القول السديد في مقاصد التوحيد 12

القول السديد في مقاصد التوحيد 12

الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 12، الدرس الثاني عشر:من( باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله ... ويا له من بيان ما أوضحه وحجة ما أقطعها للمنازع ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله

يتناول المقطع تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، ويشرح مدلولاتها من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يبين أهمية الكفر بما يعبد من دون الله لتحقيق معنى لا إله إلا الله.

تحقيق كلمة التوحيد بإفراد الله بالعبادة والمحبة والطاعة

يشرح المقطع أهمية إفراد الله تعالى بالعبادة والمحبة والطاعة لتحقيق كلمة التوحيد، ويبين أن عبادة الله مع الكفر بما سواه هو الذي يتحقق به التوحيد والإيمان. يشير إلى أن طاعة غير الله في التحليل والتحريم تعتبر شركًا.

شروط تحقيق التوحيد وبيان حقيقة الشرك في هذا الزمان

يشرح المقطع أن تحقيق التوحيد يتطلب العلم بالمعنى والإقرار به والعمل بمقتضاه والكفر بما يعبد من دون الله. يبين أن مشركي هذا الزمان يظنون أن حقيقة الشرك هي عبادة غير الله مع الله، بينما هي عبادة غير الله سواء معها عبادة لله أو لا.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله. قال: وقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآية، وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾. قال: وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل». قال: وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب، يعني تفسير هذه الترجمة يأتي فيما بعدها من الأبواب. قال: فيه أكبر المسائل وأهمها، ويتعلق بتفسير التوحيد وتفسير الشهادة، وبينهما أمور واضحة، منها آية الإسراء، بين فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين، ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر. ومنها آية براءة، بين فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وبيّن أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلها واحدا، وأن تفسيرها الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم. ومنها قول الخليل عليه السلام للكفار: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، فاستثنى من المعبودين ربه، وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله، فقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. ومنها آية البقرة، في الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾، ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حبا عظيما، ولم يدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟ وكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله؟ ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله»، وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله. فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ولا دمه، فيا لها من مسألة ما أعظمها وأجلها، ويا له من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع. أورد شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، هذا الباب في سياق ذكره للأبواب التي هي توطئة للدخول في المقصود، وهذا هو آخر الأبواب التي تعتبر من مقدمة الكتاب، وتوطئة للدخول إلى المقصود فيما يتعلق بكتاب التوحيد، وذكر الأمور الشركية التي تنقض التوحيد. ولهذا قال رحمه الله: وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب، يعني سيشرح وسيوضح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب. ذكر رحمه الله، كما سبق التنبيه عليه في أوائل الكتاب، عددا من الآيات والأحاديث على طريقة أئمة الحديث، كالإمام البخاري، رحمه الله، وغيره، يذكرون الآيات والأحاديث مما يناسب الترجمة. فقوله: باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، أي هذا مدخل لمعرفة تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، وهو يريد أن تفسيرها: لا معبود بحق إلا الله، وهو توحيد الألوهية الذي يستلزم توحيد الربوبية والأسماء والصفات. ولهذا ذكر هذه الآيات والأحاديث الدالة على هذا