الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 75، الدرس الخامس والسبعون:من( باب ما جاء في الرياء ... قال الشرك الخفي:يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل.رواه أحمد ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المفهوم العام للرياء وعلاقته بالشرك، ويوضح أن الرياء قد يكون شركًا أكبر أو أصغر حسب النية وراء العمل. يُفسر الرياء على أنه عمل يُؤدى لغير الله.
يتناول المقطع مفهوم الرياء في مختلف العبادات مثل الصلاة والصدقة والصوم والحج، ويشرح كيف يمكن تجنب الشرك في هذه العبادات، خاصة عند أخذ الأجرة على الحج.
يتناول حكم أخذ الأجرة على الحج ومسألة الرياء في العبادات وتأثيرها على قبول العمل، مشيرًا إلى أهمية النية الصالحة في العبادة وتأثيرها على تجنب الرياء.
يُناقش ضرورة مقاومة الأفكار السلبية أثناء العمل والاستمرار في أداء العبادات بنية صالحة، ويشدد على أهمية عدم السماح للأفكار السلبية بإيقاف الإنسان عن العمل.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه "كتاب التوحيد"، قال: باب ما جاء في الرياء. وقول الله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾ الآية. وعن أبي هريرة مرفوعًا: قال الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه»، رواه مسلم. وعن أبي سعيد مرفوعًا: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل»، رواه أحمد. قال في مسائل: الأولى: تفسير آية الكهف. الثانية: تفسير الثاني الأمر بالأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله. الثالثة: ذكر السبب الموجب لذلك، وهو كمال الغنى. الرابعة: أن من الأسباب أنه خير الشركاء. الخامسة: خوف النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه من الرياء. السادسة: أنه فسر ذلك بأن الرجل يصلي لله، لكن يزينها لما يرى من نظر الرجل إليه. أورد المؤلف، رحمه الله تعالى، هذا الباب في سياق ذكره للأبواب التي فيها ما ينافي التوحيد. ومر معنا أن بعض هذه الأبواب، خصوصًا هذه الأبواب القريبة منها، ما ينافي كماله، ومنها ما ينافي أصله. ففي هذه الأبواب ما يتضمن معنى الشرك الأكبر أو الأصغر. وباب الرياء، أو ما جاء في الرياء، أي هذا مدخل في معرفة الأحكام التي جاءت في الرياء، أو المسائل التي جاءت وذكرت، أو يناسب ذكرها في الرياء. والأصل في هذا الباب أنه من الشرك الأصغر، وقد يكون بعضه من الشرك الأكبر. ثم ذكر الآية في سورة الكهف: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾. والآية عامة في التحذير من الشرك والتوجه لله جل وعلا وحده بالألوهية، وهو يتناول، كما ترون، ما ينافيه من الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر، فيدخل في ذلك الشرك الأكبر بأنواعه، كما تقدم، والشرك الأصغر بأنواعه. فإذا كان مع الناس فهو الرياء، وإذا كان مع النفس فهو العجب. ثم هذا الرياء قد يكون كذلك أكبر، وقد يكون أصغر. والأصل أنه يكون من الأصغر، لكن كما قال بعض العلماء: إذا صار العمل ليس فيه حظ ولا نصيب لله جل وعلا، فهو رياء محض، المقصود به مراءاة الناس، فهذا من الشرك الأكبر. وهذا يتصور وقوعه من المنافقين، كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس﴾. فهذا النوع من الرياء عند المنافقين رياء يوقع في الشرك الأكبر؛ لأنه ليس فيه نصيب لله عز وجل، فهم لم يؤدوا هذه العبادة لله