الدرس في أخلاق العلماء للإمام الآجري 14، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يحذر الإمام الآجري من المناظرات التي تهدف إلى الانتصار وليس إلى الوصول إلى الحق، ويجب على العلماء تجنب الجدل والمراء والمغالبة.
يناقش المقطع انتشار المذاهب الفقهية وأثر الخلافات المذهبية، ويؤكد على ضرورة توجيه المناظرات نحو الوصول إلى الحق وليس الانتصار الشخصي.
يجب على العلماء أن يتبعوا آداب المناقشة العلمية، وأن يهدفوا إلى إظهار الحق وتصحيح الخطأ، مع تجنب الجدل والمراء والمغالبة.
يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب «أخلاق العلماء» للإمام الآجري رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الرابع عشر، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الآجري رحمه الله تعالى في كتاب «أخلاق العلماء»: «قال: ومن كان هذا مراده لم تؤمن فتنته ولم تحمد عواقبه». ويقال لمن مراده في المناظرة المغالبة والجدل: أخبرني إذا كنت أنا حجازيًا وأنت عراقيًا، وبيننا مسألة على مذهبي، أقول أنا: إنها حلال، وعلى مذهبك إنها حرام، فسألتني المناظرة لك عليها، وليس مرادك في مناظرتك الرجوع عن قولك، والحق عندك أن أقول فيها قولك، وكان عندي أنا أن أقول، وليس مرادي في مناظرتي الرجوع عما هو عندي، وإنما مرادي أن أرد قولك، ومرادك أن ترد قولي، فلا وجه لمناظرتنا، فالأحسن بنا السكوت على ما تعرف من قولك، وعلى ما أعرف من قولي، وهو أسلم لنا وأقرب إلى الحق الذي ينبغي أن نستعمله. مثل رحمه الله بهذا المثال في صورة من صور المناظرات التي لا ينبغي أن تقع إذا كان ليس المراد هو الوصول إلى الحق، بل المراد هو الغلب، فكل واحد متمسك برأيه. فإذا كان الأمر كذلك، فلا ينبغي مثل هذه المناظرة. وكما تقدم معنا: أولى الأولى في مثل هذا، حتى إذا كان المقصود هو الوصول إلى الحق، ألا تسمى مناظرة، تسمى مناصحة، سمى مذاكرة، ونحوها من العبارات اللطيفة التي لا تثمر وحشة في القلوب، ولا تحرك غوائل الشيطان. وأما قوله: إذا كنت أنا حجازيًا وأنت عراقيًا، يشير رحمه الله إلى مدرستين مشهورتين في ذلك الزمان من المدارس الفقهية: مدرسة أهل الحجاز، ومدرسة أهل العراق. ومدرسة أهل الحجاز اشتهروا بالاعتماد على الأثر، ومدرسة أهل العراق اشتهروا بالاعتماد على الرأي، ولهذا قد تسمى مدرسة أهل الرأي من باب التغليب. أشهر من اشتهر من أهل العراق أبو حنيفة، الإمام المشهور، وطلابه المشهورون معروفون كأبي يوسف، ويعقوب، وابنه إبراهيم المشهور بقاضي بغداد، وكذا محمد بن الحسن قاضي الرقة، وكذلك الحسن بن زياد قاضي الكوفة، وزفر قاضي البصرة، ونحو هؤلاء، فهؤلاء أخذوا عن أبي حنيفة. ومدرسة أهل الحجاز، كان فيها مدارس كثيرة، كمدرسة سفيان الثوري وغيره، ولكن الذي اشتهر مالك، فأخذ عن من فوقه من التابعين، ومن فوقه أخذوا عن الصحابة، وتحت مالك أخذ مجموعة، ومنهم الإمام الشافعي، وعن الشافعي أحمد، وانتشر مذهب الإمام مالك بطلابه، فمنهم من ذهب إلى الأندلس كيحيى بن يحيى الأندلسي، ولهذا انتشر مذهب الإمام مالك في المغرب العربي في جهة الأندلس. فالشاهد أن إذا كان المقصود هو الحق، فلا بأس بالمناظرة، وسمها بعبارة أفضل: مذاكرة في المسائل العلمية المقصود منها الوصول إلى الحق. أما إذا كان المقصود هو الانتصار على الطرف الآخر، فمثل هذا جدل عقيم سقيم، لا ينبغي أن يفتح، بل ينبغي كما قال: الأحسن بينا السكوت، كل يبقى على ما هو عليه. فبقاؤه كل أحد على ما هو عليه مع سلامة الصدور وعدم وجود الشحناء والبغضاء والعداوة خير من فتح