المعنى. فقوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، هذه الآية جاء في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود أنها نزلت في نفر من الإنس كانوا يعبدون نفرا من الجن. فالآية عامة تشمل كل من عبد من دون الله، وهو غير راض، وهو يعبد الله ويوحده، كالأنبياء، عبدوا من دون الله عز وجل، وهم لا يرضون بهذا، بل هم يعبدون الله ويو، وتوحده. فإذا كان الذين يدعون من دون الله هم يبتغون إلى ربهم الوسيلة، فمن باب أولى أنهم يأمرون غيرهم أن يبتغوا إلى الله الوسيلة، لا إليهم ولا إلى غيرهم من المخلوقين. وقوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾، يشمل الدعاء باللسان، دعاء المسألة، ويشمل الدعاء بالفعل، وهو دعاء العبادة. فالطواف من الدعاء، والتمسح من الدعاء، وظن النفع بالتربة أو غير ذلك من الدعاء، والاستغاثة من الدعاء. فلو سمى مسمى ما يفعله أنه ليس بدعاء، وهو عبادة، فهو دعاء، يدخل في عموم الآية، لأن الآية عامة في كل معنى يحصل به العبادة لغير الله عز وجل. فصار المعنى: هو توحيد الله عز وجل وحده، ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل. وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، فيها تفسير كلمة التوحيد. فقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، بمثابة لا إله، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، بمثابة إلا الله، ولكنها فيها زيادة معنى، وهي البراءة مما يعبد من دون الله. وفيها دليل على أن قوم إبراهيم كانوا يعبدون الله ويعبدون غير الله، ما كانوا يعبدون غير الله فقط، بل كانوا يعبدون الله ويعبدون غير الله. لقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، فهذا الاستثناء مع عموم ما قبله، يدل على أنهم كانوا يعبدون أشياء كثيرة. فمن هذه الأشياء التي يعبدونها: أنهم يعبدون الله، ويعبدون غير الله، ومع ذلك صاروا كفارا ومشركين. فعلم أن عبادة الله لا تمنع من الكفر إذا كان معها كفر وشرك، ولكن عبادة الله مع الكفر بما سوى الله هو الذي يتحقق به التوحيد، ويتحقق به الإيمان، ويتحقق به الإسلام. وأما من عبد الله وعبد مع الله غيره، فهو مشرك، ولو عبد الله ما تنفعه عبادة الله سبحانه وتعالى. فقوم إبراهيم عبدوا الله وعبدوا غير الله، ومع ذلك صاروا من المشركين، ما نفعهم عبادة الله سبحانه وتعالى. وهذا أمر مهم، قل من ينتبه له، خصوصا ممن افتتن بفتنة القبور، فإنهم يظنون أنهم كونهم يعبدون الله سبحانه وتعالى، ذلك مبررا لهم، ومصححا لهم أنهم ليسوا من المشركين. وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، فيه إشارة إلى أن من تمام تحقيق كلمة التوحيد: إفراد الله سبحانه وتعالى بالطاعة والانقياد. لا يعتقد الموحد أن لغير الله حقا في التحليل والتحريم، بل هذا حق محض لله سبحانه وتعالى. وهؤلاء الذين عبدوا الأحبار والرهبان، وهم العلماء والعباد، عبدوهم كما جاء في حديث عدي بن حاتم في السنن، بإسناد صحيح، بأنهم حللوا لهم الحرام، فأحلوه، وحرموا عليهم الحلال، فحرموه. فتابعوهم في تحريف شريعة الله في التحليل والتحريم، فصاروا بذلك من المشركين. وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، وجه الشاهد: أن من تمام تحقيق وتفسير التوحيد: لا إله إلا الله، إفراد الله عز وجل بالمحبة الخالصة. فمن لم يفرد الله عز وجل بالمحبة الخالصة، فهو لم يحقق التوحيد. وهكذا قل في سائر العبادات القولية أو العملية، الظاهرة أو الباطنة، لا بد أن يفرد الله عز وجل بها وحده. وما ذكره رحمه الله، كآية الإسراء، بيّن فيها الرد على المشركين، إلى آخر كلامه، يعني إذا كان هؤلاء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، بل هم يعبدون الله، فعلم أن عبادتهم لهم شيء مع منافاة للشرع، ومنافاة للعقل. ولهذا استوجب ذلك الكفر والشرك، فدل ذلك على وجوب عبادة الله عز وجل وحده، وعدم عبادة غيره. وقوله: ومنها آية براءة، بيّن فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم، إلى آخره، فهو فيه: أن من الطاعة ما هو كفر وعبادة لغير الله. فتمام تحقيق كلمة التوحيد بإفراد الله عز وجل بالطاعة والانقياد. وقوله: وبيّن أنه لم يؤمر إلا بأن يعبدوا إلها واحدا، مع تفسيرها الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم، واضح. فدعاء غير الله، كائنا من كان، شرك، وهكذا طاعة لغير الله عز وجل على هذا الوجه، كذلك هو من الكفر والشرك، إذ أن الرب جل وعلا هو الذي له الحق في التحليل والتحريم وحده. ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب: هذا حلال، وهذا حرام، لتفتروا على الله الكذب. قال: ومنها قول الخليل عليه السلام للكفار، وسبق الكلام عليه. وأراد رحمه الله: أن هذا هو حقيقة التوحيد، البراءة من كل معبود سوى الله تعالى، مع ما تقدم: أن فيه دليل أن قوم إبراهيم كانوا يعبدون غير الله، ويعبدون الله، ومع ذلك لم ينفعهم عبادتهم لله، لكونهم فعلوا ما ينقض هذه العبادة، بعبادتهم غير الله. وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، فهذا هو حقيقة تفسير التوحيد، كلمة التوحيد حقيقتها: إفراد الله جل وعلا بالعبادة، لا معبود بحق إلا الله. وقوله: وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة تفسير شهادة أن لا إله إلا الله، فقال: يعني يريد أن هذه الآية المجملة، فصلتها هذه الآية المبينة. وجعلها كلمة باقية في عقبه، ما هي هذه الكلمة؟ هي قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، فإن الضمير يعود إلى ما قبله، فإن سياق الآيات واحد. ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، ثم وجعلها كلمة باقية في عقبه، فدل على أن كلمة التوحيد التي بقيت في عقبه، تفسيرها هذا: لا عبادة إلا لله سبحانه وتعالى، لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى. وقوله: ومنها آية البقرة، في الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾، إلى أن قال: ذكر أنهم يحبون أندادا كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حبا عظيما، ولم يدخلهم في الإسلام. فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟ وكيف بمن لم يحب إلا الند وحده، ولم يحب الله؟ يريد أن يقول: أن المطلوب هو عبادة الله عز وجل وحده، ومن عبادة الله وحده: أن يكون الحب لله وحده خالصا. ولهذا فإنك إذا تأملت أدلة الكتاب والسنة، وما أجمع عليه علماء الأمة، تجد أنه ليس شيء يحب لذاته إلا الله سبحانه وتعالى. وكل ما سوى الله يحب لله، أنت تحب النبي عليه الصلاة والسلام لله، وهكذا كل ما تحب من الحب الشرعي، والحب الفطري، هو تبع لحب الله سبحانه وتعالى. فليس شيء يحب لذاته إلا الله سبحانه وتعالى، ولهذا تكون له المحبة الخالصة. فالموحدون الحقيقيون هم الذين حبهم خالص لله سبحانه وتعالى، فإن كان في حبهم لله شائبة المنافسة والمزاحمة لحب غيره، صار هذا الحب ناقصا. وهذا النقصان إما أن يهدم هذا التوحيد إذا كان على وجه الشرك الأكبر، كفعل هؤلاء المشركين، أو يهدم كمال التوحيد إذا كان على وجه الشرك الأصغر، كحال من يقدم بعض ما يهوى مما يحب على حب الله سبحانه وتعالى. فهذا من الشرك الأصغر، وذاك من الشرك الأكبر. فمن الشرك الأصغر: أن يمنعك حبك لمخلوق تقديم ما تحب من أمر الله، فهذا من الشرك الأصغر، لأنه ذريعة لشرك أكبر، بتقديم حب غير الله على حب الله. وقوله: ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله»، إلى آخره، قال بعده: وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، لماذا؟ من أعظم، لأن هذا الأمر هو حقيقة ما يجهله المشركون في زمان المؤلف. فالمشركون الأولون علموا أن حقيقة ما يدعوهم إليه النبي عليه الصلاة والسلام هو الكفر بما يعبد من دون الله، ولهذا قالوا صريحا: أجعل الآلهة إلها واحدة؟ إن هذا لشيء عجاب. لكن مشركي هذا الزمان، إن من كان في زمن المؤلف، رحمه الله، وإلى يومنا هذا، يظنون أن حقيقة الشرك هو عدم عبادة الله، وعبادة غير الله معا، ما ظنوا ولا تصوروا أن حقيقة شرك المشركين هو بعبادة غير الله، سواء كان كان معها عبادة لله أو لم يكن معها عبادة لله. انتبهوا لهذا، لم يفهم المشركون في هذا الزمان، وفي زمن المؤلف، رحمه الله، أن حقيقة الشرك هو عبادة غير الله، سواء عبدوا الله مع عبادتهم لغير الله، أو لم يعبدوا الله. ظنوا أن من عبد الله فهو مؤمن، ولو عبد غير الله، وهذا خطأ، بل هذا الإيمان يبطل بالشرك، والإسلام ينتقض بالكفر. ولكن حقيقة الإسلام هو الاستسلام الذي يتضمن الكفر بما سواه، وحقيقة الإيمان هو الإذعان المتضمن كذلك لترك ما سوى الله. وحقيقة التوحيد هو إفراد