الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 148، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل مصادر تاريخية نصرانية حول المسيح وتلاميذه، ويستعرض كتاب 'نظم الجوهر' لأمن البطريق بطريرك الإسكندرية. يشمل ذلك تفاصيل حول تاريخ النصارى ومجامعهم واختلافهم.
يتناول هذا الفصل اضطهاد المسيحيين في عصر الأباطرة الرومان، مثل نارون وطرايانوس وأندريانوس، ويشمل الأحداث التي وقعت في تلك الفترة مثل قتل بطرس وبولس ومرقس وتدمير بيت المقدس.
يستعرض هذا الفصل تاريخ بيت المقدس وتدميره على يد اليونانيين واضطهاد اليهود والنصارى، ويشير إلى تعاقب الحكام والأساقفة وتأثير الأحداث التاريخية على المنطقة.
يختتم هذا الفصل بالإشارة إلى أن هناك مزيدًا من التفاصيل سيتم تقديمها في الفصول القادمة، ويتم توجيه التحية والشكر لله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: ونحن نذكر مع ذلك كلام من نقل مذاهبهم من أئمتهم المنتصرين لدين النصرانية، ونذكر ما ذكروه من حججهم. مثل أمن البطريق بترك الإسكندرية، فإنه صنف كتابه الذي سماه «نظم الجوهر»، وذكر فيه أخبار النصارى ومجامعهم واختلافهم، وسبب إحداثهم ما أحدثوه مع انتصاره لقول الملكية والرد على من خالفهم. قال سعيد: أمن البطريق بطريرك الإسكندرية في تاريخه المعروف عند النصارى، الذي سماه «نظم الجوهر»، وذكر فيه مبدأ الخلق وتواريخ الأنبياء والملوك والأمم، وأخبار ملوك الروم وأصحاب الكراسي برومية وقسطنطينية وغيرهما، ووصف دين النصرانية وفرق أهلها. وهو ملكي رد على سائر طوائف النصارى. لما ذكر مولد المسيح، صلوات الله عليه، وأنه ولد في عهد ملك الروم قيصر المسمى أغسطس، لثنتين وأربعين سنة من ملكه، قال: وملك ستا وخمسين سنة. قال: وملك بعده ابنه طيباريوس قيصر برومية، وللمسيح خمس عشرة سنة. وكان لقيصر هذا صديق يقال له بلاطس، من قرية على شط البحر الذي تحت قسطنطينية، ويسمى ذلك البحر السطس، ولذلك يسمى بلاطس النبطي، فولاه على أرض يهوذة. قال: وفي خمس عشرة سنة من ملك طيباريوس قيصر هذا، ظهر يحيى بن زكريا المعمداني، فعمد اليهود في الأردن لغفران الخطايا. فجاء المسيح إلى يحيى بن زكريا، فعمده يحيى في الأردن، ولسيدنا المسيح ثلاثون سنة. وذكر قصة قتل يحيى، وقصة الصلب المعروفة عند النصارى، إلى أن قال: وكتب بلاطس إلى طيباريوس الملك بخبر سيدنا المسيح، وما تفعل تلاميذه من العجائب الكثيرة من إبراء المرضى وإحياء الموتى، فأراد أن يؤمن بسيدنا المسيح ويظهر دين النصرانية، فلم يتابعه أصحابه على ذلك، وملك اثنتين وعشرين سنة وستة أشهر. وذكر أن في عصره بنيت مدينة طبرية، مشتقة من اسمه. قال: وملك بعده قيصر آخر أربع سنين وثلاثة أشهر، قتل بلاطس، وولي شخصا كان شديدا على تلاميذ المسيح، وقتل رئيس الشهداء، والشمامسة ورجم بالحجارة حتى مات. وذكر أنه لقي التلاميذ من اليهود ومن الروم شدة شديدة، وقتل منهم خلق كثير، وأنه مات هذا وولي بعده قيصر آخر. وفي زمنه وقع جوع نغباء، وفي زمنه كتب متى وبيّن إنجيله بالعبرانية في بيت المقدس، وفسره