أبدًا، وإنما أرادوا أن يحفظوا دماءهم وأموالهم وأعراضهم، فأرادوا الدنيا، ولذلك فهم يراؤون الناس. وهكذا يدخل فيه كذلك ما كان بمعناها من آيات، حتى في آحاد الأعمال في غير الصلاة، كما قال الله عز وجل: ﴿كالذي ينفق ماله رياء الناس﴾. فإنها تتناول الأكبر والأصغر، ومنها قول الله عز وجل: ﴿الذين هم يراؤون﴾، وغيرها من الآيات والأدلة. وقوله عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا، أي عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: فهو حديث قدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك». ومعناه أن الله يتبرأ من شرك المشركين وعملهم. «من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه»، فعمله باطل غير مقبول، وليس هذا فحسب، بل هذا مع الذن والعقاب، فهو مذموم ويعاقب. وكذلك عمله مردود، حتى لا يظن أن الأمر يتوقف عند رد العمل، بل مع رد العمل يلحقه الذن والعقاب. وقوله عن أبي سعيد مرفوعًا: الحديث رواه الإمام أحمد. وكما أشار المعلق: حسنه جماعة من أهل العلم، ومنهم من المعاصرين أعلام الألباني، رحمه الله، كما أشار. وبعض أهل العلم يضعف هذا الحديث. وكما تقدم معنا: المؤلف رحمه الله يذكر في هذا الكتاب ما هو صحيح أو حسن أو ما هو يحتمل التحسين عند بعض أهل العلم. وليس في الكتاب موضوع، حتى لو ذكر ما فيه ضعف، فمعناه صحيح. فهذا الحديث، حتى على قول من يقول بتضعيفه، فهو صحيح المعنى. والشاهد منه بالنسبة للترجمة قوله عليه الصلاة والسلام: «الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل». ومعناه أن هذا أخوف ما يخاف على هذه الأمة من المسيح الدجال. وسمي شركًا خفيًا لخفائه، أي أنه لا يظهر. فالشرك الظاهر الذي يظهر يحذره الناس، وأما هذا الخفي فهو الذي قد لا يسلم منه أحد. ولهذا ذكر في المسائل هذا المعنى، كما سيأتي إن شاء الله. وهذا الحكم ليس خاصًا للصلاة، ولكن ذكر الصلاة لأنه يكثر الابتلاء به، ولأنه كذلك أقرب ما يمثل به، كما ذكر بعض أهل العلم. فمثل الصلاة سائر الأعمال. فما كان لله خالصًا فهو العمل المقبول الخالي من الشرك، وما كان فيه شائبة الرياء فإنه يكون فيه معنى الشرك، وفيه تسمية الرياء شركًا، ولكنه كما تقدم شرك أصغر. وكما يقال في الصلاة يقال في الصدقة، فإنه يتصور مثل ذلك. وقد قال الله عز وجل: ﴿كالذي ينفق ماله رياء الناس﴾. وهل يتصور في الصوم؟ بعض أهل العلم قال: لا يتصور في الصوم. ولكن أجاب بعض العلماء فقالوا: كذلك في الصوم، ولو كانت عبادة خفية، لكن يتصور فيها إذا كان في التطوع، فأحب أن يظهر كونه صائمًا، فإظهاره لكونه صائمًا، أي من الصائمين، هذا معنى من معاني الرياء. أو كذلك إذا تمدح بهذا الصوم، وأعظم من ذلك إذا صار يتفضل ويتمنن بصومه. وهذا يقع عند بعض العامة من قل علمه أو قل عقله، ولو كان عنده شيء من العلم ربما يمن على الناس أنه صائم، وهذا معنى من معاني الرياء. وهكذا كذلك الحج قد يتصور فيه الرياء. وهنا تأتي مسألة يكثر السؤال عنها، وهو الحج عن الغير أو حج البدل. كيف يمكن أن يوقعه هذا النائب خاليًا من شائبة الشرك، خصوصًا إذا أعطي أجرة؟ والغالب أن من يحج حج البدل أو يحج عن الغير يعطى أجرة الطريق أو أجرة النفقة أو أجرة الحج كاملة. وضع العلماء هنا ضابطًا، فقالوا: من حج ليأخذ الأجرة لم يجز له أن يحج. ومن أخذ الأجرة ليحج جاز له أن يحج. انظروا الفرق: إنسان يحج لأجل الأجرة، وإنسان أخذ الأجرة لأجل أن يحج. فهنا يتبين أن أخذ الأجرة في الأول مذموم، وفي الثاني ممدوح. في الأول مذموم لأنه أخذ الأجرة للأجرة، ولم يأخذها للحج، فهو حج لأجل الأجرة، لو لم تكن أجرة لم يحج ولم يرد الحج، فهذا هو المذموم. وأما من أخذ الأجرة ليحج جاز فعله، وكذلك حلت له الأجرة، ولو كانت الأجرة زائدة. وهنا يأتي سؤال: يسأل بعض من يحج عن الغير فيقول: كيف إذا علمت أن الأجرة زائدة فوق حاجتي في الحج؟ هل يجوز أن آخذها أم أرد الباقي؟ لأن ذلك ينافي الإخلاص، أم ماذا أفعل؟ الجواب: ما دمت قد حججت لأجل الحج، وأخذت الأجرة لأجل الحج، فلا بأس أن تأخذ الزائد، ما دام أنه بغير مشارطة. وبه نعرف أن المشارطة بالزيادة معنى قد يضر بالحج. ولهذا قال من قال من أهل العلم: لا تجوز المشارطة في العبادات. لا تجوز المشارطة في العبادات؛ لأنه قد يخدش هذه العبادة. وفي هذا الحديث كذلك بيان أن تزيين العمل قد يضر بالعمل. تزيين العمل قد يضر بالعمل. وبه نعرف أن قول من قال من أهل العلم: أن أصل العمل باقي، والتزيين مردود، فيه تفصيل. فهو ليس على إطلاقه. فأصل العمل باقي مع الإثم، والتزيين مردود. فالمردود هو الزائد من التزيين، وأصل العمل مقبول مع الإثم؛ لأجل الرياء المصاحب لهذا العمل. وهكذا كذلك يلحقه الذن. وهنا يأتي كذلك سؤال في بعض العبادات إذا كانت تحتاج لبعض التزيين، ولكن يقصد بذلك ما عند الله، وقد يلتبس كونه لله أو قد يشوبه أحيانًا شيء. مثل التعليم، مثلًا، يحتاج المعلم أحيانًا أن يزين هذا التعليم. مثل معلم القرآن إذا أراد أن يتغنى بالقرآن ليعلم الطلاب كيفية التغني. التغني ممدوح أو مذموم؟ ممدوح. ممدوح. فإذا تغنى وكانت هذه أو كان هذا التغني في حدود المأذون فيه المشروع، ليس فيه مبالغة، فهذا التزيين ربما إذا قرأ وحده لم يتغنى ولم يزين، وإذا علم الطلاب تغنى وزين، فهذا التزيين إذن للناس، لكن هل هو للناس رياء وسمعة؟ إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. فإن أراد به الرياء والسمعة لأجل يقال: فلان صوته حسن، وفلان قراءته جميلة، فله ما نوى. وإن أراد بذلك ما عند الله من تعليم هؤلاء ما ينتفعون به، فله النية الحسنة. فلذلك ينبغي عليه أن يجاهد نفسه في إصلاح هذه النية. وهنا يأتي سؤال كذلك آخر، وهو أنه قد يعرض على الإنسان في بعض أعماله خواطر، بعضها من وساوس الشيطان، ومن نزغاته، وأحيانًا شيء من الأعمال والأقوال القلبية، عجب أو كذلك اغترار أو نحو ذلك. فما حكم ذلك؟ نص العلماء أن ذلك ما دام يقابل بالمدافعة فصاحبه مسلم. ما دام يقابل بالمدافعة فصاحبه مسلم. وأما إذا استسلم ورضخ لهذه الخواطر والأقوال والأفعال القلبية فيؤاخذ عليها. ويجمع بين هذا بما ورد في هذا الباب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم». ما لم تعمل أو تتكلم. فحديث النفس غير مؤاخذ به العبد. ويجمع مع هذا ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: «أنهما في الأجر سواء، وفي الإثم سواء: في الرجل يتمنى ما عند المحسن من إحسان فيحسن، ولكن ليس عنده الإمكان، والآخر في الإساءة أن يسيء، ولكن ليس عنده الإمكان». فهنا يقال: ما سمعتم بالتفصيل الذي سمعناه. ولذلك في الغالب لا يسلم إنسان من خواطر تمر به في بعض أعماله، فلا يمنعه ذلك من الاستمرار في العمل، لكن عليه أن يجاهد نفسه في إصلاح هذا العمل. طيب، نقف إلى هنا لانتهاء الوقت. والله تعالى أعلم.