلاء علماء حيض ونفاس. يزعمون أن أهل العلم الذين هم محل مرجعية للأمة، ويتحملون أمانة الفتوى، فتكون لهم الفتوى في جميع مسائل الدين. ومن مسائل الدين فتاوى الحيض والنفاس، أن هذا يعني من قصه لهم. وهذه سنة أهل البدع، هذه سنة أهل البدع في الطعن في أهل الحق. فالخلاصة من هذا الفصل هو الإشارة إلى أن من علامات أهل البدع الوقيع في أهل الأثر. فإذا رأيت الرجل يطعن في أهل الحق، فاعلم أنه يبطن بدعة، وإن لم تظهر، فإنها ستظهر بعد حين. ومما ذكره العلماء كمثال آخر ما وقع للكوثري، وقد كان محققًا لكتب الحديث في زمانه، ومدعيًا وحاملًا للواء السنة ونصرتها. كم حقق من كتب الحديث، وأخرج من المخطوطات. ولكنه عبث فيها بسبب بدعته، فتتبعه أهل الحق. وكان في ثنايا تلك التحقيقات والتعليقات يدس الطعن في أهل الحق وأهل الحديث. وتتبعه العلماء، ومن أحسن من تتبعه الإمام المعلم رحمه الله في كتابه «التنكيل». فمثلًا على سبيل المثال، وقد طعن في أئمة كثير من أئمة الحديث، طعنه في عبد الله بن أبي بكر، أو ابن أبي داود رحمه الله تعالى. ابن أبي داود رحمه الله تعالى. فزعم أنه ناصبي مجسم، وذكر قصة مكذوبة في حقه. فأجاب عن ذلك المعلم رحمه الله بما تعلم به كيف حال أهل الباطل وأهل البدع. فالرجوع لمثل هذه المراجع كهذا الكتاب العظيم «التنكيل في رد على أباطيل الكوثري» من الكتب النافعة في هذا المقام. وإلى هنا ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق. والله تعالى أعلم.