من العبرانية إلى الرومية يوحنا صاحب الإنجيل. قال: وفي تسع سنين من ملكه، كان مرقص صاحب الإنجيل بمدينة الإسكندرية يدعو الناس إلى الإيمان بالمسيح، وأنه أول شخص جعل بطريركا على الإسكندرية. وأنه صير معه اثني عشر قسيسا، وأمرهم إذا مات البطريرك أن يختاروا واحدا من اثني عشر قسيسا، ويضع الاثنا عشر قسيسا أيديهم على رأسه ويباركونه ويصلحونه بطريركا. ثم يختارون رجلا فاضلا قسيسا ويصيرونه معهم بدل القسيس الذي أصلحوه بطريركا، ليكون اثني عشر أبدا. فلم يزل رسمهم بالإسكندرية على هذا إلى زمن الثلاثمائة وثمانية عشر، فأمرهم بطريرك الإسكندرية الذي كان من جملة الثلاثمائة وثمانية عشر أن لا يفعل هذا فيما بعد، ومنع أن يصلح الأقساء البطرك، بل يختاروا من أي بلد كان رجلا فاضلا. وإذا مات البطرك اجتمع الأساقفة فأصلحوا البطرك من أي بلد كان من أولئك الأقساء أو من غيرهم، فانقطع الرسم الأول من إصلاح الأقساء البطرك، وجعلت تيسيرا لهم في إصلاح البطرك بابا. ثم سمي بطريرك الإسكندرية بابا، ومعناها الجد. ومن حنانينا الذي أصلحه مرقس البشير إلى حادي عشر بطريركا بالإسكندرية، لم يكن في عمل مصر أسقف، ولم يكن البطاركة قبله أصلحوا أسقفا. وأن العامة لما سمعت الأساقفة يسمون البطريرك أبا، قالوا: إذا كنا نحن نسمي الأسقف أبا، والأسقف يسمي البطريرك أبا، فيجب علينا أن نسمي البطريرك بابا، أي الجد، إذ كان أبا لأبينا. فسمي بطريرك الإسكندرية من وقته بابا، أي الجد. قال: وخرج مرقس إلى برقة يدعو الناس إلى الإيمان بالسيد المسيح. ومات قلوديوس قيصر، وملك بعده ابنه نارون ثلاث عشرة سنة. قال: وهو أول من أهاج على النصارى الشر والبلاء والعذاب. قالوا: في عصره كتب بطرس رئيس الحواريين الإنجيل إنجيل مرقس عن مرقس بمدينة رومية، ونسبه إلى مرقس. قالوا: في عصر هذا الملك كتب لوقا إنجيله بالرومية إلى رجل شريف من عظماء الروم يقال له ثاوفيلا، فكتب له أيضا الأبركس الذي فيه أخبار التلاميذ. وقد كان لوقا البشير صاحب بولس الرسول، يقول في بعض رسائله: أن لوقا الطبيب يقول عليكم السلام. وقال: وأخذ نارون قيصر لبطرس، فصلبه منكسا ثم قتله، لأن بطرس قال له: إن أردت أن تصلبني فصلبني منكسا، لئلا أكون مثل سيد المسيح، فإنه صلب قائما، وضرب عنق بولس الرسول بالسيف. وأقام بطرس بعد صعود المسيح اثنتين وعشرين سنة. قال: وكان مرقس صاحب الإنجيل بإسكندرية وبرقة يدعو الناس إلى الإيمان، فقام سبع سنين. وفي أول سنة من ملك نارون قيصر قتل مرقس بالإسكندرية، وأحرق جسده بالنار. وذكر بعده عدة قياصرة، وذكر أن طيطس خرب بيت المقدس بعد المسيح بسبعين سنة، بعد أن حاصرها وأصاب أهلها جوع عظيم، وقتل كل من كان فيها من ذكر وأنثى، حتى كانوا يشقون بطون الحبالى ويضربون بأطفالهم الصخور، وخرب المدينة والهيكل وأضرم بها النار. وأحصي القتل على يديه، فكانوا ثلاثة آلاف ألف. وذكر عدة قياصرة بعد ذلك، وأنه ولي واحد منهم خمس عشرة سنة، يقال له ذو ملاطيانوس، وكان شديدا جدا على اليهود. وأنه بلغه أن النصارى يقولون: إن المسيح ملكهم أو ملكهم أن