الله عز وجل بالعبادة، المتضمن والمقتضي للكفر بكل ما يعبد من دون الله. فمن لم يفعل ذلك، فهو ليس بمؤمن، ولا موحد، ولا مسلم، ولو عبد الله الليل والنهار، إذا عبد معه غيره، فهو ليس بمؤمن، ولا مسلم، ولا موحد. ووجه الدلالة في قوله جل وعلا: «من قال لا إله إلا الله»، في قوله عليه الصلاة والسلام: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله»، لابد من نفي وإثبات، وهما ركنا كلمة التوحيد. ولهذا قال المؤلف رحمه الله: وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك. يعني لا يكفي التلفظ بلا إله إلا الله باللسان، وهؤلاء يظنون أن التلفظ بها يكفي، وربما استدلوا بحديث قصة أسامة: «أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟» وهذا الاستدلال خاطئ. لأن من قال لا إله إلا الله عصم دمه وماله ابتداء، ثم بعد ذلك ينظر: هل عمل بلازم لا إله إلا الله؟ فيأتي ببقية أركان الإيمان والإسلام. فإن أتى بها نفعته لا إله إلا الله، وإن لم يأتي بها لم تنفعه لا إله إلا الله. فحديث أسامة فيه: أن من قال لا إله إلا الله فقد دخل في الإسلام، لكن ليس فيه: أن من قال لا إله إلا الله فقد عمل بالإسلام. لا، فيه دخول من قال لا إله إلا الله في الإسلام، فيلزم من قالها بعد ذلك أمور. فمن لم يأتي بهذه الأمور من الشروط والواجبات التي تطلبها لا إله إلا الله، فإنه سيحل دمه وينقض إيمانه. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام بحديث ابن عمر: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عَصَمُوا مني دماءهم وأموالهم». مفهومه: أنه لا يكفي قول لا إله إلا الله، أليس كذلك؟ هذا هو مفهوم حديث ابن عمر. فالجمع بينه وبين حديث أسامة: ما سمعنا، بل لو أتى بهذه كلها، ونقضه بناقض من نواقض الإيمان أو الإسلام، فإنه لا تنفعه الكلمة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من بدل دينه فاقتلوه»، وفي حديث ابن مسعود: «والتارك لدينه المفارق للجماعة». فالحقيقة أن التلفظ وحده لا يكفي، وهذا ما لم يفهمه عباد القبور. وقوله: ولا معرفة معناها مع لفظها، كذلك لا يكفي أن يقول: أنا أعرف معنى لا إله إلا الله، إذ معناها: عبادة الله وحده لا شريك له. نقول: ما شاء الله، معرفتك صحيحة، وتلفظك صحيح، لكن بقي شيء أعظم من هذا، وهو العمل. هل عملك يوافق هذا المعرفة وهذا التلفظ؟ ولهذا قال بعده: ولا الإقرار بذلك، حتى الإقرار باللفظ والمعنى ما يكفي. قال: بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، يقول: ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف لذلك الكفر بما يعبد من دون الله. لو قال رجل في ظاهر فعله التوحيد، وهو لا يعبد غير الله، لكن إذا سئل عن عبادة غير الله، قال: أنا ما أرى هذا شركا، هذا مسلم، ولو لم يفعل الشرك. يعني الآن لو تلفظ بلسانه لم يكفي، لو عرف معنى هذه الكلمة ما يكفي، لو أقر بهذه الكلمة ما يكفي، لو عبد الله عز وجل وحده كذلك ما يكفي. قد يقول قائل: كيف هذا؟ قال: لا إله إلا الله، وعرف معناها، ولم يعبد إلا الله سبحانه وتعالى وحده، ماذا بقي؟ نقول: بقي شيء آخر، وهو أن يكفر بما يعبد من دون الله. أن يكفر بما يعبد من دون الله، يعني أن يقول للكفر كفر، وللشرك شرك. فإذا صار يفعل التوحيد، ويرى أن من عبد غير الله ليس على شرك، ولا على كفر، صار هو كافر ومشرك، إذ لابد أن يكون عنده تحقيق للتوحيد، بعلمه وبعمله. فهذا الذي عبد الله وحده حقق التوحيد بعمله، ولكنه لم يحققه بعلمه، لأنه لم يكفر بما يعبد من دون الله. فلابد من الكفر بما يعبد من دون الله، فإن كفر بما يعبد من دون الله، فقد حقق التوحيد علما وعملا. وعند ذلك هو الموحد الذي يحرم دمه وماله، وحسابه على الله. وتضمن ذلك كذلك: أن حرمة الدم والمال ليس بالتلفظ بالكلمة، بل بتحقيق هذه الأمور الأربعة: التلفظ، مع العلم بالمعنى، مع الأداء للعمل، مع الكفر بما يعبد من دون الله. فلا يكفي من تلفظ بها، أو علم معناها، أو عمل بمقتضاها، ولكنه لم يكفر بما يعبد من دون الله، لم يكفي ذلك أن يحرم دمه وماله، وأن يحكم عليه بالإسلام والإيمان والتوحيد، حتى يحقق هذه الخصال الأربع. وهذا ما لا يفهمه، ولم يعقله عباد القبور. نكتفي بهذا، ونترك إن شاء الله الباقي إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.