هذا الباب، فتكون الشحناء والعداوة والبغضاء. فالخلافات المذهبية هذه أثمرت أشياء كثيرة، حتى استحل بعضهم الدماء والعياذ بالله، استحل الأموال وغير ذلك في عصور متأخرة. قال رحمه الله تعالى: «فإن قال: وكيف ذلك خير لأنك تريد أن أخطئ الحق وأنت على الباطل، ولا أوفق للصواب، ثم تسر بذلك وتبتهج به، ويكون مرادي فيك كذلك، فإذا كنا كذلك فنحن قوم سوء لم نوفق للرشاد، وكان العلم علينا حجة، وكان الجاهل أعبر منا، لأن هذا ليس مسلك العلم، مسلك العلم أن يكون الصواب هو بغية الجميع، إن جاء على لساني أو جاء على لسان من خالفني، والواجب الرجوع للحق والإذعان له، فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما». قال رحمه الله تعالى: قال محمد بن الحسين -وهو الآجري نفسه رحمه الله-: «قال: وأعظم من هذا كله أنه ربما احتج أحدهما بسنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على خصمه فيردها عليه بغير تمييز، كل ذلك يخشى أن تنكسر حجته، حتى إنه لعله يقول بسنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتة، فيقول هذا باطل، وهذا لا يقل به، فيرد سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه بغير تمييز، وهذا حرام، لا يجوز رد شيء من السنة، بل الواجب إذا جاءت السنة أن يسلم لها الجميع، كما قيل: إذا جاء نهر الله بطل نهر معكم، وهو المعنى إذا جاءت الحجة من الله فلا ينبغي أن تعارض بأي حجة». قال: «ومنهم من يحتج في مسألة بقول صحابي، ويرد عليه خصمه ذلك، ولا يلتفت إلى من يحتج عليه، كل ذلك نصرة منه لقوله، لا يبالي أن يرد السنن والآثار، وهذا مسلك خاطئ». الخلاصة أن الواجب على من ناقش في مسألة علمية أن يدعن للحق، فالحق يعرف بدليله وبرهانه لا بقائله، فالعبرة بالأدلة، متى ما قويت. قد يستدل بدليل، هذا شيء ظاهر ومعروف يكون صحيحًا، ولكن لا يدل على المدلول الصحيح، فلأجل أن يصح الاستدلال لا بد النظر من جهتين: النظرة الأولى صحة الدليل، والنظرة الثانية صحة دلالة الدليل على المدلول. فنحن ننظر إلى صحة الدليل، وصحة دلالته على ما يدل عليه، فإذا اجتمع الأمران وجب التسليم لهذا النص. قال رحمه الله تعالى: قال محمد بن الحسين: «من صفة الجاهل الجدل والمراء والمغالبة»، ونعوذ بالله ممن هذا مراده. والمعنى: يا من تحمل العلم، احذر أن تكون من هؤلاء الجاهلين الذين من صفتهم الجدل والمراء والمغالبة، فليست المغالبة مسلك أهل علم حملته. فلا تفرح بأنك تغلب بقدر ما تفرح أنك تصل إلى الحق ولو كنت مغلوبًا، فالوصول إلى الحق هو المهم، سواء كنت غالبًا أو كنت مغلوبًا، لأن هذا الذي تؤجر به، والذي تعبدنا الله عز وجل به. قال رحمه الله: «من صفة العالم العاقل المناصحة في مناظرته وطلب الفائدة لنفسه ولغيره». ومعنى المناصحة: يعني يطلب الأنصح في كل شيء، سواء في أسلوب النقاش والوصول إلى الحق أو ما هو أعظم من ذلك. وثمرة ذلك هو الوصول إلى الحق، فإذا كان كذلك فأنت تنصح حتى لو تبين لك خطأك وأنت غلبت في مجلس المذاكرة. فإذا رجعت إلى البيت وجدت الصواب خلاف ما ذكرت، فأنت ترجع وتقول: أعتذر، الدليل الذي استدللت به الصواب أنه ضعيف، ظننت أنه صحيحًا، فإذا به ضعيف، فأنا أتراجع عن ذلك، حتى ولو خرج الطرف الآخر مغلوبًا والصواب كان معك، فأنت تبين الحق، هذه هي النصيحة، النصيحة أن تظهر الحق في المجلس أو بعد المجلس. قال رحمه الله تعالى: «ومن صفة العالم العاقل المناصحة في مناظرته وطلب الفائدة لنفسه ولغيره، كثر الله بالعلماء مثل هذا، ونفعه بالعلم، وزينه بالحلم، اللهم آمين». إلى هنا إن شاء الله.