ملكه إلى الدهر، فغضب غضبا شديدا وأمر بقتل النصارى، وأن لا يكون في ملكه نصراني. وكان يوحنا صاحب الإنجيل هناك، فسمع بهذا فقام وهرب إلى أفسس. ثم إنه أمر بإكرامهم وترك الاعتراض عليهم. ثم تولى بعده قيصر آخر سنة وبعض أخرى، ثم ملك آخر بعده تسع عشرة سنة، يسمى طرايانوس. قالوا: وهذا الملك أثار على النصارى بلاء عظيما وحزنا طويلا، وقتل شهداء كثيرة، وقتل بطريرك انطاكية برومية، وقتل أسقف بيت المقدس وصلب. وله مئة وعشرون سنة، وأمر أن يستعبد النصارى، إذ ليس لهم دين ولا شريعة. فلشدة ما استعبد النصارى وغلظ ما نالهم من القتل، رحمتهم الروم، وشهد وزراء الملك عنده أن النصارى لهم شريعة ودين، وأنه لا يحل أن يستعبدوا، فكف عنهم الأذية. قالوا: في عصره كتب يوحنا إنجيله بالرومية في جزيرة يقال لها بطمس، من أرض الروم من أرض أثينة، في عصر رجل من عظماء الروم فيلسوف يقال له إبيمودس. قالوا: في ذلك العصر رجع اليهود إلى بيت المقدس، فلما كثروا وامتلأت منهم المدينة، عزموا على أن يملكوا منهم ملكا، فبلغ الخبر طيباريوس قيصر، فوجه بقائد من قواده بجيش عظيم إلى بيت المقدس، فقتل من اليهود ما لا يحصى كثرة. قال: وخرج على قيصر هذا خارجي مقاتل ببابل، فخرج إليه بنفسه، فوقعت بينهم حرب شديدة، وقتل من الفريقين خلق عظيم، وقتل قيصر في الحرب. وملك بعده أندريانوس قيصر عشرين سنة، فخرج إلى ذلك الخارجي ببابل فهزمه، وصار إلى مصر، فلقي منه أهل مصر شدة شديدة، وأخذ الناس بعبادة الأصنام، وقتل من النصارى خلقا كثيرا، وقتل من النصارى خلقا كثيرا. وأصاب إليا ابنه عللا في بدنه، فكان ينفذ إلى البلدان يطلب شفاء لعلته، فوصفوا له بيت المقدس، فلما وافاها رآها خرابا ليس فيها أحد إلا كنيسة للنصارى، فأمر أن تعمر المدينة وتحصن بحصن قوي. فلما سمع اليهود أقبلوا من كل بلد وكل مدينة، فما كان إلا زمان قليل حتى امتلأت منهم المدينة، فلما كثروا ملكوا عليهم ملكا، فاتصل الخبر بإليا ابن قيصر أندريانوس، فوجه إليهم بقائد من قواده مع خلق كثير، فحاصر المدينة، فمات كل من فيها من الجوع والعطش، ثم فتحها فقتل من اليهود ما لا يحصى، وهدم الحصن وخرب المدينة حتى صيرها صحراء. قالوا: هذا آخر خراب بيت المقدس، وهرب من اليهود من هرب إلى مصر وإلى الشام وإلى الجبال وإلى الغور. وأمر الملك أن لا يسكن المدينة يهودي، وأن يقتل اليهود ويستأصلوا، وأن يسكن المدينة اليونانيون، وبينوا على باب الهيكل برجا، ويجعل فوقه ألواحا، ويكتب عليها اسم إليا الملك، وذلك من ثمان سنين من ملكه. قالوا: البرج اليوم على باب مدينة المقدس، وسمي محراب داود. قال: فسمي بيت المقدس إلى هذا الوقت إليا. فمن الخراب الأول الذي أخربه طيطس إلى هذا الخراب ثلاث وخمسون سنة، وامتلأت بيت المقدس من اليونانيين، فنظروا إلى النصارى يأتون إلى تلك المزبلة التي فيها القبر، والأقباط يصلون، فمنعوهم من ذلك. وبنى اليونانيون على تلك المزبلة هيكلا على اسم الزهرة، فلم يقدر أحد من النصارى بعد ذلك أن يقرب ذلك الموضع. قال: ثم مات إليا الملك، وملك بعده أنطونيوس قيصر برومية اثنتين وعشرين سنة. قالوا: في إحدى عشرة سنة من ملكه صير يهودا أسقفا على بيت المقدس، فأقام سنتين ومات. قال: فمني عقوب أسقف المقدس الأول إلى يهودا أسقف بيت المقدس هذا، كانت الأساقفة الذين صيروا على بيت المقدس مختونين. وذكر أنه ولي بعد هذا قيصر آخر اسمه مرقس تسع عشرة سنة، وأنه أثار على النصارى بلاء عظيما وحزنا شديدا، واستشهد في زمانه شهداء كثيرون. قال: وكان في أيامه جوع شديد ووباء عظيم، لم تمطر السماء سنين، وكاد الملك وجميع أهل مملكته أن يهلكوا من الجوع، فسألوا النصارى أن يبتهلوا إلى إلههم، فدعوا فأمطر الله عليهم مطرا عظيما، وارتفع الوباء والقحط. قال: وكان بأيامه بأرض اليونانيين مغنوس الحكيم. قال: وفي خمس سنين من ملكه صير لوليا ثاوس بطريركا، وهو أول بطريرك أصلح الأساقفة في عمل مصر، أقام ثلاثا وأربعين سنة ومات. بسم الله الرحمن الرحيم، جعل المؤلف -رحمه الله تعالى- هذا تتمة لما سبق من استدلاله ببعض النصارى على النصارى، سواء من أسلم كالحسن بن أيوب أو من كان نصرانيا كابن البطريق. وأشار إلى أن البطريرك هو رئيس الأساقفة، يعني مثل ما نقول كبير العلماء، وهو الذي يسمى اليوم بالبابا. وأشار إلى ذلك -رحمه الله- بما نقله عن ابن البطريق، وهو يشير -رحمه الله- أي شيخ الإسلام بهذا إلى أحوال النصارى واليهود، وهكذا الوثنيين من الرومانيين. والذي به يصل إلى أن عيسى عليه الصلاة والسلام بشر، ولو كان إلها لم يكن هذا كله له ولأتباعه، ولكن هذا يؤكد بشريته عليه الصلاة والسلام. وقوله: «قسطنطينية» هي التي أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنها تفتح أولا، وهي إسطنبول اليوم. وقد فتحت الفتح الأول في سنة سبع وخمسين وثمانمائة للهجرة، فتحها محمد الفاتح. ومدينة قيصر التي أشار إليها هي رومية التي تسمى اليوم روما، والتي فيها أصل الكنائس في الفاتيكان. وقوله: «بنيت مدينة طبرية» مشهورة، هي في فلسطين، وتسمى بمدينة الجليل، لأن بها بحر بحر طبرية، وهي بحيرة صغيرة غير البحر الميت، بحيرة صغيرة. وهي التي أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه يشربها يأجوج ومأجوج حتى ما يبقون منها قطرة. وهي أحد المدن التي يقدسها اليهود، ويزعمون أنه يجب أن لا تنقطع الصلاة فيها، وهي أربع مدن: القدس، والخليل، وصفد، وطبرية. ويدكر أهل التاريخ المعاصر أنها أول مدينة سلمت لليهود من قبل الإنجليز، واليوم هي محل أكبر أثرياء العالم من اليهود، فيها كبار أثرياء العالم من اليهود والمصارف والدوائر الحكومية. أولا لأنها من أكثر المدن في فلسطين من جهة المناظر وكثرة العيون، وأكثر من فيها من يهود. وما ذكره من أحوال تسلط الرومان على النصارى، وكذلك على اليهود، تسلط اليهود على النصارى، كل هذا يدل على أولا بعد هؤلاء عن دين الله عز وجل بهذا الجور وظلم التسلط. وثانيا كذلك يؤكد ما سبق أن عيسى عليه الصلاة والسلام ليس بإله، ولا أن أتباعه عندهم ما يزعمون من معنى نصرة الإله أو غير ذلك. وسأتي إن شاء الله زيادة بيان بالفصل أو الفصول الآتية. إلى هنا، الله تعالى عليكم.